القاهرة 28 يوليو 2026 الساعة 09:43 ص

قصة: حسين عبد الرحيم
«أنا شيطان ولست ملاكًا»..
أقولها في نفسي بلا صوت وبعين دامعة
ياربي،
ولكنها زينب. وزمني الماضي في البراري، بريق العنب وحقول الجوافة
حقيقة الحلم والجمال والخفة والغنج والطفولة والسلوى تمشي على قدمين، بخفة تمشي على ضلوعي، تمشي، تدوس قلبي، تنفذ لحشاي، متجاهلة ملامحي وأنا الراشق بعيني من خلف فروع السيسبان، أبغي مغادرة الأرض، أكلم الله في رحلتي، جسدي يخف، دافئًا، بعزم وقوى بعداد السنين الفائتة من عمري، بلا حصاد إلا الطلل في بيوت العرب، من أوله لآخره، ثكنات الهيئة، هالة جيهان، قصة الكاريه، خطوة الرومانتيك، فى الصباح، بعد الغروب، في طولون؟!
هي هنا والآن
زينب،
جيهان؟!
وأنا أسبح في ملكوت الجمال، السكينة، الصمت، الخرس، زغب زينب الأصفر يبرق تحت شفتها السفلى، حول جنائن الإبط ، ترفع ذراعها اليمنى لتسوي شعرها.
هجرت أرض البيت في أول الأفرنج، خفت أن تراني، صارت معلقة بشفاف القلب، طلتها، ملامحها، جسدها، حضور لا يغيب، في عنقي، تدلت كقلادة من الماس، في عنقى، فصوص خضراء، نبيذية، من ياشب.. قلب الفتى الغريب أخضر، أردت التحليق، نظرت السماء في الصباح، في أول العرب، في محمد علي، في أحمد ماهر، في التلاتيني، داخل الكنيسة، بمسجد العباسي.
وجدتني وقد صعدتُ، أفارق أرض البازلت، أنظر البشر من عل، أخيرًا، نظرتني زينب ، صرخت في وَلَه:
"خذني معك".
روبها البرتقالي شفَّ عن جسد ملائكي، تكوينات لحمية مثيرة، طازجة شهية، مستحبة مجرمة محرمة، ملائكية...أمسكت بساقي، فارقت أرض الندى، جسدي دافئ أصعد لأعلى، أحلق، أنظر السماء السابعة، أبحث عن ربي، في أعلى عليين، أرتحل.. تتقازم البيوت من تحتي، تتعاظم جرأتي، أنفاسي، رأيت السماء من تحتي، تجلت في تكوينات هلامية، سمعت الهاتف في سطوع الضياء، قال اقترب، إنها بيوت الله في أراضٍ أُخَر عالية، بيضاء، بلا شمس حارقة، دون بشر، بلا فقراء وجوعى، فضاءات تشبه صفاء القلوب الرحيمة التي قابلتني في الرحلة الطويلة، نفذت لنهر السماء، رأيت سككًا للرحيل، للذوبان، للتلاشي، للسفر، للفراق، لتوديع الوجود، حتمية العدم، وبدايات الخلق، ذهاب الأحبة.
سمعت من يهتف بي في رهبة يأمرني:
_ اِصعد.
"فإذا ولجت لنفذت واعتليت واخترقت، وإذا دنوت لاحترقت".
دعكت عيني لأراني آتيًا من البعيد، في زمنٍ ما لا أعلمه، يجرني رجل أسمر ينادونه أبي ويصرخون عليه، مرة بالحبشي، مرات بالصومالي، عيناه زرقاوان، أسود غطيس، تبرق في ليلي الدائم، جرني معه، قلت له:
لا علمَ لي بالزمان، ولا المكان، لا أعي المواقيت، أجهل تاريخي .. تكرر النداء:
"صومالي، يا حبشي".
_ أنت قدري وأنا كذلك
قدرك..
قلت بعيني محبوس الصوت إلا من دمع وتوهه.
قدري؟!
(وأين قدري..)
يا حسين؟!
سمعت من يناديني من البعيد اللا مرئي، من زمنٍ لآخر لا أجهله..
أخي...
صار قيده أدنى معصمي، بقوة عصبه، بعصابية المنطوق من الكلم، تجلت الملامح تشبهني، قوة مفرطة تقبض على يدى بكفي، لا تفارق ذراعي، تقيد رسغي، تدهس أصابعي التي صارت ترتجف.. في نهاية ديسمبر لم أنتبه للنداء،
من بعيد.
كان طارق العجيزي يجري خلفي، ينظرنى في دهشة، فى رعب، في ريبة، ناداني فلم أجب ، تجاهلت السمع.
قال لي:
_ معلم تعلب يبلغك بالعودة لتشاركنا الفطور.
......
خرجت من جربين المعلم ضاحي فجرًا، أحمل بطانيتي الرمادية المهترئة، أتوجه لفرش البطيخ، رآني العم كامل شاهين من بعيد، ناداني،
قال:
_ أحضر لك العشاء يا صومالي؟
قلت في كدر وجهامة:
_ شكرًا عم كامل تعيش.
كدرا مرهقا نظرته فى أدب، نظرني في شفقة، سألني:
_ تنام؟
قلت نعم.
بدا المطر خفيفا في أول العرب، تمددت، ارتديت طاقية صوفية شراقي فوق رأسي، كبستها في دماغي، تخطت أذني، شعرت بدفء، تمددت، أتي عم كامل وبيده بطانية ثانية، رماها فوق جسدي المفرود على قش الأرز، بين أكوام البطيخ المكومة على شكل هرمي، صنعت مرقدي، بطول مترين، تحسست جنبي الأيسر الذي صار يؤلمني على غير العادة، في العتمة، نهضت من جديد، أشعل سيجارة، نظرت السماء الكابية، ركام السحب تلج فضاءات الغمام، تمددت على جانبي الأيمن، رحت في نوم عميق، ورأيتني سائرا على جسر ترابي طويل، بلا نهاية ، الجسر ممتليء بالحصى، مشيت أرفل في بدلة كاوبوي، ببطء أنتعل حذاءً بنيًاً قديم، أتطلع إلى اليمين، إلى اليسار ، رأيت الديار، منازل بالطوب الأحمر، قفر، دخان يخرج من بيوت مهجورة، الطريق يمتد، نظرت أسفل الجسر، رأيت قناطر جافة، نهر طويل... زراعات، أشجار السرو والعبل تطول السماء، بزغ النور في بصري، نظرت بيتا جديدا قديم الطراز، سألت نفسي في الطريق:
_أين أنت الآن؟!
أتمدد كالميت، أروح في بقاع مجهولة، في حلم متكرر، تتجدد مفردات الحلم، نفس الجسر، يطول، وأنا السائر بلا اكتراث، لا أنوي على شيء ما بعينه، الوقت مغارب، البيوت ساكنة وأنا أدقق النظر، أتفحص البيوت المهجورة في أسى، أسأل نفسي متأرجحا، الذاكرة ما بين ماضٍ بعيد وحاضر ملتبس.
أين رأيت تلك المنازل، هل سكنت هذه البيوت ....
أتامل قناطر، قنوات مائية تخرج من تحت الجسر ترمي بالماء أسفل ربوة تمتد بمحاذاة الجسر، طالت خطاي، أتطلع للبيوت والقفر والبلد الغريب، دقائق وبان على يمين الطريق وبمحاذاة أشجار السرو سرادق كبير، يقف أمامه بعض ضباط الشرطة برداء أسود أحاول الدنو والهبوط تاركا الجسر المرتفع لأنسل بمحاذاته مدققا النظر بتلصص في السرادق الطويل بمقاعده الخالية إلا من بعض العسكر والضباط أتطلع في الواجهة فأرى ثلاث رايات خُضر وشعار ملكي، وعبارات مسطورة بمدخل السرادق.
-المغفور له حسين الصومالي الحبشي 24 يناير 1952-
نظرتني وجوه عدة لضباط بفئات عمرية مختلفة، كنت أنظر رجلا بعينه جالسا منزويا على يسار مدخل السرادق، كان يتبعني، يرقبني، يتتبع خطاي وهو القعيد الجالس على كرسي متحرك مرتديًا عباءة من الجوخ بجسد نحيل، يلف رأسه بعمة تطوق رأسه المفلطحة، دخلت السرادق فلم يعترضني أحد، بدا صوت الصراخ يخترق أذني وأضيئت أنوار فجأة بطول البراري، بامتداد الممشى الترابي المحاذي للجسر الطويل، الصراخ يصل إلى عنان السماء وأنا خائف، أسأل نفسي بلا جواب، في أي زمن أمشي وأرى، ولمن هذه الوجوه؟!
يكاد صوتي يخرج بالصراخ لإستبيان مكاني، هذا الزمن الممتد بتكوينات غرائبية في البيوت والوجوه والطرز المعمارية، أشتم رائحة قمائن طوب في البعيد ، أسال عن دليل يرشدني لثمة طريق يخرجني من هذه المتاهة.
كان الرجل القعيد يشير إلي بهمس والضباط في سكون لا ينظرونني، كأنني شخص معروف، مألوف لديهم، أتقدم بحذر وبطء، أنظر في الداخل، في نهاية السرادق كان التابوت مغلق وحوله سياج من سلاسل ذهبيية وبعض الأنفار يجلسون على المقاعد ينظرون للتابوت إلا الرجل القعيد الذي كرر إشاراته لي بالتقدم نحوه.
عادت أصوات الصراخ من جهات غير معلومة ولكنها قريبة، عدتُ للتلصص والتدقيق في ملامح الجالسين في السرادق كان هناك من يشبه المعلم ضاحي الكبير، يتحرك ويترك المقعد وبيده عصاه الأبنوس، رمى بفص الأفيون تحت ضرسه وقال للساقي:
_ لا تتحرك من هنا حتى أناديك، تابع خدمة المتوافدين حتى تأتي التشريفة، وددت الصراخ أستفسر عن الحاصل:
_لمن هذا التابوت؟
زحف الظلام فتلونت الدنيا من حولي وسكت الصراخ ورأيت من يناولني كوب ماء، شربته ونظرت الوجوه فلا مجيب ولا تواصل مع أحد إلا الرجل القعيد الذي ألحّ في طلبي، اقتربت دانيا من كرسيه فسألني في ثقة:
_ لماذا تأخرت كل هذا الوقت؟!
انتظر حتى يأتي عمك.
لم أجد ما أجيب به،
سألته،
من أنت؟!
فقال لي:
_ وحدك أنت من البداية،
لا تخف، أنت من اخترت الطريق وتركت أبيك وعمك، وذهبت لناس البحر.
زادت دهشتي وبت أرتعش، ترتج ذاكرتي بلا جدوى دون فائدة.
سألته في غضب وقد هاجمتنا تيارات هوائية كاسحة تأتي من غرب السرادق، دققت في ملامحه من جديد متطلعا للجنود والضباط بمدخل السرادق الذي ضوت فيه مشكاوات ومصابيح تسطع بأضواء مبهرة مع صوت نقيق ضفادع وخرير ماء من جداول أو قناطر قريبة ، تأملت الرجل، هززت كتفه النحيل قائلا:
_من أنت،
أين أبي؟
فقالها في عبارة واحدة،
_ اخرج من هذه المدينة وعد للإسكندرية؟!
سافر يا بنيّ،
اِبحث عن أبيك،
رافق تعلب، صاحبه ، اسمع له،
هو من يعرف كل شيء.
اذهب للنبي دانيال، فمن الممكن أن تكون فرصتك الأخيرة للعثور على أبيك الصومالي؟!
التفتُّ بغتةً، كانت أصوات الصراخ تدوي من جديد من نسوة لا ترى إلا أن الصوت أفزعني، أحس برهبة تجتاح جسدي كله، خلا السرادق من المعزين وبقى التابوت كما هو والتفت يمنة ويسرة كان الضباط يمتطون خيولا عفية ويستعدون للرمح فوق الجسر الطويل المرتفع عبر قناطر وجداول مائية ترمي بالماء العذب من تحت الجسر لمجاري البراري المؤدية للحقول.
زرعات عنب وتين ورمان أينعت فجأة وضوت بل سطعت من خلف الكهارب والمشكاوات التي بقت سارجة وكأنها نازلة من السماء، المكان يسبح في نور وأضواء وأنا أتلمس خطاي منصتاً لثمة هسهسة ووشيش وصوت شيخ يرتل ما بين البراري والقفر، أسفل الجسر الطويل ، بكرسي عال مذهب وعمامة حمراء وعباءة سوداء ، يتلو:
" يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه...".
فررت وتركته دون أدني اكتراث، كان صوت التلاوة يتعالي في أذني، في عقلي في نفسي وروحي، يهزني، يرج كياني ويخلخل ذاكرتي، لأعاود اجترار ما قاله الرجل القعيد.
"سافر للإسكندرية،
اذهب للنبي دانيال،
رافق تعلب ابن فاطمة الضاحي، صاحبه، واحترس من عربي الضاحي.
راقبه في صمت حتى تأمن شرّه
لعلها الفرصة الأخيرة لملاقاة أبيك والوقوف على مصيره".