|
القاهرة 28 يوليو 2026 الساعة 09:25 ص

بقلم: حسين عبد الرحيم
عن دار "بيت الياسمين" للنشر والتوزيع صدرت رواية "ملائكة الإسكندرية" للكاتبة الروائية "زينب ظاظا"، الرواية رحلة ملغزة لمحاولة الكشف عن سر مقتل عالم آثار فرنسي يدعي "بيير دولييني"، ويقوم بها الضابط المصري إبراهيم متنقلا ما بين الإسكندرية في الثلاثينيات ومنطقة جبل الطير في "المنيا" صعيد مصر، مع استحضار شيق في خطف وقنص سردي يظهر ماهية العيش والتفكير ووضعية الجاليات المتعددة مابين اليونانية والإيطالية وجاليات أخرى.
تتوغل الرواية رويدا رويدا وبنفرات الإيقاع السردي الرشيق في الكيفية التي يفكر بها الغرباء في كل مكان وزمان، وحتى فيما يخص التنقل في الحوار ليتوائم مع كل طبقة وشخص على حده، ما بين مفاهيم الأقليات وأبناء الوطن وكيف أن كل من كان يحيا في مدينة الإسكندرية من الغرباء والجاليات الأجنبية والإرساليات كانوا يتعاطون مع الأحداث حتى المريبة منها بمنطق الغريب وصاحب المكان أيضاً، بما كانت تتيحه سلوكيات المواطنين وأنظمة الحكم من السلطة والمسؤولين بضرورة التحلي بروح إنسانية وراقية عالية تتسم واتسمت بها عروس البحر المتوسط عبر العصور كونها مدينة الكوزموبوليتان الأولى على ضفاف المتوسط.
فنجد التقدير للبواب ورجل المرور والبائع وكذلك التواصل الإنساني بلا أدنى تكلف بين الجار وجاره، مصريًّا سكندريًّا كان أم أجنبيًّا غريبا يتمتع بالحقوق والواجبات نفسها التي يتمتع بها صاحب أو ابن البلد.
في "ملائكة الأسكندرية" هناك أشكال عدة من مسارات السرد فتجد تيمة الرسائل ودلالات المكان ومضاهاته بسلوكيات أبنائه وقت الخير والشر أو الفواجع والمواجع وحتى الاحتفاء بالحياة في سهرات ليلية تجمع كل صنوف البشر بكل طبقاتها المخملية والوسطى والأقل وجاهة وبساطة.
تجد شخصيات مثل "بيشو" "الصغير" "وتيزا" "وتحوت" "وإفين" والشيخ حسن، شخوص تنصهر بها الرواية وينصهروا فيها، في إيقاع لاهث يجمع مستويات عدة من لغة عميقة موحية تمتلئ بالكنايات والرموز فتتعدد تأويل الحكايا والشخوص على أكثر من مستوى، حتى فيما يخص استقبال القاريء من درجة وعي وثقافة ما إلى درجات أخرى ترميه فيها وإليها بساطة الحوار ورشاقته.
جزالة السرد تتأرجح ما بين الكلاسيكية المتعددة الطبقات في مدلولها الحسي وصبغته الإنسانية ورشاقة البناء الحداثي، وهذا رغم ماضوية زمن عيش الأحداث/ التاريخ وقت كتابة أحداث الرواية والتي تزدحم بالشخصيات والأمكنة، من "العطارين" بمقاهيها وصخب شوارعها "للحضرة" ل "كامب شيزار"، فالتنقل لصعيد مصر في سبيل البحث عن سر مقتل عالم الآثار الفرنسي بيير دوليني وما يصبغ ذلك من أجواء ولغات شتي لجاليات متعددة من الروس واليهود واليونان والطلاينة وسط أقباط مصر، كل ذلك يدور في زمن حقيقي، رغم قوام وتدرجات السرد الذي يطرح مفردات للغة تحيلنا لتيمات غرائبية وعجائبية رشيقة وجزلة، تؤكد متانة البنية الروائية وتعدد رموزها فيما يخص أدق تفاصيل مكان يحكم سلوك الشرطة المصرية وبكافة درجات ضباطها.
وصف الضباط وكل من جاء بهم الحدث قبل السرد تجلت بنيته في لهاث الضابط إبراهيم بحثا عن قاتل عالم الآثار الفرنسي، تتعدد لغة السرد في رواية "ملائكة الإسكندرية" التي تصل بالقارئ لحد التوحد والتماهي والحزن على ما كانت فيه مدينة الإسكندرية في ثلاثينيات القرن الماضي ورؤيتها وشكلها الآني.
من أجواء الرواية:
(رأيت رجلاً.. كنت خارجة من عمارة الفتاة وكان واقفاً كأنه في انتظار شيء ما وتقدم نحوي ولكنني وقفت قليلا لأتكلم مع البواب ثم ركبت تاكسي ..)
بنية التأرجح مابين تيمات خصيبة في مسارات العامية والفصحى في ينى جمالية امتزج فيها الشجن بالأسى بلوع الخسران والفقد على ما كانت فيه المدينة وما كان فيها وبها من بشر وحكايا وليال بهجة وصخب خصيبة تتعالى بفتون، وتنوع السرد وجماليات اللغة المتنقلة ما بين بساطة العامية وجزالة الفصحي التي تؤكد حدة وجدة الكاتبة أو الساردة في حتمية وضرورة قصوى ارتئتها لتعميق ماهيات لغات الخطاب والتعامل والتحاور ما بين طبقات عدة من سكان الإسكندرية من مصريين بسطاء وجاليات تعاظمت وتجلت بوجودها، حتى ساهمت في إضافة ثمة صبغات وجوهر كوزموبوليتاني جعل خصوصية لمحبيها ومرتاديها وخاصة الأجانب والذي تلقي الرواية كيف عشق عالم الآثار الفرنسي مدينة الإسكندرية بكل من فيها وتحديدا ساكنيها اللذين كانوا أهلا للتسامح، وحتى وهذا من قبل وبعد من كتبوا عنها حيث روح التواصل والمحبة والحذر في ألا يغضب المضيف الضيف مع عشق للحياة مع الوعي في آن واحد.
" الكاتبة- المؤلفة " زينب ظاظا مصرية من أصل كردي وتقيم بفرنسا، ودرست اللغات الشرقية والفنون التشكيلية، وعملت بالتدريس والترجمة من العربية والفارسية إلى الفرنسية وكانت روايتها الأولى هي "يتامى الإسكندرية" تليها "ملائكة الاسكندرية" ويمكن قراءة كل رواية منهما على حدة لأنها تدور حول الشخصيات نفسها وفي الحقبة الزمنية نفسها وهي ثلاثينيات القرن الماضي في الإسكندرية.
الرواية تقع في 386 صفحة من القطع المتوسط وصدرت عن دار "بيت الياسمين للنشر والتوزيع".
|