|
القاهرة 23 يوليو 2026 الساعة 12:23 م

بقلم: محمد خضير
تقوم صناعة السينما الحديثة على منظومة متكاملة من الرؤية والتدريب والإرشاد والتمكين، وهو ما يجعل إطلاق أول حاضنة متخصصة للأفلام التسجيلية في أسوان خطوة تستحق التوقف أمامها، باعتبارها مشروعًا فنيًا إستثمارًا حقيقيًا في الإنسان والثقافة والهوية.
* ذاكرة الشعوب:
فأن تصل برامج الإحتضان السينمائي إلى أسوان والنوبة والمناطق المجاورة، يعني أن خريطة الإبداع في مصر بدأت تتجاوز المركز التقليدي، لتفتح المجال أمام أصوات جديدة تحمل حكايات مختلفة، وتجارب إنسانية لم تجد دائمًا طريقها إلى الشاشة.. فالسينما التسجيلية هي فن يلتقط التفاصيل التي تصنع ذاكرة الشعوب، ويمنح الإنسان العادي فرصة لأن يصبح بطلًا لحكايته.
وتأتي مبادرة HerStory Films بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالتعاون مع اتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية "يونيك"، لتؤكد أن الاستثمار في الثقافة يبدأ من بناء القدرات، لا من انتظار النتائج.. فالحاضنة لا تقدم تمويلًا فقط، وإنما توفر منظومة متكاملة من الإرشاد المهني والتطوير الفني، بما يحول الفكرة الخام إلى مشروع سينمائي قادر على المنافسة والوصول إلى الجمهور.
* الوصول إلى العالمية:
واللافت أن التجارب السابقة للحاضنة قدمت نموذجًا عمليًا لنجاح هذا النهج، بعدما ساهمت في تطوير عشرات المشروعات وإنتاج أفلام استطاعت الوصول إلى مهرجانات دولية، وهو ما يمنح النسخة الجديدة في أسوان رصيدًا من الثقة والخبرة، ويؤكد أن صناعة السينما لا تُبنى بالصدفة، وإنما عبر برامج احترافية تصنع جيلاً جديدًا من المبدعين.
* أهمية المبادرة:
وتكتسب هذه المبادرة أهمية مضاعفة لأنها تركز على الفيلم التسجيلي، ذلك الفن الذي يمتلك قدرة استثنائية على حفظ الذاكرة الوطنية، ورصد التحولات الاجتماعية، وإبراز التنوع الثقافي الذي تتميز به مصر، خاصة في مناطق تمتلك ثراءً حضاريًا وإنسانيًا مثل أسوان والنوبة، حيث تتداخل الحضارة والتاريخ والتراث مع تفاصيل الحياة اليومية في مشهد بصري فريد.
كما أن مشاركة نخبة من صناع السينما في الإشراف على برامج الحاضنة تمنح المشاركين فرصة للاحتكاك المباشر بالخبرات المهنية، وهو ما يختصر سنوات من التعلم، ويؤسس لبيئة إبداعية قادرة على إنتاج أعمال تحمل جودة فنية ورسائل إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية.
* خريطة الإبداع:
ولذلك عزيزى القارئ فإن مستقبل السينما المصرية يصنعه المركز وأيضًا المحافظات التي تمتلك كنوزًا من الحكايات والمواهب.. وكلما اتسعت دوائر التدريب والاحتضان، اتسعت معها خريطة الإبداع، وأصبحت العدالة الثقافية واقعًا ملموسًا.
واخيرا وليس بآخر.. فإن إطلاق حاضنة الأفلام التسجيلية في أسوان يمثل أكثر من برنامج تدريبي؛ إنه إعلان بأن الإبداع لا يعرف مركزًا أو هامشًا، وأن الكاميرا قادرة على اكتشاف مصر من جديد، من الجنوب إلى العالم، عبر عدسات شباب يؤمنون بأن لكل مكان قصة تستحق أن تُروى، ولكل إنسان صوتًا يستحق أن يُسمع.
|