|
القاهرة 28 يوليو 2026 الساعة 09:21 ص

بقلم: ريم عباس - السودان
يُعَدّ الروائي السوداني أمير تاج السر أحد أبرز الأصوات السردية في العالم العربي خلال العقود الأخيرة، إذ استطاع أن يمزج في تجربته بين خلفيته المهنية كطبيب، ومعايشته اليومية لتعقيدات الواقع السوداني اجتماعيًّا وسياسيًّا، وبين حس سردي رفيع أفضى إلى أعمال روائية تُرجمت إلى لغات عدة وحظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع. ومن بين هذه الأعمال، تبرز رواية "العطر الفرنسي" التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الأدب المترجم لعام (2016م) مؤكدة حضورها في المشهد الأدبي العالمي، ومفتحة النص على آفاق قراءة تتجاوز محليته، حيث يطل القارئ على فضاء الهامش، وتتجسد أحلام البسطاء وهواجسهم في مواجهة التهميش والفقر، ويتحوّل حلم الهجرة إلى مركز ثقل تخييلي ونفسي.
-
حي غائب: المكان بوصفه هوية
تجري أحداث الرواية في حي شعبي اختار له الكاتب اسما دالا هو حي غائب، وهو اختيار دقيق جدا فالغياب هنا يتجاوز التسمية ليغدو هوية كاملة: غياب الدولة، غياب التنمية، غياب التعليم، وغياب الأمل، غياب الحياة.
يمكن النظر إلى هذا الحي بوصفه رمزا لأحياء كثيرة في السودان وإفريقيا عموما، حيث يعيش الناس على هامش خطابات التحديث والتحضر، ويجدون أنفسهم مشدودين إلى حلم واحد يكاد يحتكر مخيلتهم الهجرة إلى الغرب.
في هذا السياق، يتحول خبر قبول أحد أبناء الحي للهجرة إلى مناسبة احتفال جماعي، وكأن خلاص الجماعة بأكملها قد تحقق، يختزل هذا المشهد العلاقة المعقدة بين الهوية المحلية والهوس بما هو خارجي، حيث لا تعود الهجرة قرارا فرديا فحسب، بل مشروع حياة جماعيا يُعلّق عليه أمل الخروج من دائرة الغياب.
في قلب الرواية، تبرز شخصية علي جرجار، بطل الرواية، بوصفه تجسيدا لأقصى درجات الانبهار بالغرب، إنه صورة للهوس الأعمى الذي يدفع صاحبه إلى محو ذاته وهويته سعيا إلى الانتماء لفضاء بعيد، لا يملك عنه سوى صور متخيلة.
من خلال هذه الشخصية، يطرح أمير تاج السر سؤالا وجوديا عميقا: هل يمكن للإنسان أن يذوب في ثقافة لا تمت إلى جذوره بصلة من دون أن يفقد نفسه؟
يقول جرجار في إحدى لحظاته الدالة: لا أريد أن أسأل نفسي عن هويتي، والمعنى الذي قد أعنيه للفرنسية حتى لو جاءت وسكنت في قلب بيتي، فقد وطّنت نفسي على حبها.
يكشف هذا الاعتراف مأساة بطل يطارد وهما أكثر مما يطارد حقيقة، ويعيش علاقة تخييلية مع الآخر، قائمة على التمني لا على الواقع.
-
الخرافة بوصفها بديلا للوعي
يزجّ الكاتب بشخصيات أخرى تعكس تناقضات الحياة في حي غائب، من بينها حليمة، المرأة التي تتقن قراءة المصير من خلالها، يضيء النص على انتشار الخرافة في بيئات يغيب عنها التعليم والتنوير، وكيف يمكن أن تتحول الأوهام إلى صناعة رائجة في مجتمع يفتقر إلى أدوات فهم واقعه ومصيره.
في شخصية حليمة، تتجسد هشاشة الوعي الجمعي واستعداده لتصديق أي وعد بالخلاص، حتى لو جاء من كلمات مبعثرة تُقرأ على كف اليد.
يتسم السرد في العطر الفرنسي بالتماسك والسلاسة، جامعًا بين البساطة والعمق، وهي سمة بارزة في أعمال أمير تاج السر عموما. فالرواية لا تكتفي برسم ملامح البيئة الفقيرة، بل تنجح في تحويل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى مرآة تعكس أسئلة كبرى حول السلطة والهوية والمصير.
كما يلمّح الكاتب إلى سياسة مضمرة تتبناها الأنظمة، تقوم على إشغال الناس بتفاهات صغيرة، حتى لا ينتبهوا إلى حقوقهم الأساسية، فيغدو «الضجيج في أمر غير مهم» أداة للسيطرة لا للتنوير.
يمكن قراءة العطر الفرنسي بوصفها رواية عن السودان تحديدا، لكنها في الوقت ذاته رواية عن كل المجتمعات التي تعيش في الهامش، حيث يتحول التهميش إلى قدر جماعي.
من هنا ينبع بعدها العالمي، وقربها من تجارب أدبية أخرى اشتبكت مع قضايا المهاجرين والمهمشين، وتتعزز هذه الرؤية عبر مونولوجات علي جرجار، التي تكشف وعيا متأرجحا بين الجنون والوهم، كما في قوله: لست مجنونا، لكنني قد أجن في أي لحظة، ولست متوهما، لكن الوهم قريب، وقريب جدا.
هنا لا يختصر الصوت الداخلي مأزق البطل فحسب، بل مأزق مجتمع كامل يتأرجح بين إدراك الواقع ومحاولة الإفلات منه عبر حلم مستحيل.
في النهاية، يضع أمير تاج السر قارئه أمام أسئلة تتجاوز حدود المكان: ماذا يعني أن تنتمي؟ وهل يمكن أن يكون الحلم خلاصا أم لعنة؟ إنها رواية ممتعة وعميقة في آن، تُذكّر بأن الأدب العظيم هو ذاك الذي ينطلق من المحلي ليلامس المشترك الإنساني.
|