|
القاهرة 28 يوليو 2026 الساعة 09:35 ص

بقلم: أحمد فاروق بيضون
-
الاغتراب الوجوديّ والتعلُّق القلِق وبارادوكسية الثنائيات.. هكذا تتحفنا مجموعة قصص (أنثى مثل حبَّة التوت)
بهذه التحفة السردية والمجموعة القصصية الصادرة عن هيئة الكتاب لسلسلة ابداعات للعام 2025 في مصر، تتلألأ اثنتا وثلاثون قصة، في مجموعة "أنثى مثل حبَّة التوت".
وسمَ القاص "سمير لوبه" هذه العنونة كعتبة استهلالية ضمنية مذكورة في سيل الأحداث بقصة (حلقة مفرغة) التي تضج بلاءات من الصمود والتحدي، حيث لا وقت للدموع أو الراحة أو الشكوى بالنسبة لـ(سلمى) التي شاركها في بطولة الحكي (جمال) الذي عضد من نظرية الصراع الأزلي في مسرح الحياة من أجل البقاء، وبأن اللامبالاة هي المرض القاتل للأحلام؛ تبدَّت تلك العبارة بعد انقضاء يوم شاق بالعمل معاً، وتجلى الفهم الصامت بينهما كنقطة التقاء بمنأى عن أناهيد الحب، لما سارا معاً عبر طريق عتيق يفضي إلى بيوتيهما، وتبادلا أطراف الحديث في خضان تلك الحياة اللاهثة التي تدير وجهها أحياناً أمامها، ليبعث (جمال) رسالة تبين شمس الحقيقة بأننا لا نركض في الوجود بل نمضي فقط، كلمات تساقطت كحبة توت تبصرها أنثى (سلمى) تسعى في دروب الكدّ من أجل فلذتها، وما زالت تلك الكلمات تطاردها في سيرورة أشباح لينتابها ذاك الهاجس في طريق عودتها قبل الشروع في أمنة نعاس وانتهاء يومها الروتيني الذي أدمنت رتابته مهما اجترت من لوعة ومرارة.
تتبدَّر تجليات الأماكن وعبقها وسيميائيتها الدلالية بالنسبة للقاص السكندري منذ الانطلاقة في (ثمَّ لم يبق أحد في الإسكندرية) تلك الجلالة والهيبة في حضرة عروس المتوسط وثيمة التعلق القلق الذي يجثم ويطبق على صدر الراوي بلواعج الأحزان، بل إنَّ السماء هي الأخرى تشاطره الشعور، كل شيء كان ينبض بالحياة ولكنه تجذَّر إلى لون باهت وبحر هادئ غير آبه لما حدث من تغير مفاجئ على غير المعتاد، لينبري (كفافيس) الشاعر اليوناني الراحل الذي عاش ومات هنالك والذي اعتبر الإسكندرية ساحرة تجذب إليها القلوب الباحثة عن معنى لهذا العالم، وكأن المدينة تحمل استشفاء من أدران الإنسانية، يستمر السارد اللاهث في مناجاة أطيافه التي تؤنس وحشته من حديقة الخالدين هذه المرة ليحتفي بـالموسيقار الراحل (سيد درويش) ومن حديقة الشلالات (بيرم التونسي) الذي يطلق مرثية زجلية عن طير العنبر المهاجرة، الراوي (سمير) كأنه والقاص صنوان يندمجان في تقنية سردية (التخييل الذاتي) وهو ما يتماس بالواقع من نوستالجيا الذكريات التي تهال القارئ، ليتفاجأ الجميع بتلك المفارقة الساتيرية الظريفة التي أضفت حلاوة النهايات بظهور الشُرطي الذي يسأل من يتحدث إلى نفسه عن هوية الذي يخاطبه ويتهمه بأنه الشخص المجهول الذي يأتي كل مساء ليبول تحت تمثال الإسكندر الأكبر.
في (الصياد الأخير) ولعل عين النقادة تذكر للقاص أحد دواوينه الشعرية الموسومة بالاسم، تتبدى قصة أجمل تعج برائحة البحر وتتضوع أنسام رمال الشاطئ وبراد الشاي، حكايات الجدّ الذي صال وجال في أعماق البحر وعرش في كيانه، استل مطية الزوارق لتحقيق الحُلم سعياً وراء الرزق، يخاطب حفيده بأنه العاشق لمدينة الشتاء، لكن ذاك التخاطر الأثيري بينهما لم يدم طويلا بعدما عبر الجد للعالم الآخر لتدثره أكفان الصيادين كما أوصى، لكنَّ الأغرب بأن الجمع لم يتحدث عن عظة الموت وحكمة الحياة وأخذوا يهتمون برغيف الخبز وما صابهم من جوع وفاقة، ليتعاظم المشهد بانبلاج ظل هائل لحظة الغروب، وإذا بأمواج البحر تهيج وتحتضن الجنازة ويختفي النعش كما لو ابتلعت كل الذكريات، ليزرف الحضور الدمع على رحيل الصياد الأخير الذي عاد إلى وطنه، خاتمة تحمل قيمة الانتماء لكل صياد صدق العهد مع صديقه البحر فاكتنفه بين درره إلى يوم يبعثون.
(رحلةٌ لم تنته) انتقلت إلى عتبة السيدة زينب بالقاهرة، حيثما يسعى باحث عن النفس (الذات المفقودة) ليلتقي بمسنّ يرتدي جلابية قديمة أمام بيت عتيق، خطوات تنتهب نحو المجهول وشيء مفقود أو صورة غائبة تتخلل المشهد الممجوج بألوان ورائحة توابل وبخور تشي بالروحانيات وكأنه يسير على نهج ما قاله العجوز (امشي يابني.. هي ستناديك)، تباغته سيدة تزيد من حيرته بأن رحلة البحث طويلة عن النَّفس ولزاماً عليه أن يتبع صوت قلبه، بعدما وصل عبر الزقاق الضيق واقتاده فؤاده إلى مبتغاه علم بأن الرحلة لم تنته بعدُ بالرحيل، الذي أثار الدهشة بالختام اختفاء من سألهم هناك، وكأن القاص يركنُ إلى محراب النساك لعالم الحلاج والرومي والتبريزي وابن عربي بحثاً عن الحقيقة، ويؤكد في النهاية بأنه لا شيء مطلق وبأن الإنسان سيعيش في كبد ولن يقدر على تحرير نفسه.
(الميدالية الذهبية) تهدينا (نِعمة) البطلة الحقيقة التي لديها نصيب من اسمها، فكانت نعمة لابنتها من ذوي الهمم التي تعاني من متلازمة داون، هي الأم الرؤوم التي تركها (محمود) وغدر بها ورحل ليزج بها في معقل الحياة وحيدة، وهنالك بشوارع مصر العتيقة تنبري نعمة التي ترتشف أكسجين البقاء ووقود العزائم لتصنع من ابنتها بطلاً قومياً تتقلّد ميداليتها الذهبية التي تنتزعها من الأصحاء، يتحفنا النص العبقري بلازمة سردية يلخص أجمل ما في الوجود (أمي.. أنا أحبُّك) تكررت لتبرز المعنى الجوهرى والأسمى للحبّ، وكأن من يحب يستطيع تحقيق المحال غير آبه لعراقيل أو خذلان أو نقائص ومكاره البشر.
(حذاء إنجليزي) يحكي صورة ذهنية لـ(حمدان) الفلاح الناجع البسيط بإحدى القرى النائية، استلهمت عدسة كاميرا نهاراً يتثاءب ودغدغات شتاء يعم الليل وصيف يرمضُ قيظا، حتى حلت اللقطة على ظل شجرة عجوز، وكأنه يريد أن يخبرنا بأن عالمه وكونه الكوزميّ المصغر يئن وتتألب عناصره مع ذاك الراقد الذي يربد في حذر وينصِّب الأحداق على تلك الأحذية التي تدبّ في الأرض بوثوق وثبات، لتتأرجح أحلامه بين (جوع وجوديّ وحُلم واجب التحقق)، ذاك الفقيربين وخذ الحصى والأشواك يسكن تحت سقف متآكل ينفذ من البرد كطعنة خناجر تتلذ بسياطين سطوتها وقهرها، معللِّة ثيمة (الخوف) المسيطرة المهيمنة التي أزهقت كل بيّنة تعضد من الحق في رغد العيش بمنأى عن ملابس رثة مهلهلة تغطي أجساداً نالت منها أخاديد الدهر الراسف المثخن بألوان الألم، في مقابل عينين تلمعان بالأمل في الحصول والحظوة بشراء هذا الحذاء المؤسطر بين واقعه ومُتخيله.
لكن استدراك الحلم بات وشيكاً بعدما ادخر القطع النقدية اللازمة ليشري هذا الحذاء الذي (احتلَّ) عالمه واستبدّ بمباهج الحياة من أجل ذاك القَدْر من فرط السعادة، إذاً فالسيميائية الرمزية المهيمنة في عالم (حمدان قُبيل امتلاك الحذاء) ترتكز بين مدلولات (الحُلم / مرارة وغصة الواقع ) (القهر والقمع/ التوق للظهور والانعتاق)، ومن ثمَّ يتجذر تأطير السيميائية في دلالة هذا الصراع الوجودي بعد كل التضحيات التي تكبدها ذاك الكنود الكؤود (حمدان) الذي سار لمدة يومين كاملين على الأقدام ليصل إلى مبتغاه الذي يدنو منه ليتلبَّسه بكينونة أخرى (حمدان ما بعد ارتداء الحذاء)، لما تبدّت ثنائية (الخوف/الجسارة) (المملكة / المهلَكة)، يحدث نوع من (اضطراب ما بعد الصدمة) وكأنه (لم يجرؤ) يوماً على ارتدائه، فتكرار (لم يجرؤ) تبرهن ذاك الزاجر أو موروث وجودي يتأصل في نفس (حمدان) الذي يرتجي في قرارة ضميره ويمني النفس بأنه سيصبح سيداً ذا وجاهة وسينال الكرامات والتبريكات بين قومه، لكنّه تناسى بأن تلك اليد التي يمجُل بها الطين لم تعتد ملمس الحذاء.
وهنا – تتطاير الشائعات والقيل والقال من أحقاد وحنق يستشرى بين أخدانه ورفاقه باتهامات وتلفيقات بأنه ربما قتل إنجليزياً وانتشل حذاءه أو سرق ثرياً أو وجده ككنز دفين، وإذا بثنائية أخرى تلهب الصورة وتستحث إيقاعاً لعالم جمدان الجديد (العطش والتصحر الوجودي/الرواء) (الموت/الحياة)؛ كأن الحذاء يحمل مباعث الحياة من جديد ويروي الجدب وقفار الأكوان، يتأجج الصراع الخارجي بظهور (عليوة) الذي يرمز للتآمر والغدر والخيانة ومصدر الشرور من بني جلدة حمدان، ليصرعه بفأسه في تمشهُد معركة تم أسطرتها، تنتهي بنذير شؤم ووبال يحط على تلك القرية وإحباط مطامع عليوة الذي استيقن بأنه هالك لا محالة بعد الخلاص من حمدان، ليدفن معه الحذاء فتثوي الضحيَّة إلى جوار تحفتها أسفل الترعة، ما عاد سوى الأنين الحزين بليال باردة لكل من يقترب لأطراف القرية حيثما تمت الجريمة الشنيعة.
ثنائية (الحقيقة الدامغة/الخرافات والماورائيات) عرشت في أذهان السكان هناك بأنهم يسمعون أصواتا مرعبة هنالك أو يبصرون أثاراً لأقدام حافية تظهر فجأة ثم تختفي، وكأن القاص يتحفنا بمشهد بين الأسطورة والنيكرومانسي (استحضار الروح)، وبعد انقضاء برهة ينبري جثمان (حمدان) المسجي الذي تجحظ عيناه وكأنه يبصر (مُعجزة) تلوح أمامه بعدما برق البصر وذهب وئيده والتفت الساق بالساق، أتُراه الحذاء الإنجليزي؟! ضجيج وضبابية لمسرح الواقع عند عتبة النهاية المؤلمة، لكن ما زادها إثارة وتشويقاً ودهشة هو أن الجميع في تلك المناحي بات يسير (حافياً) خوفاً من تلك اللعنة، وكأن كل من ينتعل حذاءً سيذوق مغبة المآل!
(أحمد أفندي عبد الباقي) هناك بشارع الناضوري بالإسكندرية يجلس وحيداً يتأمل الوجود فيجد كل شيء يتغير إلا البحر منذ ثورة 19، وحتى توابع النكسة الأليمة، فجأة يغيب وتختفي الصحُف ولا يبقى سوى صندوق خشبي يطوي رسائلاً لامرأة تدعى (ليلى) ليثير تساؤلاً للمارة ولكل من تعلق برؤياه عمّن تكون؟!! البحرُ وحدُه يعرف القصة ولكنه ظل صامتاً كعادته.
(حذاء أمل ممزَّق) أزقة تفوح بنكهة الزمن الجميل حيثما نجد (أمل) الفتاة اليافعة لها من اسمها نصيب أيضاً محاولة البحث عن أمل متجدد ليصلح الاسكافي حذاءها البالي، تستجدي من زخات المطر أملاً آخر بأن يتحقق حلمها ويعود الحذاء من جديد، يالروعة أحلام لبسطاء!
ثلاثيٌ يتراءى (على باب الحسين) مرأة باكية ثكلى فقدت ابنها العتي ومسنٌّ وآخر باحث عن أخيه المفقود، تبدت لعبة (الضوء) السردية هناك على عتبة جامع الحسين لما تنطفئ كل الأنوار ولم يتبقَ سوى الضوء الأخضر للضريح.
رسائل قصيرة تأتي من البنك ترسم طرفة أو سخرية درامية لذاك الشاكي (تم خصم 19.99 جنيها رسوم خدمات) في قصة (وضحكتُ بصوت عال) لتزيد كآبة المشهد وقلة الحيلة لهذا الإنسان المعاصر.
(شراء الحُلم) بالنسبة لعامر كان هاجساً واجب التنفيذ من صندوق الدنيا ولكنه اكتشف في النهاية بأن (حلم اقتناء البدلة لم يعُد يسيطر على حياته)، وفي قصة (الرقم 13 أو 67) تبرز البراعة السردية منذ عتبة النص في استجداء القارئ لمدلولية وزمزية هذين الرقمين، ليعرفنا الراوي السارد بأنه فوجئ أثناء سير إلى جوار باب عظيم ورقة بيضاء فارغة مطوية تقتادها الريح تجاهه، ليفتحها ولا يراها ممهورة بتوقيع ولكن ما سر حرف العطف؟ أثار الأمر حفيظته وفضوله ليبحث عن هوية الرقمنة وتذكر ذاك الفائز بالجائزة الكبرى لليانصيب رقم 13منذ عشرين عاما منصرمة لكنه اختفى قبل استلامها، يتبعه بالرقم الأخير الذي اختفى دون أثر، يحمل النص (الغرائبية) والاغتراب الداخلي والعبثية المعتقة بالرعب لهذا البطل السارد الذي عاد إلى المكان نفسه بعد اكتشاف السر الكامن ليقض روعه صوت مفزع يخبره حينئذ بأنه حان دورك ليختار أياً من الرقمين، بدت الأمور خيالية ماعدا حقيقة بلا مرية هو اختفاء الورقة المدسوسة بجيبه وتحمل الأرقام!
سامية وسامي يبحثان عن تلك الذات وتلك الهالة الدفينة الخبيئة لأن الأضواء لا تشع منهما في (غربة المرآة)، أمَّا في رجُل الظل تجلت اللعبة السردية الرمزية وعدم الإفصاح أو المكاشف لما يؤوله (الظل) من بعد نفسي حيث هناك (Hero/Anti Hero) البطل والآخر المضاد في صراع، والبعد الوجودي من حيث السلطة الخفية والبعد الرمزي من حيث التهميش الإنساني، هنالك في أحياء القاهرة منذ 1934م حيثما طارد كل من محمود وسمير يزودان عن حياض الوطن (إفرايم) الدسيسة التي غلغلت بيننا، ليجداه هنالك يشعل غليونهإلى جوار لافتة منقوش عليها (محطة قطار يافا) وهذا يفضح المستور من صراع وجودي آل إلى الزوال.
(قطعة شطرنج مزيفة) تحمل ذاك التيه الإنساني بين الأنا والآخر المتشظي يلعبان، ولكن الآخر المجهول يختفى فجأة ويترك قطعة شطرنج وحيدة منحوتة بدقة تشبه الراوي تماماً، ليتأتى بعدها بأنه القطعة المزيفة في رقعة الوجود، في (رسالة إلى الموت) لم تعد الكلمات تشغل ذهنه ولا الذكريات، أما في قصة (المنزل رقم 15) تتحدث عن الأمور الخارقة للطبيعة والماورائيات بحي الحضرة بالإسكندرية حيث مقر عسكر إنجليز موكلون بحراسة الجراج، يتجلى ثلاثي هم: منعم البربري الذي اعتاد المكان، خميس الوحداني التي يعتبر الحياة لعبة وعندما تصبح الكرة بحوزته سيسجل هدفاً وشعبان العربجي الذي كان ضليعاً في الملاكمة وهو يتحدث إليهما، كأن عبق الأماكن ما زال خافقاً بتلك البناية المأهولة؛ لنكتشف في نهاية المطاف بأنها أطياف عابرة تحت أنقاض المنزل 15!
تستمر المغامرة في حكاية قديمة و(وذابت بين شفتيها) عن انتشاءة مراقب يود الاقتراب من أنثى مثقفة مولعة بالقراءة ويبتغي أن يذوب كقطعة شيكولا أخرى مع قطرة تالية للقهوة، ثم تتحفنا زيزي الراقصة بحكايتها مع شكري في (زهيرة) ومأساة النهاية السوداوية.
تحملُ (الأسوار الخشبية) عبقاً لحكايات مثيرة حتى يتجلى (معرض رقم 3) بعدما بدأ المشهد بعنوان إعلان معلق على بناية (السبت افتتاح معرضي الشخصي بقاعة الفنون الجميلة) يستثير فضول (منير) البطل السارد الذي يتحرك إلى هناك لارتباط المعرض بالفنانة الجميلة الراحلة شويكار وتعلقه بفنها، ريثما يصل هناك يجد رجلا مفتولاً يمسك ريشة ويرسم صورة لعينين غائرتين ووجه يشبه الظلام وينادي عليه (منير – معرض رقم4)وكأنه مجرم متسلسل ينتظر ضحيته الجديدة.
(عين سمكة) ليست مجرد نتوء سيزيله الدكتور سمير بل تحمل رهبة النهاية المداهمة والخطر الوشيك الأشبه بنهاية فيلم Men In Black رجال يتشحون ببزة سوداء لبطله الهليودي ويل سميث، كبرهان دامغ بسوء العقبى.
(لا تحزن يا ولدي) بثيمة الوجع و(قلبة أخضر) اختتم بأن النعناع بالأسواق بات بلا رائحة وافتقاد حكايا الجدات، نوستالجيا وحنين إلى كل مرتع الماضي التليد، (أمواج البحر) في لُجتها، وما حدث للمُرسي ودسوقي (في نهاية المضمار) ودلالة غراب ينبش في الثرى
تضيف إلى تلك البنية السردية القائمة على تحرير الذات.
(خميس وجمعة) يحملان تجليات الأسواق في سالف الأوان بعد انتهاء صلاة الجمعة، ثم يتحفنا القاص بإطلالة موسيقية تضفي ايقاعاً يثلج الصدر ويهدئ من غلظة النغمات في (أنا في انتظارك) هنالك برصيف الانتظار بين المحبين حيث تشدو أم كلثوم، و(يا وردة الحُب الحافي) لما يتماهى الحدث مع أهزوجة موسيقار الأجيال عبدالوهاب (يا وردة الحب الصافي)، ويختم القطار السردي في محطته الأخيرة لما يحطّ الرحال في (دكان الزمن) حيث لافتة (حامد صابر) الذي يدرك بأننا من نمنح للزمن قيمة بأن الهجران يوقف الزمن واسألوا الساعات التي يقتنيها في محله!!
ما أجمل البدايات والنهايات بتلك التحفة الماتعة، نهنئ أنفسنا والقاص المبدع في لغته ومشهديته وأسلوبه الرشيق الرقراق وإيقاعه المنساب في ترسيم عوالم شخوصه، ناهيك عن الجمال الأدبي المتمحور في تلك التجارب الإنسانية الواقعية، وذاك المزيج بين الكلاسكيات والمعاصرة في نسيج إبداعه المحكم الرصين، الأروع ترابط وتيرة الأحداث ومنمنمات الصراع كالركض في مضامير الوجود باحثا عن نقاط الضوء، لمزيد من العطاء والإبهار والريادة في فرادة ذاك المنحنى السردي.
|