|
القاهرة 26 يوليو 2026 الساعة 08:35 م

بقلم: د. حسين عبد البصير
ليست الحضارات العظيمة بحاجة إلى من يمنحها شهادة ميلاد، فهي تحمل تاريخها في أحجارها ونصوصها وذاكرتها الممتدة عبر آلاف السنين. لكن الحضارات الكبرى قد تجد نفسها أحيانًا في مواجهة موجات من الادعاءات غير العلمية التي تحاول التشكيك في علاقتها بأبنائها أو إعادة تفسير تاريخها بعيدًا عن الأدلة والحقائق.
إن الحديث عن الحضارة المصرية القديمة يجب أن يبقى في إطار العلم والمعرفة، لا في إطار الشعارات والمزايدات. فالحضارة المصرية القديمة ليست قصة اخترعها أحد، وليست رواية ظهرت مع اكتشاف حجر رشيد أو مع جهود العلماء في العصر الحديث، بل هي حضارة حقيقية صنعتها أجيال متعاقبة من المصريين القدماء الذين تركوا للعالم أعظم صفحات الإبداع الإنساني.
إن فك رموز اللغة الهيروغليفية على يد العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون عام 1822 كان إنجازًا علميًا عظيمًا أعاد فتح أبواب المعرفة أمام العالم، لكنه لم يكن لحظة ميلاد الحضارة المصرية. فشامبليون لم يبنِ الأهرامات، ولم يشيد المعابد، ولم ينحت التماثيل، ولم يكتب النصوص التي تزين جدران المقابر والمعابد. لقد استطاع أن يقرأ صوت حضارة كانت موجودة بالفعل منذ آلاف السنين.
هناك فرق كبير بين من يكتشف لغة حضارة وبين من يصنع تلك الحضارة. فالمصريون القدماء هم الذين أقاموا الدولة، ووضعوا نظام الكتابة، وشيدوا العمارة العظيمة، وطوروا علوم الفلك والهندسة والطب والفنون، وتركوا تراثًا لا يزال العالم يقف أمامه بإعجاب.
إن الادعاء بأن المصريين عاشوا فوق أرضهم ولم يعرفوا شيئًا عن آثار أجدادهم حتى جاء علماء الغرب هو اختزال شديد للتاريخ وتجاهل لطبيعة العلاقة بين الإنسان المصري وأرضه. فالمصريون عبر العصور لم يكونوا غرباء عن وطنهم، ولم يكونوا مجرد عابرين أمام أطلال مجهولة، بل كانت آثار الماضي جزءًا من الذاكرة الثقافية والحضارية للمجتمع المصري.
لقد تغيرت العصور، وتغيرت اللغات والديانات والأنظمة السياسية، لكن الأرض بقيت تحمل ذاكرة أصحابها. فالحضارات لا تنقطع فجأة، وإنما تترك آثارًا عميقة في وجدان الشعوب التي تعيش فوق أرضها.
إن الحضارة المصرية القديمة ليست بحاجة إلى أن تُنسب إلى أحد، ولا إلى أن تُختطف لصالح أي خطاب أيديولوجي. مصر جزء أصيل من أفريقيا جغرافيًا وتاريخيًا، وهذه حقيقة واضحة، لكنها في الوقت نفسه صاحبة حضارة ذات خصوصية مميزة نشأت في وادي النيل وتطورت عبر آلاف السنين.
إن محاولة تحويل الحضارة المصرية القديمة إلى معركة حول الهوية والعرق هو ظلم للحضارة نفسها، لأنها كانت أكبر من هذه التصنيفات الحديثة. فالمصري القديم لم يبنِ حضارته من أجل أن تكون موضوعًا للصراعات المعاصرة، بل بناها لأنه كان يحمل رؤية عميقة للإنسان والكون والحياة والخلود.
العلم لا يقوم على الادعاءات، بل على الأدلة. وعلم الآثار لا يعتمد على الرغبات أو الانتماءات، وإنما على الحفائر والنصوص والتحليل العلمي. فالحجر المنقوش، والبردية المكتوبة، والتمثال المنحوت، والمقبرة المكتشفة، كلها شهادات تاريخية لا يمكن تجاهلها أو إعادة صياغتها وفق الأهواء.
لقد أثبتت الآثار المصرية القديمة أنها واحدة من أعظم مصادر المعرفة عن الإنسان في التاريخ. فمن خلال جدران المعابد نعرف أفكار المصريين عن الدين والكون، ومن خلال البرديات نعرف علومهم وآدابهم، ومن خلال المدن والمقابر نعرف كيف عاشوا وكيف فكروا وكيف نظروا إلى المستقبل.
إن الدفاع عن الحضارة المصرية القديمة لا يكون بالغضب أو الدخول في صراعات شخصية، وإنما يكون بالعلم، وبنشر المعرفة، وتعليم الأجيال الجديدة تاريخها، ودعم البحث الأثري، وجعل العالم يرى عظمة مصر من خلال أدلتها وشواهدها.
فالأهرامات لم تُبنَ بخطاب، والمعابد لم تُشيد بشعارات، والنصوص الهيروغليفية لم تُكتب لتخدم أفكارًا حديثة، بل كانت تعبيرًا عن حضارة عظيمة أرادت أن تترك أثرًا خالدًا في التاريخ.
ستظل مصر القديمة واحدة من أعظم الحضارات التي عرفتها البشرية، وستظل آثارها شاهدة على عبقرية الإنسان المصري الذي استطاع أن يحول الحجر إلى ذاكرة، والنيل إلى حضارة، والزمن إلى رسالة خالدة.
حفظ الله مصر وتراثها العظيم، وحفظ آثارها وحضارتها، وجعل العلم والمعرفة دائمًا الطريق لفهم تاريخها العريق ونشر رسالتها الحضارية إلى العالم.
|