|
القاهرة 28 يوليو 2026 الساعة 09:54 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
في روايتها "بيت الخُلد: الحياة السرية لفريدة المفتي"، لا تكتفي المبدعة الدكتورة هويدا صالح بتقديم نص تاريخي يرتد نوسطالجيًّا إلى الماضي، بل تنبش في الهوامش المنسية لزمن يمتد من أواخر القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، محولةً تلك الهوامش إلى مراكز وعي ومقاومة حية.
النص في جوهره يدير حواراً خفيّاً مع القارئ حول شروط النجاة الفردية وكلفة البقاء داخل منظومات القهر المتشابكة، سواء أكانت سلطة استعمارية غاشمة أو بنية اجتماعية ذكورية تبتلع الضعفاء.يتجلى هذا المأزق الإنساني بوضوح في رحلة شخصية "نبوية العايقة" وصراعها المرير في الأزقة الخلفية لفرض وجودها. فبعد موت حسن البغل، تضعنا الرواية أمام اللحظة العارية التي تكتشف فيها نبوية أن امتثالها الكامل للترتيبات والقوانين الرسمية لا يكفي لمنحها الأمان أو الاستقرار، حيث يوثق النص مأزقها الوجودي حين يذكر السرد أنها: "لم تُدرك مدى جبروته حتى اكتشفت أن البوليس يُضيِّق عليها رغم أنها تدفع الضرائب المُحدَّدة لها، وتذهب ببناتها أولَ كلِّ شهرٍ إلى مُستشفى الحوض المرصود لإجراء الكشف الطبي عليهن".
إن هذا الاضطرار للرضوخ لـ "ملك المدينة" أو "إبراهيم الغربي" بورمجي الدعارة يعكس كيف يتشابك الحضور الاستعماري والعمل السياسي مع سلب الإرادة الفردية.هذا الاقتباس المأخوذ من صلب معاناة نبوية يمثل الإسقاط الأدق والمباشر على واقعنا المعاش؛ إنه مرآة كاشفة لإنسان العصر الحالي وسط منظومة الحداثة السائلة وقوانين السوق المتوحشة.
يعيش المواطن اليوم حالة "استلاب جديد" تشبه تماماً ما واجهته نبوية؛ فعلى الرغم من التزام الفرد بالقوانين والواجبات الرسمية كافة من وظيفة وضرائب وفواتير، يكتشف أن هذا الامتثال وحده لا يمنحه الأمان المعيشي أو النفسي. يجد الإنسان المعاصر نفسه مجبراً على التفاوض والمساومة مع شبكات مصالح رأسمالية موازية، وقضم أجزاء من حريته وكرامته الشخصية يومياً لمجرد ضمان البقاء والاستمرار في منظومة لا ترحم المستضعفين.
وعلى الجانب الآخر من المواجهة، تأتي رحلة البطلة "فريدة المفتي" التي تنحدر من قفط بصعيد مصر، كـ "امرأةٍ خاضت حربًا لتهرب من آلامها الشخصية وتبني بيتَ خُلدها" وسط فضاء القاهرة التجاري الفسيح من خلال وكالتها الكبيرة.
يظهر النص هنا تلك المفارقة الحادة للذات البشرية بين القوة والضعف، فالرواية تصف فريدة بأنها: "المرأة الصلبة التي لا يكسر لها قرار لكنها تخفي داخلها هشاشة أنثى وبين قوتها وضعفها يلوح عاشق مختفي وأجنبي غامض".
هذا التحايل والتمرد الذكي من فريدة ونبوية لفرض الوجود، يتطابق تماماً مع معارك المرأة المعاصرة اليوم؛ فالنساء في واقعنا لم يَعُدن يكتفين بالشعارات النظرية، بل يمارسن المقاومة عبر التمكين الاقتصادي، والعمل الحر، وانتزاع المساحات الخاصة وسط مجتمعات لا تزال محكومة بوعي أبوي تقليدي.
في النهاية، يلتقي مفهوم الرواية الأساسي حول حقيقة عوالمها الخفية، حيث تؤكد هويدا صالح فلسفتها السردية بالاقتباس الذي يختزل البنية كلها: "بيت الخلد حيث لا شيء يمر دون أثر ولا سر يظل مدفوناً إلى الأبد".
إن رغبة البطلات المستميتة في صناعة "مأمن" يحميهن من تحولات المدينة العنيفة، تحاكي سعي البشرية الحالي وسط انعدام الأمان الوظيفي وتفكك الروابط الإنسانية؛ حيث غدا البحث عن "بيت الخُلد" في واقعنا هو تلك المحاولة الملحة للعثور على أي مساحة مستقرة (سواء أكانت وطناً دافئاً، أو شريكاً حقيقياً، أو حتى ملاذاً افتراضياً) هرباً من عالم سريع التغير والزوال، لتثبت الرواية أن الحياة السرية للمجتمعات هي تاريخها الحقيقي.
|