|
القاهرة 30 يوليو 2026 الساعة 06:11 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
في مسألة الشك يري ديكارت أن معارفنا التراكمية التي اكتسبناها خلال حياتنا هي مجرد معارف قبلناها على يد المعلم، وضعت في راسنا بطريقة التلقين، فكانت مثل الثوب الذي نرتديه عبارة عن خلفية وعليها مئات من الرقع التي وضعت بيد فاعل، لذا فلابد وأن نعيد النظر ـ كما يري ديكارت ـ في هذه المعارف وهذه المعلومات والمسلمات والبديهيات بعين الشك مرة أخرى، حتي نعود إلى التسليم بصحتها .
والشك عن ديكارت ليس لتكذيب " كل" المعارف السابقة، بل مطروحا للموضوعات التي تستحق الشك ونجد فيها امتحان لمعارفنا ومعلوماتنا ومسلماتنا، ويقول أن هدم الأساس من شانه هدم البناء كله.
فالشك في الحواس التي تخدع يجعلنا لا نطمئن لهذه الحواس الخداعة، فمن يخدع مرة يمكنه أن يخدع ألف مرة، والحواس هي التي يستند إليها العقل في الاستدلال، وبالتالي فإن ما ندركه من خلال الحواس قد يكون مخادع، وبالتالي الاستدلال يكون خاطئ، ويقول ديكارت : هل انا في حلم أم في يقظة.. ففي الحلم أنا أرى وأسمع وأشعر أيضا، كما الحال في اليقظة تماما، لذا لابد وأن نشك أننا على قيد الحياة أساسا..
ويقول ديكارت:
"ولكني في هذه الحالة من الشك المطلق أجد شيئًا يقاوم الشك، ذلك أني أشك، فأنا أستطيع الشك في كل شيء ما خلا شكي، ولما كان الشك تفكيرًا فأنا أفكر، ولما كان التفكير وجودًا فأنا موجود: «أنا أفكر وإذن فأنا موجود»، تلك حقيقة مؤكدة واضحة متميزة خرجت لي من ذات الفكر، لها ميزة نادرة هي أني أدرك فيها الوجود والفكر متحدين اتحادًا لا ينفصم، ومهما يفعل الروح الخبيث فلن يستطيع أن يخدعني فيها، لأنه لا يستطيع أن يخدعني إلا أن يدعني أفكر، وإذن فأنا أتخذ هذه الحقيقة مبدأ أول للفلسفة".
"وفي هذا فان الفكر مبدأ لأنه موجود قبل كل وجود ومهما ألححت في الشك فلن أشك في أني أشك.. هكذا يؤكد ديكارت، ويؤكد أن الشك هو الفكر ، ويستمر في القول:
"الفكر مبدأ لأنه وجود معلوم قبل كل وجود، وعمله أوضح من علم كل وجود، هو معلوم بداهة، ومهما نعلم فنحن بفكرنا أعلم، فمثلًا لو اعتقدت أن هناك أرضًا بسب أني ألمسها وأبصرها، فيجب أن أعتقد من باب أولى أن فكري موجود، إذ قد أفكر أني ألمس الأرض دون أن يكون هناك أرض، ولكن ليس من الممكن ألَّا أكون في الوقت الذي أفكر فيه، ثم أنا اتخذ هذه الحقيقة الأولى معيارًا لكل حقيقة: فكل فكرة تعرض لي بمثل هذا الوضوح أعتبرها صادقة، وتعريف الفكر بالإجمال أنه «كل ما يحدث فينا يحدث ندركه حالًا بأنفسنا»، فحين أقول إنى شيء مفكر، أقصد «أن عقلي يشك ويثبت وينفي، ويعلم قليلًا من الأشياء ويجهل الكثير، ويجب ويبغض، ويرد ويأبى، ويتخيل أيضًا ويحس» والفكر صادر عن النفس، أو هو النفس أو الروح خالص ثابت عندي مهما أشك فى وجود جسمي وسائر الأجسام.
والعجيب أن ديكارت أثبت وجود نفسه من خلال التفكير والشك بطبيعة الحال، ولكنه لم يثبت وجود جسده، لأنه استنتج من شكه وجود ذاته فقط التي تشك أي التي تفكر.
إذا كان مبدأ ديكارت: " أنا افكر إذا أنا موجود" سابقا لمبدأ " أن أشك اذا انا موجود " لأن المبدا الأول يثير مسألة تاريخية وفلسفية، فالقديس أوغسطين استخدم الشعور بالفكر كشاهد من شواهد اليقين، ولحقه بعد ذلك فلاسفة المسلمين، ولكن ديكارت نفى أن يكون قد تأثر بمبدأ أوغسطين وأن هذا الأخير يستخدم فكرة الثالوث لاثبات الوجود.
ويصعب أن نقول أن ديكارت لم يكن يعرف بنصوص أوغسطين، لكن ديكارت نفسه "ادعي" أنه عند تأسيس مذهبه لا يدين إلى المتقدمين من الفلاسفة بشئ، ولم يتعلم منهم شئ.
|