|
القاهرة 21 يوليو 2026 الساعة 10:23 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
في روايته الخالدة «رجال في الشمس»، يضعنا الكاتب غسان كنفاني أمام مشهد مرعب يتجاوز حدود الحكاية؛ ثلاثة رجال يبحثون عن فرصة للحياة، يهربون من جحيم الفقد والفقر، فيقودهم الأمل الزائف إلى الاختباء داخل خزان حديدي أسود ومغلق، ليعبروا به حدود الصحراء الحارقة تحت لهيب شمس لا ترحم.
يقف السائق في نقطة التفتيش ليتحدث في أمور تافهة، بينما يلتهم الموت والاختناق الرجال الثلاثة في الداخل الأسود. وحين يفتح السائق الخزان ويجدهم جثثاً هامدة، يطلق صرخته التي ما زالت تدوي في ردهات الزمن: «لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقولوا؟ لماذا؟».
هذه الصرخة لم تكن عتاباً للموتى، بل كانت إدانة مريرة لكل من يختار الاستسلام للصمت وهو يرى أنفاسه تتلاشى، ومن هذه النقطة اللاهبة، نمتد بأبصارنا نحو واقعنا المعيش، لنكتشف أن "الخزان الأسود" لم يعد مجرد شاحنة تعبر الصحراء، بل تحول إلى جدران غير مرئية تحيط بحياة الكثيرين منا اليوم.
كم من البشر، وبخاصة الشباب في عصرنا الراهن، يعيشون داخل خزاناتهم الخاصة؟ خزان الانتظار الطويل لفرصة عمل قد لا تأتي، خزان التشبث بآمال مؤجلة، أو خزان الاستسلام لواقع خانق يسلبهم أحلامهم يوماً بعد يوم.
إن المأساة الحقيقية التي نعيشها اليوم ليست في قسوة الظروف الخارجية، بل في ذلك "الموت الصامت" الذي يتسلل إلى النفوس؛ عندما يقرر الإنسان أن يذوب في العتمة، ويتقبل الاختناق تدريجياً، معتقداً أن الصبر يعني عدم الصراخ.
إن الرواية توثق هذا الاستسلام الرهيب لليأس والموت البطيء في عبارة شديدة القسوة والواقعية تصف حالهم في تلك اللحظات الأخيرة: «كان الطقس حاراً إلى درجة لا تُطاق، وكان الخزان يغلي كأنه فوق لظى، غير أن أحداً منهم لم يجرؤ على إحداث أي جلبة، لقد أسلموا أجسادهم للظلمة، وراحت أنفاسهم تتقطع في صمت مطبق، كأنهم نسوا أن لديهم أصواتاً قادرة على ثقب الحديد».
هذا الموقف يجسد تماماً أزمة إنسان العصر الحالي، الذي يحيط به زحام العالم وضجيج شاشاته، لكنه يظل غارقاً في صمته الفردي، يكابد معاركه وخيباته خلف جدران روحه الموصدة، دون أن يجرؤ على ممارسة حقه في الاعتراض أو المحاولة في النهاية، تظل قصة هؤلاء الرجال مرآة قاسية تحثّنا على الاستيقاظ من غيبوبة الانتظار.
إن الحياة لا تلتفت للذين يموتون في صمت، والفرص لا تُمنح لمن يكتفون بالجلوس في العتمة يتجرعون الاختناق؛ بل إن الملاذ الوحيد المتبقي لإنسانيتنا هو أن نملك الشجاعة لنصرخ في وجه الظروف.
تذكرنا الرواية في سطرها الأخير بأن الموت الحقيقي ليس توقف الأنفاس، بل هو اللحظة التي نتوقف فيها عن قرع الجدران. لذلك، تصبح الحياة دعوة مستمرة لئلا نستسلم لرماد الصمت، وألا نترك الخزان يغلق علينا أغطية النسيان، بل يجب أن ندق جدران حيواتنا بكل ما أوتينا من قوة، حتى يدرك العالم أننا ما زلنا هنا، وما زلنا نتنفس.
|