|
القاهرة 04 أغسطس 2026 الساعة 10:01 ص

بقلم: حسين عبد الرحيم
• بدايات فرحة.. ونهايات حزينة
في مساء يوم الحادي والعشرين من شهر مايو، من العام 2001 رحلت الفنانة المتعددة المواهب سعاد حسني، وفي صبيحة يوم الثاني والعشرين من الشهر نفسه، أي صباح يوم وفاتها، أو سقوطها منتحرة أو متقتولة ؟!
فوجئت وفور صعودي لمكتب الفنان والمخرج المسرحي الشهير، سيد راضي، وكان وقتها يشغل منصب رئيس النقابات الفنية في مصر، بخروج الفنان أحمد زكي، ليسألني، في تجهم وحزن، عن مكتب السيد راضي.
في لحظة تأملته، وقد ارتدى بدلة سوداء مفتوحة الأزرار، وتحت الجاكت، يظهر قميص أحمر، خرج من البنطلون بكامل حرية مرتديه، والذي ظهر على ملامحه الإعياء وقله النوم، وقد أخفى نصف وجهه، خلف عدسات نظارته الشمسية السوداء، بادرت بالسلام، فهز رأسة وأنا أشير لنهاية الممر:
-
هنا مكتب المخرج سيد راضي .
سعاد حسني محمد كمال البابا، وهو الوالد القادم من الشام" سوريا" إلى مصر/ القاهرة وهو، المغني والمطرب المعروف، ولدت سعاد حسني في السادس والعشرين من يناير في العام 1943 بحي بولاق أبو العلا واكتشفها الشاعر والمخرج المسرحي عبد الرحمن الخميسي ليقدمها في أول أدوارها على المسرح، من خلال دور "أوفيليا" في رائعة هاملت لوليم شكسبير، فأدهشت الجماهير والمشاهدين .
استعان بها، وقدمها بعد ذلك، المخرج هنري بركات، في فيلمها الأول، حسن ونعيمة، في دور نعيمة في العام 1959 .
قدمت بعد ذلك، أكثر من 60 عملاً سينمائيا، في بطولات مطلقة، مع أهم مخرجي السينما المصرية، منهم، يوسف شاهين وعز الدين ذو الفقار وفطين عبد الوهاب وصلاح أبو سيف وكمال الشيخ وسعيد مرزوق وعلي بدرخان ومحمد خان ومحمد فاضل وسمير سيف وأحمد ضياء الدين وماهر عواد وغيرهم كثر .
-
محطات ما بين السينما والمسرح.. ودراما الحياة قبل الإذاعة
قدمت سعاد أو "سندريلا الشاشة" المصرية والعربية، على مدار رحلتها مع مسارات الفنون الشاملة، حيت كانت البدايات ، استعراضية في مهدها، من خلال فيلم . صغيرة على الحب، والذي غنت فيه للمرة الأولى، أغنيتها الشهيرة" أنا لسه صغيرة" والتى أدهشت به النقاد والمشاهدين كافة، بل ودخلت به غالبية البيوت المصرية، مشاركة البطولة مع دنجوان السينما المصرية الراحل" رشدي أباظة".
قدمت " سعاد"، والتي انطلقت وتجلت، بسرعة الصاروخ، لخفة دمها وروحها الطليقة، بل، وشقاوة البنت المصرية، ابنة الطبقة الوسطى، التي اتسمت بالبساطة والعفوية والشقاوة، فكان لها تصريح فوري، بدخول كل قلب مصري وعربي . قدمت سعاد حسني الكثير من الأدوار التي عمقت بها تلك العلاقة مع جماهيرها، فكانت ، "سميحة" الفتاة الاستعراضية في فيلم، صغيرة على الحب، ناهد/ ميرفت، " شيزوفرينياا" التناقض، في فيلم، بئر الحرمان، مديحة، في غروب وشروق، ليلى، في الحب الضائع، عن رواية لعميد الأدب العربي طه حسين، مديحة، في فيلم غروب وشروق، شريفة، في الاختيار، للمخرج يوسف شاهين، والذي قدمها من قبل في فيلمه، الثاني الناس والنيل. إشاعة حب، مع المخرج فطين عبد الوهاب، سعاد، في زوجتي والكلب للمخرج سعيد مرزوق والذي اعتبر من أجرأ الأفلام، التي تناولت قضية غياب، وتغييب المثقف، بل وتناقضه مع نفسه وذاته، مما أدى، لهزيمة حزيران يونيو.
فكانت انطلاقة الفنانة سعاد حسني لأدوار أكثر حدّة، وجدّة، وتلون في الشخصية، والأداء والكاركتارات، فكانت أدوارها في الخوف، والكرنك وشفيقة ومتولي والجوع، عن قصة لأديب نوبل نجيب محفوظ مع المخرج على بدرخان والذي عرف عنه انتمائه لليسار، فكانت أفلامه معها، وعقب التقرب النفسي والإنساني والعاطفي، والذي باتت نهايته، زواجا سعيدا، لم يستمر كثيراً كما تراءى للطرفان من قبل أن يتم .
• ثمانينيات وتسعينيات سعاد حسني.. النار والرماد
قدمت سندريلا السينما المصرية سعاد حسني الكثير من الأدوار المهمة والمفصلية، بل والمغايرة في مسيرتها الفنية وتحديدا في مجال السينما فكانت البنت/ الرومانسية/ في موعد على العشاء. والتي تتحول لقاتلة تضع السم لزوجها حسين فهمي، والذي تسبب في قتل حبيبها " أحمد زكي"، في شريط سينمائي من أرق وأشف وأكثر الأفلام المصرية والعربية التي تعرضت للشق النفسي والإنساني في حياتها، بل واختلاط التمثيل بالحقيقة، وهما نقاط، للوصل والفصل، أو مفارق طرق، بين ما كان، وقدمته الفنانة/ الإنسانة: سعاد حسني، من أفلام من قبل، على مدار ثلاثة عقود سابقة، أنهت بها، عقدي الستينيات/ السبعينيات، ما بين تجليات الأداء بأدوار قمة في الدهشة والتفرد يكادا يصلان بها حد تحدى نجمات السينما العالمية، وتحديدا في أفلام، صنعت مجدها السينمائي التليد، مثال فيلم، الزوجة الثانية، الحب الذي كان، الاختيار، وتلك المرآة الرومانتيكية الأرستقراطية، اللعوب، في فيلم، شروق وغروب للمخرج كمال الشيخ، على من نطلق الرصاص، للمخرج علي عبد الخالق، القادسية لصلاح أبو سيف، وغيره من أفلام نالت العديد من الجوائز والتكريمات من مهرجانات مصرية وعربية دولية.
لتأتي فترتي أو عقدي الثمانينات وتسعينيات القرن المنصرم، لنرى أفلام التحول الأقصى في الطموح والأداء، بل والميل السياسي، قبل الاجتماعي والعاطفي ، فكانت أفلام، المتوحشة، أميرة حبي أنا، وخلي بالك من زوزو، والذي كتبه وكتب أغانيه الشاعر والمؤلف صلاح جاهين الذي كان الصديق المقرب لسعاد حسني فكانت تستشيره في كافة الأعمال التي تعرض عليها، حتى قدمت من اشعاره، وتأليف الكاتبة الصحفية سناء البيسي، مسلسلها الشهير "هو وهي " مع الراحل أحمد زكي .
تعتبر نهاية حقبة التسعينيات هي الفترة الأدق والأخطر في حياة الفنانة والممثلة سعاد حسني فمع بداية تصوير مسلسل هو وهي بدأت رحلة الآلام والمرض، حيث ظهرت على سعاد أعراض العمود الفقري والفقرات القطنية وزادت حالتها النفسية سوءا، مع فشل فيلمها الأهم في مسيرتها مع زوجها الأخير وهو السيناريست والمؤلف ماهر عواد، والذي كتب لها فيلم الدرجة الثالثة وهو من أهم أفلام الموجة الجديدة في ثمانينيات القرن الفائت والذي فشل ورفع من دور العرض في الأسبوع الأول بدور السينما، غابت سعاد وعادت مريضة بوزن زائد بعد سفرية أولى للعاصمة الفرنسية باريس وقامت ببعض الفحوصات.
• نهايات الشهد والدموع
خلال تصوير سعاد لمسلسل «هو وهي»، بدأت أعراض وآلام الإصابة في العمود الفقري عندها بالظهور، إذ كانت تعاني من تآكل في الفقرتين (العجز والقطنية)، وازدادت الآلام أثناء تصويرها فيلم «الدرجة الثالثة» في العام 1987، حيث بدأت معاناتها الحقيقة مع الألم بعدما أصيبت بضغط في الأوعية الدموية وتمزّق في الشرايين جعلها تشعر بآلام لا تطاق في القدمين، ما سبّب لها إصابات وآلامًا كبيرة في الظهر والعمود الفقري، أثناء فترة الإصابة هذه، عرض عليها المشاركة في فيلمها الأخير «الراعي والنساء» وقامت رغم الأوجاع التي تعتريها بالموافقة على العمل، مما زاد من الضغط عليها، بسبب تفاقم وضعها الصحي.
ما اضطرها في عام 1992 إلى أن تسافر في رحلة علاجية إلى فرنسا، من أجل إجراء عملية جراحية في عمودها الفقري، إذ قام خلالها الجراح المعالج بتثبيت الفقرتين من خلال صفيحة معدنية، لتعود بعدها بمدة إلى القاهرة لتمارس حياتها العادية والطبيعية، لكن سرعان ما عادت إليها ذات الآلام بقوة أشد من سابقاتها، لتصاب بشلل في الوجه، نتج عن التهاب فيروسي ما جعلها تخضع للعلاج بأخذ الكورتيزون، الذي سبب لها زيادة كبيرة في الوزن، وهو ما أثّر على حالتها النفسية، لكن ما فاقم وضعها الصحي بشكل كبير هو وفاة والدتها، الذي ترك عظيم الأثر على نفسها، ما جعلها تقطع العلاج بالكورتيزون فجأة ودون تمهيد، لتصاب بعد ذلك بنكسة (عودة المرض)، أجبرتها على السفر على حسابها الخاص إلى لندن للعلاج - قرار العلاج على نفقة الدولة لم يصدر إلا بعد بدء مراحل العلاج الفعلي بسبع سنوات وسرعان ما تم قطعه - وكلها أمل في العودة، لينتهي بها الحالة قتيلة هناك، وذلك قبل أيام من عودتها إلى القاهرة.
تزوجت الفنانة سعاد حسني، خمس مرات كما تقول الصحف، وبعض المذكرات، منها زواجها، " عرفيا" من المطرب عبد الحليم حافظ لمدة أيام ثلاثة، ومن المخرج فطين عبد الوهاب، فالمخرج علي بدرخان فالمؤلف والكاتب ماهر عواد.
نالت سندريلا الشاشة المصرية والعربية، سعاد حسني الكثير من الجوائز، من مهرجانات عالمية، ودولية، كمهرجان موسكو و قرطاج وفالينسيا، ودمشق وطشقند. كرمها الرئيس السادات في عيد الفن، العام 1979_ وجاء ترتيبها الثاني، في اختيارات مئوية السينما المصرية كأهم نجمة سينمائية في القرن العشرين. آخر أعمالها فيلم " الراعي والنساء" عن قصة جريمة في جزيرة الماعز للكاتب الايطالي " ايبوتي" إخراج علي بدرخان، لتودع الجماهير التي أحبتها، في ظهيرة يوم الثالث والعشرين من مايو، بعد رحيلها في حادث غامض بلندن، قيل أنها انتحرت وهذا على الأغلب ما لم يحدث، حيث صرحت غالبية التقارير الصادرة عن معامل التشريح في العاصمة البريطانية لندن، ان جسد الراحلة لم يسقط منه نقطة دم واحدة كما قالت الفنانة ناهد يسري التي كانت ترافقها في سكنها في الطابق السادس، بمبنى "ستيوات تاور" وقد أثارت حادثة وفاتها جدلًا لم يهدأ حتى الآن، حيث تدور هناك شكوك حول قتلها وليس انتحارها كما أعلنت الشرطة البريطانية، لذلك يعتقد كثيرون، خاصة عائلتها أنها توفيت مقتولة.
|