|
القاهرة 21 يوليو 2026 الساعة 10:26 ص

بقلم: محمد عطية محمود
3- طرق أحمد محمد حميدة الوعرة
تمثل مجموعة "مدن وضواحي" اتجاها وخطا من الخطوط الرئيسة في مشوار الكتابة القصصية للقاص السكندري الراحل "أحمد محمد حميدة"، بما تعبر به عن رؤية واقعية تتعانق مع بعد اجتماعي ونفسي.. تمثل تفاصيل الهامش، المرتبطة بجغرافيا المكان المتنقلة بصوره، عبر الخطوط الطولية المتوازية، والمتقاطعة التي يقطعها قطار الحياة مع فعالياتها، وثوابتها المرتكزة إلى واقع صرف، من خلال علاقات الشخوص التي تخلق حركة هذه الحياة، مع حركة الخلق التي تبعثها النصوص في المكان/ الجماد/ وسيلة الانتقال، ليصير ذا حس إنساني يشارك في صنع حدث أو يصير بوتقة لحدوث فعل الحياة الموازي، في صورة من صوره المصغرة، ومن خلال المعنى الذي تمثله الحافلة/ القطار/ الترام، ومن خلال مفرداتها الدالة على سير تلك الحياة بصورة ما أو بأخرى، تتقاطع في الآن نفسه مع أرض الواقع/ جغرافيا المكان الثابتة، وتقطعه في تلك المسارات الطولية المحددة الاتجاه، لكنها تحمل معها هم العلاقة العكسية التي قد تنشأ مع هذا الكيان، ومن خلال نماذج دالة على الاستلاب بوقوعها في نطاق تأثيره البالغ، حيث تحمل الشخصية المستلبة بنماذجها المتعددة الواقعة تحت تأثير الحالة الاجتماعية والاقتصادية السيئة، عبء مواجهة الواقع الصعب بمفرداته وسماته.. من خلال هذا الطرح/ المعالجة، التي تناول الكاتب بها أعماله على مدار عطائه القصصي المتميز، لتبرز منها تلك النصوص الدالة على الحياة والمتشبعة بتفاصيلها حتى النخاع.
ويبرز من بين تلك النماذج نموذج المرأة/ الأنثى التي ربما توازت مع معنى الحياة، التي تبحر في هذه العلاقات مع الحياة من خلال اتجاهات سيرها العكسية التي تتقاطع وتتماس مع همومها الذاتية، ومن خلال تلك البوتقة المتحركة، لتموج بالناس، ولتمثل المعادل الموضوعي للحياة، والتي تنطرح بلا شك لتعالج المفهوم العام لتلك المعاناة، وذلك الألم، فثمة نصوص مثل: "قضبان الروح"، "ظل باب"، و"الوليمة" تتعانق وتتلاقى على مستوى تكامل الرؤية، على الرغم من كون كل نص منها يمثل وحدة/ حالة منفصلة لها معطياتها الداخلية التي تميزها عن الأخرى، ولكن قد تجمعها بعض العناصر الدالة على هذا الالتحام أو هذا التكامل/ الاشتغال على تيمة من التيم النفسية والمادية، واللعب على وتر الفقد والحرمان، والرصد الدال على فعاليات حياة الهامش.
يطرح الكاتب نموذج المرأة العمياء في نص "قضبان الروح" على نحو نفسي دال يحوم في فضاء النص، يملأ مساحاته الفارغة بفعل الاستعاضة عن فقد نعمة البصر، بتلك الروح المعافرة التي تتكئ على عيون الصبي/ الولد المرافق لها في رحلة الكفاح اليومية المجهدة، والذي قد يمثل في ضميرها المعادل الموضوعي للأمان المفتقد في هذه الحياة المتحركة بها، وهي في حال السكون الجسدي، المشتعل بالداخل بهوس الرغبة في التطلع إلى مفردات العالم الخارجي للحياة من خلال عيون ذاك الطفل/ الرمز/ المعادل، من خلال الاشتباك مع الواقع/ المجموع من خلال وجودها اليومي بالقطار:
"ركاب آخر الخط مألوفو الوجوه، حاملو القطار على الكواهل.. يلمحونها تقريبا كل يوم.. لكن لم يكونوا يعرفون من أية محطة تركب العمياء وطفلها المبصر" ص77
يؤسس النص هنا لسمة الاعتياد التي تميزه، وتجعل من الحالة النصية حالة آنية مستمرة دالة على تفاصيل الواقع الذي يطرح مجتمعا من الناس تتعلق مصائرهم بهذا القطار الذي يتجه بأبدانهم وعقولهم كل يوم في اتجاه ذهاب/ إياب ممض لا يقطعه إلا تلصص بعضهم على بعض، وتلصصهم على الواقع المحيط خارج نطاق هذا القطار، الذي ربما مثل نموذجا وكيانا معنويا قبل كونه جمادًا يحملهم، ولكنهم يحملونه على كواهلهم المجهدة، بحسب تعبير النص البليغ، نفسيا ومعنويا، بما يؤصل تلك العلاقة الأزلية بين هذه المجموعة من البشر وبين الحياة التي يحمل القطار رمزها الدال.. كما تشكل المفارقة التي تصنع التكامل المنشود بين الأم بعماها، والطفل بإبصاره:
"طوى الولد شعور الضجر.. آن له وقت الجلوس القسري والإجابات المبتورة.. تلقي أسئلة الرتابة.. تمد الأذن كوعاء يتوجب عليه ملؤه" ص78
يبرز النص تفاصيل العلاقة بين الأم والولد على نحو من الالتصاق الملول المنشطر بين حركة الولد الخفيفة الخفية، البعيدة عن إبصار الأم، وسكونها وهمودها داخل القطار، الذي يلعب النص على المفارقة بين حاله (القطار) وحالها، فيما تتوافق حالة القطار نسبيا مع حالة الولد الذي يظل يتحرك ليملأ الفراغات التي تتركها الأم بعماها في فضاء النص، وما بينهما هذا التلاحم المطل على سمات المكان المتسارع في ركضه وهروبه منهما على جانبي طريق القطار، والدال على تفلت الحياة من بين يديهما من خلال حوار دال بين الأم والولد، ينفلت منها الولد/ الأمل في الحياة/ المستقبل على أثر غفوتها وانقطاع الحوار معها:
"حين تتكاثر أسئلته، يغزوها السكون. يدرك بأنها قد اكتفت، فوجهها انبسطت أساريره تهدلت شفتها السفلى وتثاقل رأسها وترنم لتبدأ الدخول في نوبة غفوة" ص81
لكن الهاجس المقبض الذي يشعل ارتباطها بالحياة وبالولد، كمعين وكبديل من بدائل إحساسها المبتسر/ غير الكامل، بالحياة، وكعنصر من عناصر وجودها يظل مكبلا وجودها المرتهن بحركة القطار التي لا تهدأ، حتى في غفوتها التي خرجت منها باحثة عن الولد الذي شعرت بعدم وجوده وانفلاته من قبضة خيالها:
"رفعت الرأس نحو مصدر الأصوات المتشابكة بتكاثر عنيد مستعيدة بكل الحواس تلك الصرخة الوامضة التي اغتيلت كما اغتال الهمد الوحشي أعضاء البدن.. نهضت ممددة الذراعين. تتحسس أبدان الركاب وأعمدة الممر، وظهور الكراسي. ارتاح القطار على القضبان... انقباض القلب يدفع البدن على التقدم للعربة الثانية.. ولد يا حسن..
رويدا يعلو صوت النداء.. فالعربة الثالثة.
"ما حدش شاف حسن؟ يا حسن".. تجس أبدانا متناهية في صمتها العجيب، كالنائمين كانوا.. حسن لم يجب على النداءات" ص 84، 85
هنا يبرز النص حالة الانتفاضة التي تقاوم بها المرأة هذا الحس بالخواء وافتقاد الولد، وفقد عملية التواصل مع خارجها هي داخل هذا القطار الذي تحول إلى نموذج مصغر موحش للحياة بالنسبة لها، والذي لا تني تتوقف عن التماس هذا الأمن فيه:
"خُيِّل إليها أن صوتها المنادي الأسيان سوف يشحن الجو كله.. يصعد لعنان السماء.. يطغى على صوت الصخب والبشر.. فيبحث معها الجميع عن حسن" ص85
تأتي هنا الرغبة في الاندماج مع البشر المنعزلين عنها للتأكيد على تطابق سمات الحياة الموازية التي يمثلها القطار بالنسبة لتلك الشرائح المجتمعية ككل، مع سمات واقع المجتمع العام داخل بوتقة الحياة بأسرها، فانقطاع الوصل هنا قائم بنفس القدر من بشاعة انهيار العلاقات الإنسانية في متن المجتمع العام، ولعل هذا ما راهن عليه النص وكرَّس له، وشحذ له قوى الدهشة المباغتة حين اغتال القطار نفسه الولد/ الأمل الباقي لهذه المرأة في الحياة بمفهومها العام، وهي لا تدري، في علاقة عكسية بين معنى الحياة المتمثلة في حركة القطار الدائبة، وعملية الاغتيال/ الهرس التي مارسها القطار، ربما مثلت معنويا الاستلاب والفقد والقهر الذي ربما مارسته الحياة بشقها الظالم الأعمى الذي لا يهب بقدر ما يأخذ ويسلب، وليتوازى أيضا عمى المرأة مع عمى القطار في مفارقة أخرى من مفارقات النص.
"ربما تساءلوا في لحظة الهرس المباغتة، لحظة وقوع الحادث وانطلاق الصرخة.. لحظة لم تدركها المرأة الهائمة... أُشيحت وجوه النساء اللواتي سمعن ورأين نحو الجانب الآخر في تقزز أرعد القلوب وأطبق عليهن صمت..." ص87
هنا تأتي المفارقة التي برع الكاتب في إلباسها ثوب الغيبوبة والتيه الذي تلبس المرأة وتمادى فيه إمعانا في البؤس وتأثير إحساس الفقد، الذي يكتنف حياة تلك المرأة داخل القطار وخارجه، مؤكدا على شمول المعنى الذي يرمي إليه النص، ليسقط تلك السمات على واقع المجتمع/ الشعور الجمعي المغيب، والذي ينسلخ عن المأساة بمجرد حدوثها وضياع تأثيرها على النفوس، لينفرد النص بشخصيته المستلبة، لتعانق فراغ حياتها من ذاك المعنى وذاك الرمز الذي هرسته عجلات القطار، ففقدت دليلا ومؤنسا وباعثا على الشعور بالحياة وأنسها "فوق الرصيف كانت تتحسس الفراغ المختنق بالقيظ الجاثم فوق النهار.. بلهف تصغي لعودة الصخب.. تهرول بعشوائية" ص88.
|