|
القاهرة 05 أغسطس 2026 الساعة 10:54 ص

متابعة : مروة مدحت
تصوير: مدحت صبري
اختتم العرض المسرحي «شبابيك»، مساء أمس الثلاثاء، عروضه بالمهرجان على خشبة مسرح ميامي، مقدمًا تجربة مسرحية اعتمدت على الكوميديا الاجتماعية بوصفها مدخلًا لمناقشة واحدة من أكثر القضايا الإنسانية قربًا من الواقع؛ وهي فكرة التعايش بين البيئات المختلفة، وكيف يمكن لسوء الفهم أن يتحول إلى مساحة للتقارب واكتشاف الآخر.
العرض، الذي أنتجته شركة VIBS، وانطلق بأحداثه إلى عام 1980، لم يتوقف عند الحكاية الظاهرية لشاب من الصعيد يتوجه مع أسرته إلى القاهرة لطلب الزواج، بل استثمر الظرف التاريخي المتمثل في يوم اغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات وإعلان حظر التجول، ليجعل من بقاء العائلتين معًا ثلاثة أيام داخل منزل واحد نقطة انطلاق لصدام ثقافي واجتماعي ثري، تتكشف من خلاله الفوارق في العادات واللهجات وأنماط التفكير، قبل أن ينتصر في النهاية لفكرة القبول والتفاهم الإنساني.
ومنذ اللحظة الأولى، نجح المخرج محمد عمرو في بناء إيقاع مسرحي متماسك، حافظ على حيوية العرض رغم كثافة الشخصيات وتعدد خطوطها الدرامية. فقد اعتمد على حركة جماعية مدروسة، جعلت الخشبة في حالة نشاط دائم دون أن تتحول إلى فوضى بصرية، بينما جاءت انتقالات الممثلين محسوبة بعناية، لتخدم تطور الحدث وتمنح كل شخصية مساحتها دون الإخلال بالبناء العام.
ولم يكتفِ الإخراج بإدارة الأداء، بل أحسن توظيف المشاهد الجماعية التي بدت من أكثر عناصر العرض قوة، إذ عكست حالة الارتباك والدهشة والتوتر الناتجة عن اختلاف البيئتين، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مشاهد أكثر دفئًا وإنسانية مع تطور العلاقات بين الشخصيات، وهو ما منح العرض منحنى دراميًا واضحًا حافظ على اهتمام الجمهور حتى مشاهده الأخيرة.
أما الديكور، الذي صممه أحمد تيما، فجاء أقرب إلى شخصية مستقلة داخل العرض. فقد قدم منزلًا قاهريًا ينتمي بوضوح إلى حقبة الثمانينيات، بتفاصيله الكلاسيكية التي شملت الأثاث الخشبي، والفاترينة الزجاجية، والأعمدة الداخلية، والستائر الثقيلة، ولوحات الحائط، وهي عناصر أسهمت في ترسيخ الإحساس بالزمن والمكان دون مبالغة.
كما منح التصميم مساحة واسعة لحركة الممثلين، واستوعب التجمعات الكبيرة فوق الخشبة بسلاسة، بما حافظ على وضوح التكوينات البصرية في مختلف المشاهد.
وجاءت الإضاءة، بتصميم الدكتور باسل ممدوح، أحد أبرز عناصر العرض جمالًا وفاعلية، إذ تنقلت بانسيابية بين الإضاءة الدافئة التي عززت الطابع الأسري للمشاهد الداخلية، والإضاءة الباردة التي منحت لحظات التوتر والارتباك أبعادًا نفسية أكثر عمقًا. كما ساعد توزيع الضوء في توجيه عين المتفرج إلى مركز الحدث، وإبراز العلاقات بين الشخصيات داخل المشاهد الجماعية، دون إفراط في المؤثرات أو استعراض تقني يطغى على الدراما.
وفي المقابل، عكست الأزياء، التي حملت توقيع هاجر كمال وبدر عصام، فهمًا دقيقًا لطبيعة الشخصيات والبيئة الزمنية. فقد نجحت في رسم الفوارق بين أبناء الصعيد وأسرة القاهرة من خلال الألوان والخامات وطريقة ارتداء الملابس، فجاءت الجلابيب والملابس التقليدية معبرة عن البيئة الجنوبية، بينما عكست الأزياء المدنية ملامح الطبقة المتوسطة في العاصمة خلال الثمانينيات، دون الوقوع في النمطية أو المبالغة، لتصبح الملابس امتدادًا للشخصيات لا مجرد عنصر تجميلي.
كما حضرت موسيقى هاني عادل بوصفها عنصرًا داعمًا للإيقاع الدرامي، فواكبت التحولات الشعورية بين الكوميديا والتوتر، وأسهمت في الانتقال السلس بين المشاهد، دون أن تزاحم الحوار أو الأداء التمثيلي.
وعلى مستوى الأداء، استطاع فريق العمل أن يقدم حالة جماعية متجانسة، وهو ما انعكس بوضوح في المشاهد التي جمعت عددًا كبيرًا من الممثلين على الخشبة، حيث بدت ردود الأفعال متبادلة والإيقاع متوازنًا، بما عزز مصداقية العلاقات الدرامية، وجعل الشخصيات تتحرك داخل عالم واحد متكامل.
واعتمد نص أحمد نور الدين على كوميديا الموقف أكثر من اعتماده على الإفيه المباشر، وهو اختيار منح العرض خصوصيته، إذ جاءت الضحكات نابعة من التصادم الطبيعي بين الثقافات والعادات المختلفة، بينما حافظت المعالجة على بعدها الإنساني، لتؤكد أن الاختلاف ليس سببًا للصراع بقدر ما يمكن أن يكون بداية للتفاهم إذا توافرت الإرادة.
وفي مجمله، قدم «شبابيك» تجربة مسرحية متوازنة جمعت بين المتعة البصرية وخفة الكوميديا ورسالة اجتماعية واضحة، مستفيدًا من تكامل عناصره الفنية، من إخراج منظم، وديكور واقعي، وإضاءة واعية، وأزياء دقيقة، ليختتم عروضه بصورة تؤكد أن المسرح لا يزال قادرًا على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى عمل فني يلامس الجمهور ويثير التفكير في آن واحد.
وعلى مستوى الأداء التمثيلي، نجح أبطال العرض في تقديم حالة جماعية اتسمت بالانسجام والتوازن، بعيدًا عن هيمنة بطل واحد على مجريات الأحداث، إذ جاءت البطولة موزعة بما يخدم طبيعة النص القائم على تعدد الشخصيات. وقدم إيهاب إسماعيل أداءً اتسم بالحضور والثقة، بينما أظهرت آلاء كمال قدرة على التعبير عن التحولات الانفعالية بسلاسة، ونجح عبد الرحمن محمد في توظيف حضوره المسرحي بما يتناسب مع الإيقاع الكوميدي للعمل.
كما قدم محمد رمضان أداءً حيويًا حافظ على إيقاع المشاهد، فيما أضفى مصطفى الغمريني حضورًا لافتًا من خلال تفاعله مع بقية الشخصيات، وقدمت ندى آل زلباني وسارة نجم أداءً متوازنًا عكس طبيعة الشخصيات النسائية داخل العمل، بينما أسهم عبدالله سعد وحياة أبو زيد في إثراء المشاهد الجماعية بأداء منضبط ومقنع. واختتم أحمد جزرة حضوره بأداء اتسم بالبساطة والصدق، ليكتمل بذلك فريق استطاع أن يحافظ على روح الجماعة، ويقدم الشخصيات بصورة طبيعية، دون افتعال أو مبالغة، وهو ما منح العرض مصداقيته، ورسخ حالة التناغم التي انعكست على تفاعل الجمهور طوال زمن العرض.
وتستمر فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري حتى الحادي عشر من أغسطس المقبل. ويُعد هذا المهرجان الملتقى السنوي الأبرز للاحتفاء بالإبداع المسرحي المصري، ومظلة وطنية كبرى تجمع أحدث العروض وتكرم قامات المسرح، تسليطاً للضوء على الحراك الثقافي والفني وتأكيداً لريادة المسرح المصري في احتضان مختلف التجليات الإبداعية.



|