|
القاهرة 05 أغسطس 2026 الساعة 09:02 م

كتبت: د. إنجي عبد المنعم
تصوير: مدحت صبري
ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري، قُدِّم مساء أمس عرض "آل يونسكو" على خشبة المعهد العالي للفنون المسرحية، وهو من إنتاج المعهد، عن نصوص للكاتب يوجين يونسكو، وإخراج محمد عادل يوسف.
ليس من السهل تقديم عرض يستند إلى عالم يوجين يونسكو دون الوقوع في فخ المحاكاة أو النقل الحرفي؛ فكتابته تقوم على انهيار الحدث، وتفكك الشخصية، وعلى اللغة بوصفها دليلًا على استحالة التواصل ذاته. لذلك جاء "آل يونسكو" محاولةً لإعادة إنتاج روح العبث لا نصوصه، واستحضار فلسفة يونسكو من خلال بناء بصري شديد الثراء، استطاع في كثير من لحظاته أن يجعل الصورة المسرحية أكثر بلاغة من الكلمات.
* الخلفية الفلسفية وولادة مسرح العبث
في لحظة فارقة من تاريخ الإنسانية، وبعد خروج العالم من حربين عالميتين حصدتا نحو خمسة عشر مليون إنسان في الأولى وأكثر من سبعين مليونًا في الثانية، اكتشف الإنسان أن اللغة التي تفاخر بها طويلًا لم تمنع الخراب، وأن العقل الذي تباهى بمنطقه هو نفسه الذي أنتج أكثر وسائل القتل تنظيمًا. من هنا نشأت الحاجة إلى مسرح جديد لا يشرح العالم بقدر ما يكشف عبثه؛ ذلك المسرح الذي أطلق عليه الناقد مارتن إسلن لاحقًا اسم "مسرح العبث"، وكان يوجين يونسكو أحد أبرز رواده إلى جانب صمويل بيكيت وآرثر آداموف.
* فضاء تشكيلي بين الحلم والكابوس
هذا الوعي الفلسفي كان حاضرًا بوضوح في العرض عبر الصورة المسرحية. فمنذ اللحظة الأولى يجد المتلقي نفسه أمام خشبة تشبه فضاءً ذهنيًا معلقًا بين الذاكرة والحلم والكابوس؛ أشياء منزلية معلقة في الهواء - كرسي، وقفص، ومرآة، وآلة موسيقية، وأبواب وإطارات منفصلة عن وظائفها - وكأن العالم كله فقد جاذبيته، فلم تعد الأشياء تنتمي إلى الأرض، تمامًا كما لم يعد الإنسان ينتمي إلى يقينه القديم.
هنا يقترب العرض من الفن التشكيلي أكثر من اقترابه من المسرح التقليدي؛ فالتكوينات البصرية تستحضر أعمال السرياليين، ولا سيما لوحات رينيه ماغريت التي تنتزع الأشياء من سياقاتها الطبيعية لتعيد تركيبها داخل منطق الحلم. كذلك يستدعي العرض روح خوان ميرو في اللعب بالأشكال الحرة والفراغ، بينما تحضر قسوة فرانسيس بيكون في تشوه الجسد الإنساني وتحوله إلى كيان مضغوط داخل قلقه الوجودي.
* الإضاءة والموسيقى والحركة: عناصر بناء الفراغ
ساعدت إضاءة أحمد طارق على تعميق هذا الإحساس، إذ حمل اللون دلالةً خاصة: صنع الأزرق البارد مسافات الاغتراب، وتحولت البقع الحمراء إلى إشارات للعنف الكامن، وخلقت التحولات بين الأخضر والبنفسجي حالة من عدم الاستقرار البصري، وكأن العرض ينتقل باستمرار بين الواقع والوهم دون أن يمنح المشاهد فرصة للاستقرار النفسي.
ومن أكثر المشاهد قوة مشهد انتشار المسحوق الأبيض في الهواء، حيث تحول الجسد إلى كيان يرسم أثره داخل الفراغ لا بالحركة وحدها وإنما بالمادة نفسها. هنا أصبحت الحركة ضربات فرشاة على لوحة سوداء يتشكل فيها الزمن أمام العين، في لحظة أقرب إلى الرسم الحي منها إلى الأداء المسرحي التقليدي.
ولعل أجمل ما حققه محمد عادل يوسف هو إيمانه بأن المسرح فن بصري في المقام الأول، لذلك جاءت الصورة المسرحية محكومة بمنطق التكوين التشكيلي؛ الكتل موزعة بعناية، والفراغات محسوبة بدقة، والخطوط الرأسية الناتجة عن العناصر المعلقة صنعت إحساسًا دائمًا بالاختناق، بينما خلقت الخطوط الأفقية المحدودة لحظات نادرة من الهدوء سرعان ما تنهار مع الحركة التالية.
أما الموسيقى فتبدو عنصرًا يشارك في بناء هذا الفراغ، إذ تعمق الإحساس بالقلق وتصبح جزءًا أصيلًا من البنية العبثية نفسها.
* الأداء والتجسيد الجسدي
تعامل الممثلون مع أجسادهم كمادة تشكيلية، وهو ما يتناسب مع طبيعة مسرح العبث، حيث يسبق الجسد اللغة، وتصبح الإيماءة أصدق من العبارة.
تميز أحمد مخيمر بقدرته على الانتقال بين الكوميديا والقلق دون افتعال، بينما قدم أحمد عباس أداءً يمتلك حسًا إيقاعيًا واضحًا، واستطاعت ميرنا الجوهري أن تمنح الشخصية هشاشتها الإنسانية دون الوقوع في الميلودراما. كما نجح إبراهيم الألفي وجاسمين خالد وسعيد سالمان في تكوين نسيج جماعي حافظ على وحدة الإيقاع، وهي من أصعب مهام العروض التي تعتمد على الصورة أكثر من اعتمادها على الحدث.
ومن أجمل لحظات العرض ظهور الأقنعة الحيوانية خلف الشخصية المغنية؛ إذ تتجسد من خلالها فكرة يونسكو الشهيرة حول تحول الإنسان إلى كائن فاقد لوعيه الفردي يذوب داخل القطيع. هنا يتقاطع العرض مع مسرحية «وحيد القرن» دون أن يقتبسها حرفيًا، إذ يصبح القناع تعبيرًا عن انمحاء الهوية أكثر من كونه إكسسوارًا مسرحيًا.
كذلك جاءت الشخصيات ذات الملامح الكاريكاتورية والملابس التي تتراوح بين الطفولة والشيخوخة لتؤكد اختلاط الأزمنة داخل هذا العالم؛ فالطفل يحمل ملامح الشيخ، والشيخ يعيش عبث الطفل، في تشابك زمني يعكس انهيار منطق الحياة ذاته.
من زاوية الفن التشكيلي، يمكن قراءة العرض بوصفه سلسلة من اللوحات التعبيرية؛ فالتعبيرية، منذ بداياتها، اتجهت إلى كشف الألم الداخلي للإنسان، وهو ما فعله العرض؛ إذ لم يهمه أن نفهم الحكاية كاملة بقدر ما أراد أن نشعر بثقل الوجود والفراغ الذي يبتلع الشخصيات شيئًا فشيئًا.
ورغم هذا النجاح البصري، فإن العرض كان يمكن أن يستفيد أكثر من منح بعض مشاهده لحظات صمت أطول؛ فالعبث قد يتشكل أحيانًا من الفراغ الذي يلي الحركة. كما أن بعض الانتقالات الإيقاعية جاءت سريعة إلى حد أفقد بعض المشاهد حقها، خاصة أن جماليات العرض تعتمد أساسًا على التلقي البصري.
غير أن هذه الملاحظات لا تقلل من قيمة تجربة تمتلك شجاعة واضحة في الاشتباك مع أحد أكثر التيارات المسرحية تعقيدًا؛ فالاقتراب من يونسكو ليس مغامرة سهلة، خصوصًا في إطار عرض أكاديمي، إلا أن فريق العمل استطاع أن يتجاوز فكرة إعادة إنتاج النصوص إلى إنتاج مناخها الفلسفي والجمالي.
* تحرير المسرح من أسر الحكاية
لا يبدو «آل يونسكو» عرضًا عن العبث بقدر ما هو ممارسة للعبث ذاته؛ إذ تتشكل دلالته عبر الأشياء المعلّقة، والأقنعة، والأجساد التي ترسم الهواء، والضوء الذي يصنع معنى ثم يهدمه في لحظة.
وهنا يحقق العرض جوهر رؤية يونسكو، فالمسرح مساحة للكشف عن هشاشة الإنسان وقلقه الوجودي. وإذا كان الفن التشكيلي قد نجح منذ بدايات الحداثة في تحرير الصورة من واجب تمثيل الواقع، فإن "آل يونسكو" ينجح بدوره في تحرير المسرح من أسر الحكاية، ليصبح لوحةً حيةً تتحرك أمام أعيننا وتتغير باستمرار، لكنها تظل معلقة داخل الذاكرة، مثل تلك الأشياء التي بقيت طوال العرض معلقة فوق الخشبة؛ لا لأنها فقدت وزنها، بل لأن العالم نفسه فقد مركز ثقله.
العرض المسرحي "آل يونسكو" من إنتاج المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة، عن نصوص: يوجين يونسكو، إخراج: محمد عادل يوسف، بطولة: أحمد مخيمر، أحمد عباس، ميرنا الجوهري، إبراهيم الألفي، جاسمين خالد، سعيد سالمان، الإضاءة: أحمد طارق، الملابس: ميار ممدوح، الموسيقى: أحمد حسني، الديكور: محمد عبدالله العشوائي.



|