|
القاهرة 28 يوليو 2026 الساعة 09:23 ص

بقلم: محمد عطية محمود
4- المرأة في قصص مصطفى نصر
تتعدد وجوه المرأة في الكتابات الإبداعية، مع تعدد صيغ وجودها على خريطة الحياة الاجتماعية، التي تتعانق فيها التجارب الحياتية الدالة على مدى الانغماس في اليومي والمعتاد، والمفارق للمعتاد، من خلال ما تطرحه القريحة الإبداعية المنشغلة بتلك النماذج الخارجة من عتمة هذا الوجود، وبما تفرضه الدلالات الموحية بعمق الأزمة التي تنبثق من كل تلك المعادلات، والتي قد تبرز من خلال كتابة سردية ذكورية عن المرأة، ربما كانت الأقرب والأجدر والأكثر حيادية للتعبير عن قضاياها وإشكاليات وجودها على سطح الحياة المتماوج، من خلال ما تعرضه من حالات/ صور تتمثل وتقع في دوائر فيما بين الشعور بالقهر والانغماس في قيود مجتمعيّة/ تاريخيّة، أو نفسيّة قد تؤرق هذا الكيان المكمِّل والضروري بلا شك لفعاليات الحياة؛ فبطبيعة التغيُّر والتحول لم تعد المرأة تلك القطعة الملتهبة من الجنس والشبق والمجون فقط، والتي ربما ظهرت من خلال النماذج المتعددة للكتابة عنها عبر حقب الكتابة الأدبية عمومًا، وانتقال تلك الإشكاليات للمعالجة والتأريخ من خلال مجتمعاتنا التي تأثرت بلا شك بحركة المد والجزر للحركات النسائية والتغيرات المجتمعية، مع اختلاف ما تواجهه المرأة هنا من قضايا القهر والتسلط والتمييز، وغيره من إشكاليات وجودها المُلِحْ على خارطة المجتمع بفعاليات جديدة وأدوار جديدة، وأنماط للتعامل قد تضع المرأة أحيانا في مساواة حقيقية مع العنصر الذكوري المقابل لها في المجتمع، لكن ربما شاب هذه المساواة افتقاد عنصر ثقافة التعامل مع تلك الخبرات المكتسبة المتجددة، والتي أدت إليها بالتأكيد تغيرات مجتمعية واقتصادية أشد وطأة، وأكثر تأثيرا، ولكن المرأة هي المرأة...
من خلال المجموعة القصصية "وجوه"* للقاص والروائي المصري مصطفى نصر، فإن نماذج المرأة الأم والأخت والحبيبة والأرمل والمطلقة، تبرز على هذه السطوح لتعالج/ تعرض/ تبحث، ما تفرزه القيمة المتغيرة للتعامل معها على عدة مستويات؛ تتفاوت وتبتعد وتتلاقى على أعتاب البعد الإنساني الشفيف، من خلال المكتسبات والمتغيرات التي تنغمس بها تلك النماذج وتتورط بها مع فعاليات هذا الواقع الإبداعي الذي يكاد يتماثل مع الواقع الإنساني.
في نموذج "قصة السؤال": يتجلى نمط من أنماط تعامل المرأة مع أحوال الحياة وصروفها، من خلال ما تطرحه أزمتها الذاتية من حيث كونها عاقرا، تقترن بزوج عاقر، وبما تحمله هذه العلاقة من عبء الحالة النفسية الصعبة، والتي يبدو من خلالها مدى صعوبة استمرار الحياة بلا امتداد، وهي الحالة المعضلة التي ربما عانى منها الكثيرون، وتعايشوا معها على نحو ما أو آخر..
مفارقة الحالة هنا تقع، من خلال حالة النزاع/ الشقاق، بعد كمون واستسلام، على خلفية سلوك مغاير للمرأة تفرضه حالة تشتتها ووقوعها تحت تأثير وازع ديني متشدد، يلزمها بارتداء (نقاب)، وهو الذي يمثل بالنسبة لها كحاجز/ عازل عن مجتمعها المحيط بها، كما يفرض عليها تحريم علاقة إنسانية ارتضتها وزوجها، على حافة يأسهما وقنوطهما من فرص إنجاب طفل، بلجوئهما إلى تبني طفل يتيم، ورفضها لهذا النمط من التعامل الذي كان من قبل مستساغاً لها إلى حد بعيد:
"أسرعت أنصاف بشد النقاب فوق وجهها ولاذت بالصمت" ص11
وهو رد الفعل الذي يأتي في أعقاب حوارٍ دالٍ كاشفٍ عن تفاصيل هذه الأزمة الجديدة التي طرأت على حالة هذا الوجود الإنساني في بيت مغلق على أصحابه، وهنا يأتي النقاب متواكبا وممثلا لمرحلة من مراحل التحول المجتمعي باللجوء إلى التشدد العقيدي، كما يبدو كوسيلة للهرب من هذه الحالة وجذور الفقد المطبقة على نفسيتها.
ويتحرك السرد من خلال هذه المساحات/ الفراغات التي أثارتها حالة الحوار والسؤال الملح الذي يتكرر من خلال الزوج الذي يحاول إعادة زوجته إلى سياق العلاقة الطبيعية معه ومع الطفل، ليستعرض النص زمنيا "قصة الولد" التي ربما تتعادل مع "قصة السؤال" التي يطرحها؛ ليميط اللثام عن المحرك العقيدي الجديد الذي يؤثر في مسار العلاقة:
"كثيرا ما ذهب يسري معها إلى المساجد: السيدة والحسين في القاهرة والسيد البدوي في طنطا، والدسوقي في دسوق.. في كل مرة كانت أنصاف تبتهل إلى الله في خشوع طالبة أن يحمي زوجها، وأن ينجحه في المدرسة، لكن هذه المرة بهرت بالواعظ وشاركت أتباعه الكثيرين إعجابهم به....
في أحد هذه الدروس تحدث الواعظ عن التبني في الإسلام.. أحست إنصاف وقتها أن جسدها كله يهتز، وعرق بارد يتساقط داخلها، فتامر ليس بابنها" ص15/16
ليتوازى نمو الطفل بينهما مع نمو/ توغل الشعور والإحساس داخلها بعدم شرعية هذا التبني.
"فتنقبت أنصاف وأخفت وجهها... " ص17
لتحسم تيمة الصراع بين الفطري والواجب الشرعي بداخلها، وبين حياتها مع زوجها والطفل، لصالح النزعة المتشددة الجديدة التي تمكنت منها، لتكون النهاية التي سبقتها عملية استحالة العيش في ظل هذه الظروف التي لا تناسبها في حالتها الجديدة:
"أسرع يسري إلى أنصاف التي صاحت فيه متحدية:
-
لقد مللت من هذا. إما أنا أو تامر في هذا البيت..
قال في أسى: سأترك لك الشقة، وسأذهب بابني إلى شقة أخرى" ص21
ربما تماست فكرة النص مع نموذج قصة "وجوه"، التي تحمل العنوان الرئيس للمجموعة، وهو عنوان حمَّال، من حيث كونه معبرا عن العديد من الوجوه المادية والمعنوية، والتي تعبر من خلال شقيها عن العديد من السمات الشخصية والحالات الاجتماعية من خلال ظلال سلوكيات أصحابها الخارجية، فضلا عن ملامحهم الداخلية المحملة بالندوب والحفر..
ومن خلال الاعتماد على صيغ التحول المجتمعي، الذي يجسد حالة الانعزال التي عانى منها نموذج شخصية أنصاف في نص "قصة السؤال" للبقاء في الدوران في فلك الحياة، وإن كان بوجود هامشي؛ ففي نص "وجوه" يبرز نموذج المرأة التي يرصد تحولها من النقيض إلى النقيض في سياق جديد من صور تقلب الأوضاع المجتمعية الناتجة عن وقوعه تحت تأثير تيارات التشدد في ظاهر الأمر، لكن مما لاشك فيه أن العامل النفسي الداخلي مع الظروف البيئية المحيطة يلعبان أيضا دورا مهما في تأطير وتجسيد حالة الانطواء والانعزال.
"ولم تكن نادية انطوائية، أو خجولة أمام الرجال، بل كانت متحدثة لبقة، في صوتها نعومة، تشترك في جميع الحفلات والرحلات تقريبا. وفي أخر مسرحية عرضتها الشركة كانت هي رئيسة فريق الرقص" ص57
فتعكس البدايات التقريرية للحالة، عن طريق الاسترجاع، حالة الانفتاح على المجتمع المحيط والإقبال على مباهج الحياة ومتعها؛ ليعتمد النص صيغة التلخيص التي تأخذ خطاً سردياً طولياً يعمل على سبر غور تاريخ الشخصية التي تقع في أسر ظروفها الاجتماعية المحبطة، ومن خلال محطات حياتية مألوفة ولكنها غير متسقة: (ارتباط متأخرـ خطبة فاشلة ـ زواج ـ طلاق) ثم عودة لمحاولة اللحاق بركب الحياة من خلال زوج جديد متشدد تدفعها ظروفها لتقبله، وكما يقول السارد العليم، المشارك في صنع الحدث القصصي:
"بدأت أسمع عنها أشياء غريبة، تمتنع عن مصافحة الرجال، حتى عندما دخل رئيس الشركة مهنئا بالعيد امتنعت عن مصافحته رغم أنه مد يده لها، ورغم عمره الذي يقارب الستين" ص66
هنا يرصد النص تلك الصراعات النفسية مقترنة بالصراعات الخارجية والتي تقودها سمات التغير المجتمعي بامتياز؛ لتطفو فئات متشددة تؤثر بفكرها وسلوكها، لتسيطر على مجريات الأمور بطريقة مثيرة للدهشة والعجب، لم تكن موجودة على ساحة المجتمع، تؤثر بالتبعية لتصير هذه التصرفات الشخصية التي لا تجعلها تتواءم مع واقعها المحيط/ القديم، أسباباً لانعزالها وإقصائها لذاتها عن هذا المحيط؛ لتتوالى خطوات الابتعاد، حتى يصير الإقصاء والانعزال هما النهاية الحتمية لعلاقتها بما حولها:
"وبالطبع انتهى بها الأمر بأن استقالت من الشركة" ص69.
* وجوه ـ مجموعة قصصية ـ مصطفي نصر ـ كتاب الاتحاد ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 2003
|