|
القاهرة 07 أغسطس 2026 الساعة 10:10 م

متابعة : مروة مدحت
عدسة : مدحت صبري
قدّمت فرقة فابريكا للمسرح الموسيقي عرضها المسرحي الغنائي «أوليفار بالعربي» على مسرح ميامي، في عرضه الثاني والأخير، مستندة إلى الرواية العالمية «أوليفر تويست» لتشارلز ديكنز وموسيقى ليونيل بارت، في معالجة مسرحية سعت إلى استعادة عالم ديكنز من خلال لغة موسيقية واستعراضية تجمع بين الحكاية والفرجة، وتضع الشخصيات في مواجهة مباشرة مع عالم قاسٍ تحكمه الحاجة والفقر والبحث عن النجاة.
ومن خلال الصور التي عكست عددًا من لحظات العرض وتكويناته البصرية، بدا أن الرهان الأساسي للعمل لم يكن على فخامة المشهد بقدر ما كان على صناعة عالم مسرحي متكامل من خامات بسيطة، وتحويل محدودية الإمكانات إلى جزء من جماليات الفرجة؛ وهي نقطة تُحسب لفريق العمل، خصوصًا أن الديكور لم يأتِ بوصفه خلفية صامتة للأحداث، وإنما بدا حاضرًا وفاعلًا في تشكيل الفضاء الدرامي.
* الخشبة.. عالمٌ من الخشب والقضبان
جاء تصميم الديكور لـ أحمد إسماعيل قائمًا على تكوينات خشبية واضحة، تبدو أقرب إلى عالم الفقراء والمهمّشين الذي تنتمي إليه الحكاية، مع استخدام القضبان والألواح والممرات والمستويات الرأسية لصناعة فضاء يحمل دلالات متعددة؛ فالقضبان تحديدًا لم تكن مجرد عنصر بصري، وإنما منحت الخشبة إحساسًا دائمًا بالحصار والمراقبة، بينما أتاح البناء المرتفع في خلفية المشهد مستويات مختلفة للحركة، وهو ما منح الصورة المسرحية عمقًا واتساعًا.
واللافت أن الديكور استطاع أن يجمع بين الخشونة والوظيفية؛ فالمواد الخام والمظهر غير المصقول انسجما مع عالم «أوليفر تويست»، في حين أتاحت البنية المفتوحة انتقال الممثلين والحركة الجماعية دون أن تصبح العناصر الديكورية عائقًا أمام الإيقاع المسرحي.
وفي بعض التكوينات الجماعية، تحولت الخشبة إلى ما يشبه مجتمعًا مصغرًا تتقاطع داخله الشخصيات، لتصبح المساحات المختلفة جزءًا من التعبير عن التفاوت الاجتماعي والصراع الذي يفرض نفسه على عالم الحكاية.
* إضاءة ترسم الحالة ولا تكتفي بإضاءة الممثل
أما إضاءة سيد نجار، فكانت من أبرز العناصر التي منحت العرض هويته البصرية، خاصة مع الاعتماد الواضح على الأزرق والبنفسجي في عدد من المشاهد، بما خلق حالة مسرحية ذات طابع حالم وبارد في الوقت نفسه.
فاللون لم يكن حاضرًا بوصفه زينة بصرية، وإنما ساهم في نقل الإحساس النفسي للمشهد؛ إذ منح الضوء الأزرق الفضاء درجة من القسوة والاغتراب، بينما جاءت التحولات إلى الإضاءات الأكثر دفئًا لتخفيف حدة هذا المناخ وإعادة توجيه عين المتفرج نحو الشخصيات والحركة.
وتكشف الصور كذلك عن قدرة الإضاءة على صناعة مستويات بصرية مختلفة داخل التكوين الواحد؛ فبينما كانت بعض الشخصيات تغرق في الظلال أو الإضاءة الخافتة، كانت أخرى تتقدم إلى مقدمة الصورة، وهو ما صنع نوعًا من التركيز الدرامي من دون الحاجة إلى إغراق الخشبة في مؤثرات ضوئية زائدة.
وفي المشاهد الجماعية، ساهم الضوء في تكثيف الإحساس بالاحتفال والحركة، بينما اتخذ في اللحظات الأكثر قتامة طابعًا أكثر توترًا، ليصبح شريكًا في بناء الحالة وليس مجرد وسيلة لرؤية العرض.
* الأزياء.. زمن ديكنز بروح مسرحية مرنة
جاءت أزياء هند الشيمي منسجمة مع العالم الاجتماعي للحكاية، إذ حملت الملابس ملمحًا واضحًا من البساطة والخشونة التي تتناسب مع الشخصيات والبيئة الفقيرة التي تتحرك داخلها الأحداث.
وفي الوقت نفسه، لم تقع الأزياء في فخ الاستنساخ التاريخي الجامد، بل بدت أقرب إلى معالجة مسرحية للعصر، تسمح للممثلين بالحركة والاستعراض، وتمنح كل مجموعة من الشخصيات ملامحها الخاصة.
كما ظهر التنوع في الألوان والخامات بوصفه عنصرًا مساعدًا على الفصل بين الشخصيات، خاصة في المشاهد التي تضم عددًا كبيرًا من الممثلين، وهو أمر شديد الأهمية في المسرح الغنائي الذي يمكن أن تتحول فيه كثافة المجموعة إلى كتلة بصرية واحدة إذا لم تكن هناك عناية بتفاصيل الملابس.
* سمر جلال.. إخراج يراهن على الجماعة
في الإخراج، قدمت سمر جلال رؤية تعتمد بصورة أساسية على حيوية المجموعة وتكامل عناصر العرض، وهو ما بدا واضحًا في التكوينات الجماعية التي كشفت عنها الصور؛ فالممثلون لا يظهرون باعتبارهم أفرادًا منفصلين فقط، وإنما كجزء من تشكيلات تتغير باستمرار وفق الإيقاع الدرامي والموسيقي.
وتحظى الحركة على الخشبة بمساحة مهمة داخل الرؤية الإخراجية، وهو أمر طبيعي في عرض موسيقي يعتمد على الغناء والاستعراض، لكن التحدي هنا كان في الحفاظ على وضوح الصورة وسط كثافة العناصر، وقد نجحت الرؤية في عدد من اللحظات في تحويل المجموعة إلى لوحة حية تتحرك وتغني وتتفاعل داخل الفضاء.
ويُحسب للإخراج كذلك عدم التعامل مع الطفل أو الممثل الأصغر سنًا بوصفه مجرد عنصر لطيف داخل العرض؛ فالصور تكشف عن حضور فاعل لهذه الشخصيات داخل التكوينات الجماعية، بما يمنح عالم «أوليفار بالعربي» طاقة إنسانية وشبابية واضحة.
* الأداء.. طاقة جماعية في خدمة الموسيقى
اعتمد العرض على مجموعة كبيرة من الممثلين، من بينهم فاطمة عبد العليم، نوران شرف الدين، فاطمة عماد، عمر جبر، نوران يوسف، شمس إيهاب، يعقوب ياسين، منة الله أحمد، وإسلام لطفي، إلى جانب باقي المشاركين في العرض.
وتكشف الصور عن أداء يعتمد على الحضور الجسدي والتعبير الجماعي، إلى جانب الأداء الغنائي الذي يمثل أحد الأعمدة الأساسية في تجربة فابريكا. وتبدو أهمية هذا الجانب في قدرة الممثلين على الانتقال بين المشهد التمثيلي والمشهد الغنائي والاستعراضي دون أن يفقد العرض وحدته الإيقاعية.
كما جاءت الاستعراضات التي صممتها ليلى أشرف جزءًا أساسيًا من البناء، لا فواصل منفصلة عن الحدث؛ إذ بدا الجسد الجماعي للممثلين عنصرًا في رواية الحكاية، بينما ساعد تنوع التكوينات والحركة على الحفاظ على حيوية المشاهد واسعة العدد.
ويقود الجانب الموسيقي د. نيفين علوبة، وهو عنصر شديد الأهمية في تجربة مأخوذة عن عمل غنائي ارتبط تاريخيًا بموسيقى ليونيل بارت، حيث تصبح الموسيقى هنا أكثر من مجرد خلفية؛ إنها إحدى الوسائل الرئيسية التي تنتقل بها الشخصيات من الحوار إلى التعبير عن مشاعرها وصراعاتها.
«أوليفار بالعربي».. فرجة تعرف كيف تستخدم بساطتها
في المحصلة، بدا «أوليفار بالعربي» محاولة جادة لتقديم عالم «أوليفر تويست» بلغة مسرحية غنائية قادرة على مخاطبة الجمهور من خلال الصورة والموسيقى والحركة، مع الحفاظ على ملمح إنساني واضح في الحكاية.
وإذا كان العرض لا يعتمد على ديكور ضخم أو تقنيات استعراضية مبهرة بقدر اعتماده على الممثل، والموسيقى، والحركة، والضوء، والخامة البصرية البسيطة، فإن هذه البساطة نفسها تحولت إلى اختيار جمالي له منطقه؛ فالأخشاب والقضبان والأقمشة والخامات غير المصقولة لم تحاول أن تخفي فقر العالم الذي تدور فيه الحكاية، بل جعلته مرئيًا أمام المتفرج.
ومن هنا جاءت قوة الصورة المسرحية: عالم فقير في مادته، لكنه غني بالحركة والموسيقى والإنسان. وبين الأزرق القاسي للإضاءة، وخشونة الخشب، وتنوع الأزياء، وكثافة المجموعات، استطاعت سمر جلال وفريقها أن يصنعوا فضاءً مسرحيًا يحمل روح «أوليفر تويست» دون أن يبدو مجرد نسخة من الرواية، وإنما إعادة تقديم لها عبر مفردات المسرح الموسيقي.
وتستمر فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري حتى الحادي عشر من أغسطس المقبل. ويُعد هذا المهرجان الملتقى السنوي الأبرز للاحتفاء بالإبداع المسرحي المصري، ومظلة وطنية كبرى تجمع أحدث العروض وتكرم قامات المسرح، تسليطاً للضوء على الحراك الثقافي والفني وتأكيداً لريادة المسرح المصري في احتضان مختلف التجليات الإبداعية.



|