|
القاهرة 28 يوليو 2026 الساعة 09:29 ص

كتب: د. جمال الفيشاوي
قدم إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي- فرع ثقافة الغربية على قصر ثقافة طنطا العرض المسرحي "صك الغفران" وهو أحد عروض التجارب النوعية، تأليف محمد علي إبراهيم، أشعار دكتور صفاء البيلي، ومن إخراج أشرف فجل، والعرض مستلهم من رواية (نوتردام دي باري) ( Notre-Dame de Paris. 1482)، وهو الاسم الحقيقي لرواية فكتور هوجو، والتي كتبها عام 1831م، وتدور أحداثها في كاتدرائية نوتردام بباريس في القرن الخامس عشر، ويبدو أن مَنْ ترجم الرواية إلى الإنجليزية غير عنوانها إلى (أحدب نوتردام)، وترجمت بهذا العنوان إلى لغات مختلفة من بينها لغتنا العربية.
وهي رواية رومانسية تاريخية، وتتمحور حول الصراع بين الجمال والقبح، الخير والشر، وكانت مأساة الأحدب هي حبه ل إزميرالدا، وكان حبًّا من طرف واحد، والتعلق بوهمٍ قاتل، وأصبح سجين مشاعره، يتعذب بصمته، ويذوب في حضرة من لا يشعر بوجوده، وفي الرواية تظهر شخصية كلود فرولر الرجل المتدين رئيس الشمامسة، وكان رجلاً عطوفاً تبنى كوزيمود، وعندما تقدم في العمر تزعزع إيمانه، وتحول الإيمان إلى جنون عندما وقع في حب إزميرالدا، وأعتقد أنها سحرته، وظن أن مصيره إما إغواءها وإما قتلها، ويشعر بمرارة شديدة عند اشمئزازها منه، وحبها الضابط والنبيل الوسيم فيبوس، فيُحَملْ فرولر إزميرالدا مسؤولية تدمير حياته لرفضها أن تكون عشيقته، ويقوم بطعن فيبوس، ويتهم إزميرالدا بقتلة، ويأمر بمحاكمتها وإعدامها شنقاً.
عندما نتطرق إلى عنوان العرض نرى أنه يحمل مفارقة لافتة، فكلمة صك تعني مستنداً قانونياً، أو وثيقة رسمية؛ تتثبت حقاً أو اتفاقاً، أو التزاماً، والغفران هو قرار إرادي بالتخلي عن الاستياء أو السخط أو الغضب أو الانتقام تجاه شخص أساء إليك، والتنازل عن المطالبة بالتعويض أو العقاب، فالغفران يعني الرحمة والتسامح، وصك الغفران كان وثيقة تاريخية تصدرها الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى، تَعِدُ صاحبها بإسقاط العقوبة الدنيوية أو تطهير خطاياه، مقابل تقديم أعمال صالحة أو دفع مبالغ مالية.
مما سبق يتضح أن النص يطرح تساؤلات عدة، منها: من يملك حق الغفران؟ وهل يمكن أن تتحول الرحمة إلى وثيقة تمنحها مؤسسة ما لأفراد وتمنعها عن آخرين؟
يناقش العرض وجود يد عليا خفية هي المسيطرة على بواطن الأمور، وكيف يمكن للأحكام المجتمعية القاسية أن تزيف الحقيقة وتدمر الأبرياء وتغتال أحلامهم، كما يسلط العرض الضوء على أن القبح الحقيقي يكمن في النفوس المريضة لا في المظهر الخارجي .
تدور الأحداث على شقين الزيف والحقيقة، وتعرض بطريقة الفلاش، والزيف هو تبادل الحب بين إزميرالدا (آلاء راغب) والقائد فرولو(أحمد سمير)، والمدعي (حسن عطية) الذي يبحث عن العدل، ويستشهد بالقائد فرولر، والوصيفة (نسرين نصر) الذي تتهم كوزيمود (عبد الله الغمري) بأنه من قتل إزميرالدا في مشهد المحاكمة، والحقيقة عكس ذلك تماماً، وأن فرولر هو القاتل، ولجأ للمدعي لينقذه، والمدعي لا يبحث عن العدل، بل قام بتزييف الحقيقة، والمشهد الوحيد في العرض الذي ليس له انعكاس بين الزيف والحقيقة، والمعبر عن الحقيقة هو مشهد تلفيق جريمة قتل الوصيفة للراهب، الذي لا يستطيع الوقوف أمام السلطة المتمثلة في القائد والمدعي.
النص قائم على أبعاد إنسانية وسياسية واجتماعية، وقام المؤلف بالحذف والإضافة على الرواية الأصلية، وقام بتغيير أبعاد بعض الشخصيات ومنها شخصية فرولر الذي أصبح شخصية أخرى تدعى القائد، وأضاف شخصية تدعي الراهب (د. محمد علاء الخطيب)، وشخصية المدعي (ممثل الادعاء).
تتكون بنية الشخصية البشرية عند فرويد من ثلاثة عناصر أساسية أو ما يسمى بمثلث فرويد الذي يتألف من ثلاث قوى نفسية متصارعة تشكل هيكل الشخصية الإنسانية، وهي الهو (Id)، والأنا (Ego)، والأنا العليا (Superego)، والهو هو المستودع الفطري للغرائز والدوافع الموروثة، والأنا العليا هي القيود الأخلاقية، والأنا يتوسط الوعي بينهما، وعندما نطبق مثلث فرويد على بعض من شخصيات العرض نجد أن المؤلف أظهر جانبًا واحدًا من خلال بنية الشخصية النفسية عند فرويد لثلاث شخصيات في العرض، وهي القائد، المدعي (ممثل الادعاء)، الراهب، ومن خلال نص العرض نجد القائد يمثل الجزء الشهواني أو الهو حيث يريد الإشباع الفوري لغرائزه، ويسعى لممارسة الجنس مع إزميرالدا، ويعتدي عليها، وعند رفضها يقوم بقتلها؛ دون أي اعتبار للواقع أو العواقب، ويمثل الراهب الأنا العليا فهو الرجل الطاهر المتمسك بالقيود الأخلاقية، أما الأنا الذي يتوسط الوعي بين الهو والأنا العليا ويحاول الموازنة بين رغبات الهو (القائد)، والقيود الأخلاقية الصارمة عند الأنا العليا (الراهب)، ويعمل وفقا لمبدأ الواقع، لكن الواقع من خلال العرض يتمثل في الجزء السياسي وحب المدعي للتملك والسيطرة على الآخر، فيدافع عن جريمة القائد، ويقمع الراهب.
تقدم الأشعار التي صاغتها الكاتبة والشاعرة صفاء البيلي في العرض رؤية تتجاوز الحكاية التقليدية لتصبح نقداً اجتماعياً لاذعاً، في محاولة درامية لاستنطاق الموروث الأدبي العالمي وإسقاطه على صراعاتنا المعاصرة، حيث تبدأ الأحداث بجو مشحون بالخوف والترقب، يعكسه هتاف أهل المدينة: "تحت هذي القبة الشماء ضج الخائفون / أيْنَ عهد الأمن فينا؟ أَيْنَ جُنْدٌ مُخْلِصُونَ؟".
إن هذا الاستهلال لم يكن سردا لحدث، بقدر ما أراه تأسيسا لحالة من الرعب الجماعي من "الأحدب"، ذلك الكائن الذي وُصم بالمسخ، مما يدفع المجتمع للمطالبة بالتخلص منه سريعا باسم الأمان. وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية التي يطرحها العرض، حيث يتنكر المجتمع في رداء الفضيلة، زاعمين أنهم "حراس الفضيلة" و"أهل الإنسانية" ، بينما يظهر الواقع في "الفلاش باك" تناقضهم، ففي الوقت الذي يدعون فيه الرحمة تجاه الطفل الذي وجدوه في ساحة السوق، يظل فعلهم محكوماً بظروف التقبل الاجتماعي لا بالرحمة المطلقة. وتتصاعد الدراما مع ظهور إزميرالدا، الشخصية التي تمثل صراعاً بين الصورة التي يفرضها الجمهور والذات المقهورة؛ فبينما يهتف الجميع "يا ملكة الهوى.. والحب والجمال" ، نجدها في لحظة بوح بالعامية المصرية تكسر قشرة الفصحى لتكشف وجعها الداخلي قائلة: "عصفورة وبين شباكهم .. بارقص من الألم". وهذا الانتقال اللغوي من قبيل الشاعرة ليس مجرد وسيلة فنية، إنما هو اختيار ذكي يهدف لخلق حميمية وجدانية مع المشاهد، مما يبرز التناقض بين الانتشاء الظاهري والقهر الخفي؛ إذ تعبر الأغنية عن القمع الذي لا يراه الجمهور المحتشد حولها. وفي هذا السياق، يبدو أن العمل ينجح في استخدام العامية كأداة لتعرية "العالم الداخلي" للشخصيات، كما يتضح في تساؤل "الأحدب" العاجز عن إدراك مفهوم الحياة: "حياة؟ / طب يطلع ايه معنى الحياة"، وهي جملة تلخص اغترابه الوجودي؛ فهو لم يعشها فعلياً ليعرف معناها.
أما على الجانب الآخر من الصراع، فتُبرز المسرحية شخصية "فرولو" والمدعي، حيث يتجلى هوس السلطة في أبشع صوره، فالأول يسعى لامتلاك الجميع قائلاً: "أنا اللي باملك روحك انتي.. حكم حبسك.. أو نجاتك" ، والثاني يمارس دور المحرك الخفي للدمى، كساحر سيرك يتلاعب بالعقول والحقائق: "أنا اللي بهمس.. في النفوس كأنما يهمس ثم ينفخ هوووووف / فتنفجر إعصار .. دمار".
وهذه الأغنية تحديداً تقدم نقداً سياسياً واجتماعياً مباشراً، إذ تكشف كيف يتم التلاعب بالحق والباطل عبر أيدٍ خفية لا يراها الناس، مما يضع الجمهور أمام مرآة الواقع الذي نعيشه.
وتأتي أغنية الختام لتؤكد فيها الشاعرة أن المأساة ليست حبيسة العصور الوسطى، بل هي ممتدة في زمننا الحالي؛ حيث ينتقل العرض إلى فضاء الحداثة عبر أصوات الانفجارات والطائرات التي تقتحم اللحن:
"عصر القنابل لا يبالي.. هل عشقت / أم كنت مثلي.. في مهب الريح ضعت؟". ومع أن فكرة دمج "أصوات الحروب" في المسرح المعاصر قد تُعد خياراً مألوفاً، إلا أنها هنا تخدم هدفاً مركزياً وهو الإشارة إلى أن الحقيقة ما زالت تُصنع وتُخفى خلف ستائر النفاق، وأن الحب يموت تحت وطأة "الأرض الحبلى بالشظايا".
إن العرض، في مجمله، يُعد دعوة للتأمل في هوية الوحش الحقيقي؛ هل هو الأحدب المنبوذ، أم هو النظام الذي يدعي الفضيلة بينما يمارس القمع والتلاعب بدم بارد، وقد أسهمت الأشعار بجرأة في التأكيد على هذه المعاني بشدة.
نجح المخرج في استغلال قاعة العرض رغم ضعف الإمكانيات، واعتمد على تقنية الفلاش باك السينمائي، وصمم قاعة العرض على شكل مسرح الممر (Traverse Stage) حيث جلس المتلقي على جانبين متقابلين في مواجهة لبعضها على عدد من الدكاك التي تشبه الموجودة داخل الكنائس، وكان التمثيل في المساحة المفتوحة بينهما، كذلك استخدام الممرات والمداخل كأماكن تمثيل، ووضع الديكور في العمق وفي مدخل القاعة.
ركز المخرج على الجانب السياسي والاجتماعي في النص أكثر من الجانب الإنساني، لكن الجانب الإنساني ظهر في بناء الشخصيات مثل شخصية إزميرالدا التي تحارب قبح وفساد المجتمع بطهرها، فقد اكتشفت أن الجمال في القبح عند الأحدب كوزيمود، ونظرة العطف والإنسانية عند الراهب ومحاولته تأهيل ودمج كوزيمود في المجتمع ولا يظل حبيس الكنيسة، فمن حقه أن يعيش حياته الطبيعية فهو مخلوق كباقي البشر.
جسد ديكور (أحمد البحاري) أربعة مناظر فعندما يدخل المتلقي من باب القاعة يجلس على مقعده يشاهد ديكور يمثل كنيسة، وهو منفذ الروحانيات لأهل نوتردام، وهو عبارة عن ثلاثة بانوهات مرسومة، في الوسط رسم المذبح، وعلى اليمين واليسار رسم شبابيك الكنيسة ليكتمل المنظر، ومن الجهة الأخرى عند دوران المنظر رسم منزل إزميرالدا، وهو عبارة عن حيطان خشبة وفي الوسط رسم دفاية، وهي علاقة طردية وأن المتغيرين يتحركان في الاتجاه نفسه فيؤكد على أن طهر إزميرالدا (التي اتهمها البعض أنها داعرة) من طهر الكنيسة.
أما المنظر الثالث فيمثل الكاتدرائية وهو في عمق القاعة (في مقابل لمنظر الكنيسة وبيت إزميرالدا) مرتفع بحوالي 50سم يصعد إليه بدرجتي سلم، توسطه كرسي العرش يجلس علية الكاردينال (إسلام أبوطالب) وخلفة حائط يمثل سور الكاتدرائية من الداخل مرسوم عليه بعض الرموز التي لها علاقة بالسيرك، والتي نكتشف من خلال العرض أن هناك يد خفيفة تعبث بالدين في الخفاء لمصالحها الشخصية وتحويل البريء لظالم والعكس الظالم لبرئ، وهو ما ظهر في لعبة القائد والمدعي، وعلى يمين ويسار الكرسي يوجد تمثالان، حيث أن كاتدرائية نوتردام تزخر من الداخل بالعديد من المنحوتات والأعمال الفنية التي أُضيفت على مر القرون. أما المنظر الرابع فهو الممرات بين المتلقي وهو الذي يمثل المدينة التي شاهد فيها المتلقي عديدًا من الأحداث، منها: الاحتفالات، وجود الأحدب طفلاً مرميا في أحد شوارعها، قتل الوصيفة، وجود الخنجر بيد الراهب بخدعة من المدعي بعد قطع التيار الكهربي، ... وهكذا.
وُضع شريط أحمر على الكاتدرائية وكذلك خلف مقاعد المتلقي ورسم على الحائط بعض الصلبان وكأن الجميع يجلس في سيرك.
كانت ملابس الراهب، وإزميرالدا، والوصيفة تتشابه مع الفترة الزمنية للعرض، ويرتدي كوزيمودو ملابس مصنوعة من الخيش نظراً للفقر المدقع، أما ملابس الشخصيات الأخرى توكد على أنها ملابس تشبه ملابس السيرك، فنرى ملابس الحرس وطاقية الرأس بها بعض الخطوط الحمراء، وعلى صدر المدعي يشكل الطوق الأبيض ملامح من بلياتشو السيرك، وبعض الخطوط الطولية (الأحمر، الأصفر، البرتقالي) في قميص القائد وكم البالطو، وأسفل قميص الكردينال.
تم استخدام أربعة كشافات لإضاءة العمق ومثلهم لإضاءة مدخل القاعة كما تم استخدامهم لإضاءة الممرات، وكان التشغيل يدويا بمفاتيح الإنارة، وعمل بؤر ضوئية للتركيز على حدث معين، أو للشعور بنقلات زمنية، حيث اعتمد العرض على الفلاش باك السينمائي، ووضعت جلاتين حمراء على أحد الكشافات المسلطة على الكاتدرائية في مشهد جريمة قتل الوصيفة، ولاحظنا وجود ضوء خافت ينعكس على الكاتدرائية أثناء فترات الإظلام لتمثل للمتلقي السلطة الغافلة التي لا ترى ما يحدث بوضوح فالمدعي يحجب عنها الرؤية ويضع أمامها ستارًا من الظلام.
أدت الألحان (محمد حسين) والموسيقي التصويرية (حسن عطية) دوراً وظيفياً استخدم فيها الآلات الغربية، ومنها الآلات الوترية لتعبّر بصفة أساسية عن المشاعر الإنسانية العميقة، ونقل حالات الحزن، أو الفرح، بشكل عام، كما استخدمت الآلات الإيقاعية، وآلات النفخ النحاسية، وتصفيق وهمهمات الممثلين، ونذكر في بداية العرض استخدام الآلات الوترية والإيقاعية في المشهد الافتتاحي لإظهار التصادم أثناء مطاردة أهل المدينة للأحدب، وعندما كان المدعي يصف مشهد القتل بأن الأحدب هو من قتل إزميرالدا وهو مشهد غير حقيقي نسمع في خلفية المشهد صوت آلات الإيقاع والهمهمات والتصفيق.
قدم (عبد الله الغمري) أربعة استعراضات وهي: استعراض صراع بين الأحدب وأهل المدينة ليلة القبض علية وفيه محاولة التأكيد على طهر أهل المدينة وأن المجرم هو الأحدب، ولا بدّ من محاكمته، واستعراض آخر مزيف، فأهل المدينة يصفون أنفسهم بالطهر ويتظاهرون بالرحمة، فيشاهد المتلقي أهل المدينة وهم يحملون الأحدب طفلاً ويحافظون عليه ويعطونه للراهب ليتولى أمره، على الرغم من أنهم يبطنون عكس ما يظهرون، وأكد زيفهم ظهور مخمور (خالد النبوي) كان على وشك أن يشوط الطفل بقدمه، والاستعراض الثالث هو استعراض السيرك، فنرى إزميرالدا في ساحة الرقص وسط المدينة، والقائد فرولر يحكي قصة زائفة أنها تحبه وهو دائم التردد عليها، ونشاهد تحكم المدعى في أهل المدينة واللعب بهم كعرائس الماريونت، أما الاستعراض الرابع فهو تداخل الأزمنة فنرى الراقصين يخرجون بملابسهم العصرية من باب دخول المتلقي.
كل الشكر والتحية لكل من شارك في خروج هذا العرض للنور وسبق ذكر بعضم، ومنهم أيضاً:
حارس 1 (محمد مكي)، حارس 2 (محمد عشوش)، رجل 1 (حسن مدحت)، رجل 2 (جمال عمار)، رجل 3 (محمد ناصر)، امرأه 1 (ياسمين محمد)، امرأة 2 (ملك عمرو)، امرأة 3 (مريم عمرو)، تصحيح لغوي (د. مدحت عيسى)، مكياج (نسرين نصر).



|