|
القاهرة 07 أغسطس 2026 الساعة 02:53 م

كتبت: د. إنجي عبدالمنعم
تصوير: سما سمير
ضمن عروض المهرجان القومي للمسرح المصري، الذي تتواصل فعالياته حتى 11 أغسطس الجاري، وعلى خشبة مسرح الغد، قدمت فرقة نور المسرحية، مسرحية "تصبحين على خير يا ماما"، المأخوذة عن نص الكاتبة الأمريكية مارشا نورمان، بترجمة الدكتورة سناء صليحة، ودراماتورج وإخراج نور إسماعيل.
منذ اللحظة الأولى، يعلن العرض أن المشاهد لا يعيش انتظارًا لمعرفة النهاية، وإنما يسير في الطريق المؤدي إليها؛ فالقرار قد اتُّخذ بالفعل، والساعة الأخيرة من حياة الابنة أصبحت إطارًا زمنيًا لكل ما يجري على الخشبة. هنا لا يعود السؤال: هل ستنتحر؟ وإنما: كيف وصلت إلى هذه اللحظة؟ وما الذي دفعها إلى أن ترى الموت باعتباره مخرجها الأخير؟
• السلم.. صورة بصرية للمصير المعلّق
من أبرز عناصر العرض قدرته على صناعة دلالاته من أقل عدد ممكن من المفردات. فالسلم الخشبي يتحول إلى رمز متعدد المعاني؛ ففي أحد المشاهد تقف الابنة أسفله، رافعة يدها نحو الأعلى، بينما يتدلى من قمته مسدس الأب، كأنه قدر معلّق ينتظر لحظة السقوط. تبدو الصورة وكأنها تجسد استحالة الوصول إلى الخلاص، أو ربما تشير إلى أن الموت نفسه أصبح معلقًا فوق الرأس منذ البداية.
وفي مشهد آخر، يقف الجسدان على درجات السلم، فتتوزع السلطة بين الأعلى والأسفل؛ الابنة محاصرة داخل هيكل السلم، بينما تقف الشخصية الأخرى أمامها ممسكة بالسلاح، في تشكيل بصري يختزل العلاقة بين الضحية ومن يدفعها إلى حافة النهاية.
كذلك تتحول الطاولة الخشبية إلى مساحة للذاكرة والاختباء والصراع. ففي أكثر من لوحة تجلس الأم والابنة حولها، بينما تختبئ الشخصيات الأخرى أسفلها أو تتشبث بأرجلها، وكأن البيت نفسه لم يعد يمنح الأمان، بل تحول إلى مكان للاختناق.
ونجح تصميم الأداء الحركي لأحمد مرعي في خلق مستوى تعبيري مستقل عن الحوار؛ فالكادرات تكشف أجسادًا ممددة فوق الطاولة، وأخرى تزحف على الأرض الرملية، وأيدي تمتد في الفراغ دون أن تلامس أحدًا. وتتحول هذه التكوينات إلى تجسيد لعزلة الشخصيات وعجزها عن إقامة تواصل حقيقي.
ومن أكثر المشاهد قوة، ظهور الابنة بثوبها الأبيض، تتدلى منه خيوط سوداء طويلة، وكأنها دمية تحركها قوى خارج إرادتها، أو جسدًا مثقلًا بقيود نفسية لا يراها أحد.
• الضوء والرمل.. ذاكرة البيت الذي فقد دفأه
اعتمد أحمد طارق على إضاءة ذات طابع تعبيري أكثر منه واقعيًا. فالتضاد بين الأزرق والبرتقالي يصنع عالمين متوازيين؛ الأزرق يشي بالبرودة والوحدة والذاكرة، بينما يمنح البرتقالي الشخصيات دفئًا زائفًا سرعان ما ينطفئ.
وفي كثير من الكادرات، يبتلع الظلام معظم مساحة المسرح، فلا تبقى سوى بقعة ضوء صغيرة تحاصر الممثلين. وهذا الاستخدام الواعي للفراغ يجعل الشخصيات تبدو معزولة داخل كون هائل من العتمة، بما ينسجم مع الحالة النفسية للنص.
أما المشهد الذي تقف فيه الابنة تحت شعاع ضوء منفرد، بينما تمتد العتمة حولها، فيعد من أجمل المشاهد البصرية في العرض؛ إذ تتحول الشخصية إلى كائن وحيد يقف في مواجهة مصيره.
واعتمد العرض على أداء داخلي هادئ، بعيد عن الانفعال المجاني. فقدمت عاليا الحقباني شخصية الابنة بشحنة نفسية متراكمة، جاء حضورها قائمًا على نظرات طويلة، وصمت ثقيل، وحركة محسوبة، ما جعل الشخصية تبدو وكأنها تحمل قرارها منذ بداية العرض.
أما منار عيد، فقدمت شخصية تمتلك تناقضًا واضحًا بين القوة الظاهرة والهشاشة الداخلية، وهو ما انعكس بوضوح في مشاهد المواجهة مع الابنة.
وأسهمت هيام سراج ودميانة مجدي في توسيع الفضاء الدرامي؛ فلم تظهرا كشخصيتين منفصلتين بقدر ما مثلتا امتدادات نفسية لذاكرة البطلة، وهو ما منح العرض بعدًا تجريديًا يتجاوز الواقعية المباشرة.
أما اختيار الأرضية الرملية، وأكياس القمامة الموزعة في الخلفية، إلى جانب الكرسي والطاولة والغسالة، فقد خلق بيتًا يبدو مألوفًا في ظاهره، لكنه في حقيقته بيت فقد حياته.
فالرمال توحي بالزمن المتسرب، بينما تشير أكياس القمامة إلى تراكم الماضي والذكريات والأعباء التي لم يعد بالإمكان التخلص منها. وحتى الأثاث بدا خاليًا من أي دفء منزلي، وكأن المنزل نفسه أصبح شاهدًا صامتًا على انهيار الأسرة.
• من الحوار إلى الصورة.. المسرح بوصفه ما يُرى
قدمت نور إسماعيل قراءة تعتمد على الصورة المسرحية بقدر اعتمادها على الحوار، مستندة إلى التشكيلات الجماعية، وتحويل الجمود إلى فعل بصري. فكل انتقال بين المشاهد كان يحمل معنى جديدًا، من دون الحاجة إلى تغييرات كبيرة في الديكور.
كما نجحت في الحفاظ على الإيقاع الداخلي للنص، فلم يتحول الحوار الطويل إلى حالة من السكون، بل ظل مدعومًا بالحركة والإضاءة والصور المتغيرة باستمرار. وهنا يصبح الإخراج شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد وسيط لنقل النص من الصفحة إلى الخشبة.
"تصبحين على خير يا ماما" عرض عن الوحدة، والعجز عن التواصل، والأسرة التي تتحول تدريجيًا إلى مساحة لإنتاج الألم بدلًا من احتوائه. وهو عرض يراهن على الصورة بوصفها لغة موازية للكلمة، وعلى الجسد والضوء والفراغ باعتبارها مفردات قادرة على كشف ما تعجز الشخصيات عن قوله.
نجحت فرقة نور في تقديم معالجة بصرية شديدة الحساسية لنص مارشا نورمان، معتمدة على سينوغرافيا رمزية، وإضاءة شاعرية، وأداء صادق، وإخراج واعٍ بأن المسرح ليس ما يُقال فقط، بل ما يُرى أيضًا.
ورغم أن العرض ينتهي بطلقات المسدس، فإن الصدى الحقيقي الذي يتركه في المتفرج هو السؤال الذي يظل معلقًا بعد إسدال الستار:
كم من الأرواح تموت داخل البيوت، قبل أن تموت فعلًا؟




|