|
القاهرة 04 أغسطس 2026 الساعة 10:05 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
في روايته الوجودية القصيرة «اللص والكلاب»، يضعنا أديب نوبل نجيب محفوظ أمام ملحمة نفسية عاصفة يتشابك فيها الخذلان بالرغبة العارمة في الانتقام؛ حيث يخرج البطل "سعيد مهران" من وراء قضبان السجن المادي، ليتلقى صدمات سجن معنوي أشد قسوة وضيقاً.
لم يجد البطل العالم كما تركه؛ فالزوجة التي أحبها غدرت به، والصديق المقرب سرق ماله وابنته، والملهم الفكري القديم الذي علمه مبادئ التمرد تحول إلى برجوازي ثري يتنكر للماضي ويعيش خلف أسوار القصور المنيعة.
في هذا الفضاء الزائف، يجد سعيد نفسه وحيداً، يواجه مجتمعاً كاملاً غير جلوده وارتدى أقنعة المادة، لتتحول رحلته من البحث عن بداية جديدة إلى مطاردة يائسة ضد "الكلاب" التي تلاحقه في كل زاوية. ومن عتمة تلك المطاردة المحفوظية، نفتح نافذة على واقعنا المعيش، لنكتشف أن مأساة "سعيد مهران" ليست مجرد حكاية لص تائه، بل هي مرآة تعكس صدمة الإنسان المعاصر عندما تسقط أقنعة المثالية عن عالمنا المادي البارد.
كم من البشر اليوم يستيقظون في منتصف العمر ليجدوا أن القيم التي آمنوا بها، والأشخاص الذين وهبوهم صدق مشاعرهم، قد تبخروا في سوق المصالح الرأسمالية؟ إن الخذلان الأكثر إيجاعاً في العصر الحديث هو ذلك الذي يأتي من "المثقفين المزيفين" والملهمين الذين يبيعون الشعارات الجوفاء على الشاشات، بينما يمارسون في الخفاء أبشع صور الانتهازية، تاركين وراءهم نفوساً مكسورة تفقد الثقة في كل شيء، وتتحول تدريجياً إلى ذئاب وحيدة تقتات على مرارة الخيبة.
وتوثق الرواية هذا الغليان الداخلي الرهيب، ولحظة اليقين المر بمعرفة حقيقة العالم، في هذا الاقتباس اللفظي الدقيق: «إننا لا نموت من الموت، بل نموت من الخيانة؛ لقد خانتني عيناي حين وثقت ببريق الزيف، وخانني قلبي حين فتح أبوابه للكلاب، والآن ها أنا ذا أقف وحيداً في العراء، والظلام يزحف على روحي قبل أن يزحف على المدقات والبيوت.. فما قيمتي إذا صرت مطارداً في وطن كنت أظنه وطني؟».
هذا النص يختزل تماماً مأزق الإنسان المعاصر الذي يكتشف بغتة أنه غريب وسط زحام مدينته، وأن العدالة التي يبحث عنها قد ضلت طريقها وسط القوانين الجافة وصمت الوجوه العابرة، ليكون العزاء الوحيد المتبقي له هو الانكفاء على ذاته الجريحة.
في نهاية المطاف، تظل «اللص والكلاب» صرخة نقدية تحذرنا من الانجراف وراء الغضب الأعمى وتدعو لإنقاذ الفطرة الإنسانية من براثن الانتقام. إن الهزيمة الحقيقية لسعيد مهران لم تكن في الرصاصات التي حاصرته في غسق المقابر، بل كانت في اللحظة التي ترك فيها الخيانة تشوه نقاء قلبه وتحوله إلى أداة للموت.
يعلمنا محفوظ أن النجاة في هذا العالم المادي المليء بالأقنعة تبدأ من قدرتنا على الحفاظ على إنسانيتنا حتى في ذروة الانكسار، وألا نسمح للكلاب بأن تسرق منا قدرتنا على الحب والتعاطف، حتى لا نتحول.
|