|
القاهرة 05 أغسطس 2026 الساعة 05:59 م

متابعة نهاد إسماعيل المدني
في مشهد يعبر عن الوفاء والتقدير، شهدت الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض، محطة استثنائية احتفت بسيرة ومسيرة الراحل الدكتور عمرو دوارة، الناقد والمؤرخ والمخرج الذي وهب حياته كاملة لتأريخ الحركة المسرحية المصرية والعربية. الندوة التي أدارها ببراعة المخرج أحمد إسماعيل وحضرها لفيف من المبدعين والنقاد وأفراد الأسرة، لم تكن مجرد فعالية لتأبين راحل، بل كانت استعراضًا لملامح مشروع فكري وثقافي ضخم أُنجز بإرادة فردية وعقلية هندسية دقيقة.
* ظاهرة استثنائية ومؤسسة ثقافية متكاملة
استهلت الدكتورة وفاء كمالو الشهادات بتأكيدها على أن الراحل يمثل حالة فريدة في المشهد الثقافي، واصفة إياه بالكيان المستقل الذي أنجز موسوعة "المسرح المصري" – التي غطت الفترة من عصر يعقوب صنوع حتى عام 2015 في أكثر من ثلاثين جزءًا – بمنهجية علمية دقيقة جعلت منه مرجعًا لا غنى عنه للباحثين، مؤكدة أن دوارة كان يؤمن بأن التوثيق لا يقل أهمية عن صناعة العرض المسرحي ذاته.
عقلية هندسية وقضية عمر
من جانبه، ألقى المهندس هشام دوارة، شقيق الراحل، الضوء على الجانب الإنساني الخفي في حياة "حارس ذاكرة المسرح"، موضحًا أن خلف هذا الإنجاز الموسوعي تقف خلفية علمية تمثلت في دراسة الراحل لهندسة نظم المعلومات، والتي وظفها ببراعة في تنظيم قواعد البيانات وتصنيفها. وأشار إلى أن دوارة نشأ في بيئة ثقافية وعلمية تحتفظ بذاكرة والده الكاتب الكبير فؤاد دوارة، لافتًا إلى أن شغفه لم يقتصر على خشبة المسرح فحسب، بل امتد في شبابه لدعم قضايا المجتمع من خلال مشاركته في حملات محو الأمية مع الهيئة العامة لقصور الثقافة.
* الريادة في تأسيس مهرجانات الهواة
استعرض المخرج عصام عبد الله الدور الريادي للراحل في قيادة حركة المسرح المستقل والهواة، مشيرًا إلى تأسيسه لجمعية هواة المسرح عام 1982، وسبقه للمؤسسات الرسمية في إطلاق مهرجانات نوعية بارزة مثل مهرجان المونودراما عام 1984، والتجريب المسرحي عام 1986، فضلاً عن مهرجانات المسرح الكوميدي والشعبي والطفل، وصولاً إلى مهرجان المسرح العربي عام 2001 الذي عزز جسور التواصل الثقافي العربي.
* حفظ المؤسسات وتكريم الرواد
بدوره، لفت الدكتور محمد سمير الخطيب إلى أن جهود دوارة لم تقتصر على النصوص والعروض، بل امتدت لتؤرخ لمسيرات المؤسسات العريقة كالقومي والكوميدي، وأوبرا ملك، إضافة إلى توثيق محطات كبار الرمزيات مثل سميحة أيوب وسعد الدين وهبة، داعياً إلى ضرورة جمع كافة أبحاثه ونشرها في سلسلة أعمال كاملة.
* مرجع الأجيال وضمير المسرح
وفي السياق ذاته، أكد الكاتب والناقد أحمد خميس أن الراحل ظل المرجعية الأولى لكل باحث ومسرحي، لافتًا إلى سماحته الدائمة في تقديم العون والأرشيف لكل قاصد دون انتظار لمقابل.
واختتمت الندوة برفع توصيات عملية تضمنت سرعة طباعة الأجزاء غير المنشورة من موسوعة المسرح المصري، وإصدار الأعمال الكاملة لدواره، وإتاحة مكتبته الخاصة للدارسين، ليبقى إرثه حياً ونافذة منيرة للأجيال الجديدة من صناع المسرح وباحثيه.


|