|
القاهرة 28 يوليو 2026 الساعة 09:48 ص

عرض وتقديم : حاتم عبد الهادي السيد
مجموعة : "رجال من ذهب"
تأليف : عبد العزيز هندي عبد العزيز الغالي
الناشر : دار منف للنشر والخدمات الإعلامية؛ القاهرة؛ 1997م.
تعد مجموعة قصص "رجال من ذهب" للمؤلف السيناوي عبد العزيز الغالي من أهم القصص الحقيقة للمقاومة الشعبية التي جسدت بعض بطولات أبناء سيناء في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي الغاشم في مرحلة حرب الاستنزاف التي كانت مقدمة لانتصار أكتوبر الخالد عام 1973م.
قدم عبد العزيز الغالي هذه القصص بأسلوب مبسط للأطفال والفتيان والشباب، لتمثل ذاكرة حية للأجيال القادمة على مقاومة المحتل، ولتجسد روح الانتماء والولاء والوطنية لمصرنا الحبيبة.
لقد كان للمخابرات المصرية دور فاعل في تهيئة الظروف وتوفير كل الإمكانات التي هيأت لنصر أكتوبر بمعاونة أبناء سيناء.
لقد أنشأت المخابرات العامة والمخابرات الحربية في عام 1968م (منظمة سيناء العربية) وذلك للقيام بعمليات فدائية خاصة؛ خلف خطوط العدو الصهيوني الغاشم، وذلك بالتعاون مع أبناء سيناء في البادية، وفي مدينة العريش.
كان الغرض من إقامة هذه المؤسسة الوطنية العريقة هو إقلاق العدو الصهيوني الغاشم، وزلزلة معنويات جيشه، ونسف مقرات القيادة والمطارات العسكرية للعدو، والقيام بعمليات خاصة ونوعية لإضعاف قدرات العدو وتكتيكاته، ونسف خططه، وهزيمته نفسياً ومعنوياً.
ومن هؤلاء الأبطال الذين قاموا بالعديد من العمليات الفدائية مجموعة: (فهود سيناء) التي أنشأها وكان على رأس قيادتها ابن سيناء المناضل والمجاهد السيناوي الشاب البطل حسن علي خلف .
ولد الشاب حسن خلف بمنطقة "الجورة" بشمال سيناء في "مدينة الشيخ زويد"، وكان والده أحد الرجال المتدينين، وشيخاً لإحدى الطرق الصوفية، فنشأ حسن في بيئة صحراوية، متدينة، وكان شاباً لا يتحدث كثيراً، حيث أقواله تسبق أفعاله- على عادة الكبار الحكماء - فرأيناه ينظر بقلب متلهف وحسرة وحزن شديدين لاحتلال شبه جزيرة سيناء، كما أحزنه معاملة الجنود الصهاينة القاسية لقبيلته وأبناء بلده بعد احتلال سيناء وكابوس نكسة عام 1967م.
وكان الشاب متحمساً؛ لا يخفي تلك الكراهية نحو المحتل؛ وتم اعتقاله أكثر من مرة؛ والإفراج عنه بعد ذلك. وفي كل مرة كانت الكراهة تنمو في داخله؛ لهذا الكيان المحتل الغاصب.
ورأت عيون المخابرات المصرية حماسة الشاب ومحبته لبلده فقررت تجنيده- قبل أن تعرض عليه. ليبدو الأمر لو كان بالمصادفة، وكأن أن انضم الشاب للمنظمة بعد مراقبة شديدة له للاطمئنان إلى إخلاصه. ولما تأكدت المخابرات من وطنيته، عرضت عليه الانضمام للمنظمة - وكان قد سمع عنها وعن بطولات أعضائها في نسف المطارات؛ والمستعمرات، واغتيال بعض الشخصيات العامة الحساسة والقواد البارزين للعدو - ومهام عسكرية واستخباراتية واستراتيجية وغيرها، كذلك .
وافق البطل على الفور، لتبدأ رحلة تجنيده، ثم تم استدعاؤه -بعد فترة- إلى مقر المنظمة بالقاهرة لتبدأ رحلة كفاحه، ويتم تدريبه على الكثير من أنواع الأسلحة والقنابل اليدوية والصواريخ المتفجرة.. فأبدى مهارة فائقة، وحاز ثقة رجال المخابرات المصرية في منظمة سيناء العربية آنذاك .
وتم تكليف الشاب بعمل مجموعة خاصة يختارها بنفسه، ويثق بهم، للقيام ببعض مهام وأعمال المنظمة ضد العدو، ففرح فرحاً شديداً، وعاد ليعرض على صديقه "محمد عليان صقر"، وصديقه "ب.ج.ب" للانضمام للمنظمة، بعد أن شرح لهم طبيعة وأهداف عمل المنظمة الوطنية، وقد كان..
لتبدأ رحلة فهود سيناء نحو الكفاح والمقاومة من أجل الوطن الخالد، ورفع راية مصر عالياً، والانتصار على الأعداء الصهاينة الغاصبين للأرض؛ والأوطان.
ولم ينتظر الشاب "حسن علي" خلف أن تكلفه قيادة المنظمة بالقيام بعمل فدائي، بل رأيناه يعرض على قيادات المنظمة أولى طموحاته للقيام بأخطر عملية فدائية زلزلت أركان الجيش الصهيوني (الذي لا يقهر)- كما روجت له آلته الإعلامية- لكن الجيش المصري العظيم؛ وأبناء مصر الشجعان، وأبناء شعب سيناء البطل أثبتوا بأنهم قادرين على تحدي المستحيل؛ وقهر أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يهزم، على أيدي الشباب الشجعان في سيناء، وبمعاونة وتوجيه المخابرات المصرية، والأجهزة السيادية والعسكرية المختصة، وبقيادات ورجال منظمة سيناء العربية آنذاك.
لقد فكر الشاب البطل حسن على خلف بنسف مقر قيادة الجيش الإسرائيلي في مدينة " العريش" بشمال سيناء.
بدأ يكتب بالحبر السري للقيادة في مصر فتم استدعاؤه للقاهرة لأن هذه العملية خطرة جداً، وتحتاج إلى خطة محكمة؛ وقنابل يدوية؛ وصواريخ شديدة التفجير لأن المقر كان محصناً بصورة يصعب اختراقها، ولأن التشديدات الأمنية هناك؛ كانت صعبة ومكثفة؛ ومنيعة.
وبدأ التدريب مع مجموعته في صحراء سيناء بعد رسم تفاصيل المخطط، وإعداد الخريطة، والطرق المؤدية إلى مقر القيادة بالعريش.
كما كانت هناك صعوبة أخرى لنقل الصواريخ من القاهرة إلى سيناء خاصة وأن دوريات العدو كانت تنتشر بكثافة على طول الطريق من القنطرة وحتى رفح؛ علاوة على نقاط التفتيش؛ ونقاط المراقبة الحصينة.
لقد اقتنع قائد منظمة سيناء العربية بالخطة التي وضعها البطل حسن علي بن خلف الخلفات، وبدأ يصغي لشرحه؛ ولما اقتنع تماماً بالخطة؛ بعد أن كان منبهراً بفكر وتخطيط هذا الشاب الوطني المحب لبلاده قال قائد المنظمة :
سأضع تحت تصرفك كل الإمكانات والذخيرة، وسنساعدك وطاقم مجموعتك من خلال رجالنا في سيناء؛ وسنمدكم بكل المعدات والعربات لنقل الذخيرة؛ والصواريخ إلى سيناء، عبر قناة السويس من جهة طريق المنطقة الساحلية في بورسعيد كما حددت أنت، ورسمت الخطة، التي أبهرتنا بحق .
بدأت الخطة، وتم نقل الذخيرة والأسئلة والصواريخ إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، وكان البطل قد اشترى "ثلاثة جمال"؛ حمل فوقها الذخائر، وبدأت السير داخل مناطق ساحلية وعرة بعيداً عن الطريق الرئيسة، وعند تلة متفق عليها بحسب الخطة مع المخابرات المصرية، كانت الإشارات الضوئية لعربات الجيب وسيارات الكروز التي حضرت فسلمهم الأسلحة؛ ليقوموا بنقلها فوراً إلى مدينة العريش، وتخزين الصواريخ بالقرب من مركز قيادة الجيش الإسرائيلي هناك.
بدأ حسن ينظم صفوف مجموعته، ويدربهم على استخدام الأسلحة والصواريخ بعيداً في قلب الصحراء، ويشرح لهم خطة اقتحام، ونسف مقر القيادة الإسرائيلية، بحيث كانت الخطة تقضي بإصابة واستهداف المقر من جهات ثلاث بالصواريخ المتفجرة؛ والقنابل اليدوية.
وفي حال مقاومة الجنود وملاحقتهم يقومون بالتعامل معهم بإستخدام القنابل اليدوية والأسلحة التي تم توزيعها عليهم. وتجهز الجميع انتظاراً للموعد الذي تحدده أجهزة الاستخبارات المصرية المركزية بالقاهرة .
دقت ساعة الصفر، وجاءت التعليمات، وبدأ تنفيذ العملية، وتمركز الأبطال الثلاثة في جهات مختلفة، وجاءت الإشارة من القائد حسن علي خلف لتنطلق الصواريخ بقوة لتفجر وتنسف مقر قيادة القوات الإسرائيلية الحصين. ولم تمر سوى دقائق حتى دوت الانفجارات الضخمة متتالية؛ لتسمع مدينة العريش دوي الانفجارات والارتجاجات العنيفة المدوية لنسف مقر القيادة المنيع، ومخازن الذخيرة والوقود، وتجمعات الجنود الصهاينة .
جن جنون العدو الصهيوني، واختفى الأبطال في شوارع المدينة؛ ومن هناك إلى جبال سيناء الممتدة .
كتبت وكالات الأنباء عن نسف مقر القيادة العسكرية الإسرائيلة؛ ونسف مخازن الوقود والذخيرة؛ وقتل وجرح العشرات من الجنود الإسرائيليين دون القبض عن أحد من منفذي العملية.
بدأت القوات الإسرائيلية بتمشيط المنطقة؛ والقبض بشكل عشوائي على مئات من أهالي مدينة العريش لاستجوابهم؛ لكن دون جدوى.
وتوالت بعد ذلك عمليات (فهود مصر) التي كبدت العدو العديد من الخسائر الفادحة.
وكانت هناك مجموعات أخرى تقوم بعمليات مماثلة في مناطق عدة يقودها أبناء سيناء الأبطال؛ وبتوجيه ومساعدة من منظمة سيناء العربية.
وفي إحدى العمليات الفدائية تم أسر البطل حسن علي خلف أثناء هجومه على مجموعة من المركبات والمدرعات الإسرائيلية وحاملات الجنود، وبعد معركة عنيفة واستبسال منه ومن مجموعته تم القبض عليه وأسره، وقدم للمحكمة العسكرية الإسرائيلية التي واجهته بتهم كثيرة وتم الحكم عليه بالسجن المؤبد لمدة (149 عاماً) فقبع في السجن في معتقل (أشكلون) الشديد الحراسة والتعذيب حتى عام 1974م، حيث تم إطلاق سراحه ضمن معاهدة تبادل الأسرى، وتم الإفراج عنه بعد استبداله مع الجاسوس الإسرائيلي "باروخ كوهين".
رحلة طويلة من الكفاح قضاها المجاهد البطل الشاب والشيخ حسن على خلف لمقاومة الاحتلال الصهيوني الغاشم لسيناء. وكانت تلك الأعمال الفدائية منتشرة عبر المجموعات الكثيرة التي شكلتها المخابرات المصرية ضمن منظمة سيناء العربية، والتي أدت إلى انتصارات أكتوبر على العدو الصهيوني؛ حيث تم عبور قناة السويس؛ واقتحام خط بارليف الذي كان يمثل أكبر مانع مائي حصين في العصر الحديث؛ بمساعدة سلاح المهندسين لتتحطم أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر إلى الأبد. بسواعد جنود أبناء قواتنا المسلحة المصرية الباسلة؛ ووقوف شعب مصر العظيم خلف جيشه؛ وقيادته السياسية ؛والعسكرية المخلصة .
لقد استشهد الكثيرون من أجل مصر؛ ورفرفت أعلام الجيش المصري على ربوع سيناء الحبيبة.
لقد صاغ لنا المثقف الكبير عبد العزيز الغالي "جبرتي سيناء" هذه القصة، وقصصا بطولية أخرى في مجموعة قصصية مبسطة من ستة أجزاء؛ بأسلوب جميل جذاب؛ وبصدق واقعي -دون مبالغة- ليعرف أبناء الجيل بطولة أبناء سيناء؛ وقواتنا المسلحة وأجهزتنا الوطنية المخلصة للدفاع عن مصرنا الحبيبة؛ وسيناء الغالية ضد المحتل الصهيوني الغاشم؛ وليتعملوا دروس الوطنية والولاء والإنتماء التي قدمها آباؤهم وأجدادهم للوطن، حيث شارك أبناء وجموع الشعب المصري قواته المسلحة الباسلة لتحقيق النصر العظيم. كما شاركت جموع الأسر المصرية في كل محافظات مصر التي قدمت دماء أبنائها هدية؛ من أجل أن يتحرر التراب الوطني المقدس في البوابة الشرقية في سيناء .
إنها قصص توثق التاريخ، وتحكي حكايات البطولة والفداء؛ وقصص البسالة والشجاعة لأبناء سيناء؛ كما إنها تجسد أدب الحرب؛ وأدب المقاومة؛ لتبدأ بعد ذلك معركة البناء والتنمية؛ وتتحقق منظومة الأمن القومي المصري، وسيادة مصر على حدودنا عبر البوابة الشرقية لمصرنا الحبيبة في سيناء .
تظل سيناء، ويظل شعبها البطل داعماً لقواتنا المسلحة، وأجهزتنا السيادية الوطنية المخلصة في الحرب والسلام، وفي معركة البناء والتنمية عبر الأزمنة والعصور.
|