|
القاهرة 21 يوليو 2026 الساعة 10:24 ص

قصة: حمدي عمارة
- عمَّروا " الكلوبات "بالكيروسين الأبيض، وغيروا "رواتينها " المهترئة بأُخَرٍ جديدات، وقد كانوا – ومنذ الصباح الباكر – تتناوب أكتافهم جمع وحمل الدكات من البيوت الأكثر قربا من " الشِّقَّة " مكان إقامة الفرح على أرضه، وكذا من ديوان العائلة، على الرغم من بعد مكانه، وكانوا استعاروا واحدة من عربتَى الكارو الوحيدتين بالقرية كلها، لتحل محل أكتاف الرجال، وعلى أرض مكان مشابه قريب، تحلقت فضاءه الفسيح عدة دكات، حلَّ بوسطى عقدها "الريس محمود وفرقته" وقت العصر، وجلس على الباقيات القليلات، أعيان البلدة والبلاد المجاورة، ما ربطت مقدمات أرجل ركائبهم – بعد مساعدتهم فى النزول عنها - إلى أحبال مثبتة على مسافات متساوية بحبل ليفي غليظ، عقد طرفاه إلى وتدين ثبتا في الأرض غليظين، وقد سارع الشباب ممن كلفوا بربط الركائب إلى معاقلها بالإمساك بمقاودها الليفية حول أعناقها، وسارع الكبار لاستقبال الضيوف والترحيب بوفادتهم وتشريفهم الفرح .
وجلس إلى جوارهم أيضًا من يجيدون اللعب بالشوم، ليتسابق كل اثنين إلى وسط الدائرة المحكمة الغلق بالمتفرجين، حتى يغلب أحدهما زميله في اللعب، لينتصب مسرعًا أحد الجلوس، يخطف الشومة من يد المغلوب، مواجها المنتصر المزهو الفَـرِح؛ بتحدٍّ بارز القسمات – وإن غللها بغلالة من ابتسام – وسط ضحك وتهليل الحضور، وعلى نغمات مزمار "الريس محمود" المتراقصة المتضاحكة، وإن ارتفع وسطهن بصورة فجائية، صوت سلام المزمار الجادة، تحية لوافدٍ جديد، تتقافز لمجيئه مقاعد الرجال فوق الدكات، ليحل الضيف إحداها، لتعاود من بعدها نغمات المزمار؛ إلى سابق نبرتها المتراقصة، وقد ما هدأت لشومَتَى اللاعبين صولات، وما انخفض لصوت تراطمهما قرعات .
وهكذا إلى أن تحين نغمة سلام ختام "لعبة الشوم" فيتفرق الجمع فرادى وزرافات ليتلاقوا في مندرة العشاء، وقد أفرد للريس محمود وفرقته مكانا خاصا يتناولون فيه وجبتهم، وخُصِّص ل "جاموس" منادى القرية مكانا ل "الخِلْفَة" حيث يمط عقب إدلاء كلٌّ بنقطته رقبته زاعقا: "ومحبينك يا أمير ...، نقِّط الفضة خلفِتْ خير" على مقربة من مندرة العشاء يُتَلَقَّى عنده "النقطة " التى غسل لاستقبالها "صحن فتة " كبير غطى بمنديل محلاوي وينتصب على منضدة يجلس خلفها واحد مؤتمن ممن يجيدون القراءة والكتابة، يسجل اسم كل صاحب نقطة، ومقدار ما دفعه إلى الصحن، ليتولى بعدها أمر إحصاء مجمل المبالغ – وهو ما ينتظره كل من يقيم فرحًا انتظار هلال العيد، فكم من أفراح أقامها أصحابها من أجل النقطة، ليسلمها ودفترها آخر الليل إلى صاحب الفرح .
- ما أن فرغ الريس محمود وباقي أفراد فرقته من تناولهم وجبة العشاء، وشرب الشاي، ثم أدائهم لصلاة العشاء، حتى أخذوا في تجهيز المزامير بتنظيف "بلابلها " وشد جلد "الطبل" على صهد جمر يتقد، ثم توجهوا إلى "التخت" الذى نصب لهم فى مواجهة المعازيم وأخذوا فى النفخ ممدين نغمة البدء، وكانت " كرم وظريفة وآفات "قد اعتلوا" دكتين متقاربتين شدتا بحبال كتخت يرقصن عليه أسفل تخت فرقة المزمار البلدي، وقد انبرت كبيرتهن "آفات" توجه حديثًا للريس محمود (تعقد صيغة لتفاهم المزمار والقدود)، فلكل نغمة ميلات قدها، ولكل غنوة مطربها، وهن يرقصن ويغنين فى آن .. ويقرعن الصاجات، كل ذلك في تناغم؛ يصحبه ضربات أرجلهن على التخت المتلاحقات رفع شرائح بدلات رقصهن المفتوحة الأجناب، المظهرة لما لذَّ وطاب من مفاتن تجيد التمنع متى أرادت وتتفنَّس من وراء غلالات العري متى أردت، لتأخذ بألباب الشيبة قبل الشباب، السكران قبل المتيقظ لكل شاردة وواردة من حركات الغوازي الفجائية الجلبات!
- وقد ما اطَّلع أهـل القرى على ألبسةٍ للنسوة تغاير ما حاكتهن أنامل زوجاتهم في البيوت الطينية، من فضلات أقمشة الكتان والدَّمُوْر والدبلان، يصنعن منه "اللباسات" وحمالات الصدور، مما لا يثير شهــوة ولا يبرز لجماليات فتنـة، أو كما يقـــولون : "ما يعلِّم إبليس العفـة " .
- الأمر الذى لأجله يقف بعض أهل الحكمة من أبناء القرية على قدم وساق، بمقربة ممن يتوسمون فيهم الرعونة والمعروفين بتعاطي الخمور في الأفراح، وبخاصة من الضيوف وافدي القرى المجاورة، ومن يحملون الأسلحة النارية منهم خاصة، فكم وقعت من جرائم على يد مخمورى "الطبول" وكم ترتكب جرائم القتل باسم الخطأ أو حين يفزع من بين الصفوف، من خلع عمامته وجلبابه الصوفي الكبير، ثم تخطى الرؤوس قافزًا حاضنًا إحدى الغزيات آخذا في تقبيلها، وسط هياج الهائجين، وأذرع المُخلِّصِين الفريسة من بين أنياب سبعها الجائع، وتوقف المزمار عن الصدح، حتى يُجَـرَّ السكران على وجهه إلى قرب الحقول، ليُنضَحَ على رأسه من مــاء الجداول أو يُغمَسَ فيه، حتى يثوب لوعيه ولطريق أوبته إلى قريته!
- وما هدأت فى كل حال حركة لموزِّعي السجائر على صفوف المعازيم، حتى يقترب الليل من منتصفه، فينسل من بين الجمع بعض الشباب إلى بيت العريس، لوقوف أصحابه وأقاربه على أمر حمومه وإلباسه لباس الفرح، وإركابه على ظهر الحصان المعد لنقلِّه وعروسه من بيت والدها، حيث تزفّهم فرقة المزمار البلدي أو بعض أفرادها من شباب العازفين، التي تتقدمها حاملات صواني الشموع والحلوى والفول السوداني والمخبوزات القريبات، وحاملوا البنادق يفقؤون بطلقاتها المستعرة التوهج أعين الهواء ابتهاجا، هكذا تقطع الزفة دروب البلد دربًا دربا، مولية شطر هدأتها كل ضريح من أضرحة مقامات أولياء الله الصالحين ومشاهدهم، ووقوفًا فترة أطول عند مقام الشيخ "عزاز" ولى أولياء الله بالقرية، وقد أنزلت العروس، بعد فك رباط الشاش؛ الذى يضمها إلى ظهر عريسها، لينزل تبعًا مصطحبا إياها وسط دائرة الشباب من الأصدقاء المقربين إلى داخل ضريح "الشيخ عزاز" للتبرك وقراءة الفاتحة .
- لتعاود الزفة مسارها إلى عتبة بيت العريس، ليتقدم خال العروس يفك عن ظهرها رباط الشاش للمرة الثانية والأخيرة، ثم يحملها بين ذراعيه، ويوطئها الأرض، لتجابه أم زوجها، حاملة بكفها كوبا للبن، تُشرِبُها منه مزقات متتابعات، وتطبع طرف سبابة يمينها، ما غمسته في اللبن على صفحة جبينها، داعية لها : "بالعمارة والتمارة وزيجة النصارى" لتخطو بعدهن بقدمها اليمنى أولى خطواتها إلى غور بيتها .
تطلقُ عنان خيالاتها نغماتُ طبلٍ جديد، تصدح في حفل طهور ابنٍ لها، دون أن تعكر صفو ليلته، زلزلات أرجل "الغوازى" وتوابعهن، أو حاجة إلى نقوط قريب أم بعيد!
* الطبل : يطلق على الحفل الذى تحييه فرقة المزمار البلدى فى قـرى الصعيــد : (الطبل) نسبة إلى آلة الطبل الموسيقية المصاحبة للمزامير.
* الريس محمود : قائد فرقة للمزمار البلدي.
* الشيخ عزاز: ولي من أولياء الله الصالحين له ضريح بقرية كوم بلال بمحافظة قنا، كما له عدد من المشاهد بمحافظة الشرقية وغيرها.
|