|
القاهرة 21 يوليو 2026 الساعة 10:15 ص

حاوره: مصطفى علي عمار
من رحم قوص "بلد العلم" ومكتبات أمهات الكتب، انطلق في 19 مارس 1960 صوتٌ نقديٌّ لا يشيخ: الدكتور سليمان جادو شعيب.
باحث وقاص وناقد أدبي ومحاضر، بدأ رحلته بليسانس اللغة العربية من جامعة أسيوط 1982، ثم تمهيدي الماجستير، فالدكتوراه المهنية في إعلام الطفل بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى 2019، والدكتوراه الفخرية من كندا 2020.
مرّ من وكالة إدارة الشباب بقوص إلى رئاسة تحرير "معجم المبدعين العرب" و"روائع المبدعين المعاصرين"، ومستشارية تحرير "مجلة النيل والفرات".
اسمه محفور في معاجم المبدعين العرب وموسوعات البلاغة وكتاب "أعلام قنا"، وحائز على القلم الذهبي وأوسكار الشخصية الريادية، وأكثر من خمس عشرة شهادة دكتوراه فخرية ومهنية.
فهل حملت قوص ملامحها في نقدِه، أم حمل هو قوص إلى العالم؟ وفي رحاب الصعيد حيث تولد الحكمة ويترعرع البيان، يطلّ علينا علمٌ من أعلام الثقافة العربية. رجل جمع بين صرامة البحث الأكاديمي ودفء الكلمة الأدبية، فكان أستاذاً للغة العربية لغير الناطقين بها، وصاحب بحوث في أدب الطفل والقضايا الاجتماعية والدينية.
واليوم يقف على مفترق أسئلة كثيرة: عن مكانة المثقف الصعيدي، ودور قصور الثقافة، ومستقبل اللغة، ومعنى العطاء الحقيقي في زمن السرعة والأضواء.
في هذا الحوار نقترب من الفكرة قبل المنصب، ومن الإنسان قبل اللقب، ونسأل بجرأة المحب لا بحدة الخصم.
• كانت رسالة الدكتوراه المهنية عن "إعلام الطفل العربي" عام 2019. وبعد ست سنوات من سيطرة تيك توك ويوتيوب كيدز، لو عدت لدراسة الموضوع اليوم، ما الذي ستهدمه من بحثك القديم، وما الذي ستثبته بلا تردد؟
بعد هذه السنوات التي مضت، أستطيع أن أتطرق إلى حالة أطفالنا التي وصلوا إليها من عدم الاهتمام والعناية، فهناك الكثير من الأطفال محرومون من تسليط الأضواء عليهم وعلى إبداعاتهم ومنجزاتهم واكتشافاتهم، بسبب وجودهم في المناطق النائية، سواء في محافظات الصعيد الجواني أو في المناطق الحدودية وغيرها.
• ترأس تحرير سلسلتي "معجم المبدعين العرب" و"روائع المبدعين المعاصرين"، وفي الوقت ذاته مدرج اسمك في معجم المبدعين 2019. كيف تحكم على نفسك وأنت القاضي والخصم معاً؟ ومن الذي حُذف اسمه من المعجم بقرار منك؟
في الحقيقة لم يأت ترأسي لمعجم المبدعين العرب، ولسلسلة روائع المبدعين المعاصرين من فراغ، وإنما جاء بعد جهد حقيقي ونشاط مكثف قمت ببذله، وهذا هو حصاد وثمرة المجتهد عندما يؤدي واجبه المنوط به ورسالته السامية على أكمل وجه، عندئذ يرى الآخرون تقديره لتلك الجهود المبذولة والطيبة، ولم أحاول حذف أي اسم مبدع من المعجم المذكور طالما صاحب إبداع حقيقي وجاد وصاحب سيرة ومسيرة مشرفة وحافلة بالعطاء والإبداع الراقي.
• عملت وكيلاً لإدارة الشباب بقوص، ومحاضراً مركزياً بهيئة قصور الثقافة، ومستشاراً للتحرير. هل ترى أن قصور الثقافة نجحت في "صناعة مثقف صعيدي" أم في "تدجينه"؟ وأين موقعك من هذه المعادلة؟
يمكن القول بأن قصور الثقافة المصرية قد ساهمت في إبراز المواهب الحقيقية لدى المبدعين والمبدعات في محافظات ومناطق الصعيد المختلفة، وذلك من خلال الندوات والأمسيات الثقافية والأدبية التي تقام هنا وهناك بصفة مستمرة، ومن خلال أندية الأدب والمسارح التي توجد بها، ومن خلال تبادل الزيارات والخبرات بين أدباء وشعراء الأقاليم، وأما دوري فلم أدخر جهداً في سبيل النهوض بالمشهد الثقافي داخل مناطق الصعيد وخارجها.
• بحثك عن "إسهامات الترجمة في أدب الطفل بأفريقيا" مهم للغاية. لكن أدب الطفل العربي ذاته فقير ومستورد. لماذا يكتب المثقف العربي للكبار بدمه، ويكتب للصغار بشحاذة؟
يكتب المثقف العربي للكبار بدمه، لأن الكتابة لهؤلاء سوف تدر عليه أرباحاً طائلة، من ناحية توزيع أعماله الإبداعية والثقافية التي تجود بها قريحته، وتجد فرصة الانتشار الواسع في البلاد العربية، والترويج لها بسهولة وفي هذا مكسب كبير لهؤلاء المثقفين المبدعين، بينما الكتابة للأطفال الصغار أمر صعب وتحتاج إلى جهد كبير واحترافية ومهارة شديدة لا تكاد تتوفر لدى الكثيرين، ومن هنا نلاحظ ندرة الكتاب المبدعين لإنجازات الأطفال.
• نلت وسام الشخصية المثالية عن ورقة "منهجية المرأة في بناء الأوطان". وفي مجتمع صعيدي محافظ كقوص، ما أكثر موقف هُوجمت فيه بسبب موقفك من دور المرأة؟ هل تراجعت أم ثبتّ؟
الحمد لله مجتمعنا الصعيدي القوصي مجتمع محافظ كثيراً على التمسك بالقيم والأخلاق الفاضلة، والعفة وصيانة الأعراض، ولم نهاجم قط في أي موقف تجاه المرأة، بل العكس نحن نحاول قدر الطاقة الاعتناء بالمرأة الصعيدية وتقديم كل ما من شأنه النهوض بالمرأة ثقافياً واجتماعياً ونفسياً في إطار من سياج الدين والشريعة والتقاليد والعادات الاجتماعية التي تربينا عليها.
• تعمل أستاذا للغة العربية لغير الناطقين بها من الجامعة الأمريكية. كيف توازن بين "حماية الفصحى" و"تبسيطها للأجانب"؟ هل نبيع اللغة أم ننقذها؟
اللغة العربية احتلت مكانة رفيعة سواء في مجتمعاتنا العربية أو الأجنبية، ولاقت اللغة الفصحى عناية فائقة في وسائل الإعلام والثقافة العربية كافة وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي التعبير بها في المنظمات الدولية وفي كافة المؤسسات الثقافية والإعلامية، والحمد لله هناك اهتمام كبير لتلك اللغة في البلاد الأجنبية لدراستها واستيعابها والتحدث بها، في المراكز الإسلامية وفي الجاليات العربية، وفي غيرها.
ولكن أمامنا - أبناء لغة الضاد - مشوار طويل للنهوض بتلك اللغة الجميلة، مثلما يبذل الأجانب جهودهم المتميزة والرائعة نحو لغاتهم ونشرها في كافة أقطار العالم وتقديم الدعم اللازم لها.
• كتبت "الرافعي رسول البيان" و"ذلك الدين القيم". هل يتصارع الناقد داخلك مع الواعظ؟ ومتى تكتم صوت الناقد ليعلو صوت الواعظ؟
لا يمكن التصارع بين الناقد والواعظ، فهما يعملان من أجل الإصلاح والنهوض بمستوى الأدب والعلم، والارتقاء بهما سواء في المحافل والملتقيات الثقافية والأدبية أو عبر محراب المسجد من خلال ربط المحاضرات بالواقع الذي يعيشه المرء في المجتمع العربي والإسلامي.
• أنت عضو في اثنتي عشرة اتحاداً ورابطة وأكاديمية. بصراحة: أي اتحاد استفدت منه فعلاً، وأيها كان مجرد برستيج؟ ولو اضطررت لإلغاء أحد عشر والاحتفاظ بواحد فقط، فأيها تختار؟
حقيقة كل هذه الاتحادات والأكاديميات والرابطة التي أنتمي أو أنتسب إليها، هي كيانات وصروح ثقافية راقية، وفاعلة تقدم المزيد من الثقافة والفنون والآداب والمعارف لجمهورها الكريم، ولها اسمها وصيتها في عالمنا العربي والغربي، ومن ثم فأنا لا يمكن التنصل منها طالما هي كيانات جادة وتقدم إبداعاً رصيناً ومثمراً، وتضم كوكبة متميزة ورائعة من المبدعين ورواد الثقافة والإبداع.
• كتبت "دراسات نقدية في القصة والرواية"، لكن إنتاجك القصصي قليل مقارنة بالنقد. هل قتل النقد القاص الذي بداخلك؟ أم أن الصعيدي داخلك يخشى الفضائح فيكتب عن غيره أسهل؟
أنا أميل إلى الكتابة النقدية أكثر من الكتابة القصصية، فالقاص يحتاج إلى بيئة زاخرة بالمواقف والتجارب الحياتية والإنسانية، حتى ينقلها بقلمه قصصاً رائعة من إبداعه، والناقد من خلال رؤيته الثاقبة يستطيع أن يميز بين الجيد والرديء منها، ويحاول أن يقدم النصح والتوجيه لصاحب العمل والإنتاج حتى يستطيع أن يرتقي بإنتاجه الإبداعي إلى المكانة المرموقة.
• نشرت بحوثاً في القضايا الدينية والاجتماعية. ما أكثر بحث رُفض من مجلة محكمة لأنه لامس خطاً أحمر؟ وهل كان الخط الأحمر دينياً أم سياسياً أم قبلياً؟
الحمد لله رب العالمين، لم يرفض لي أي بحث في المجال الديني أو الاجتماعي؛ لأن ما أكتبه أدقق في كتابته ومحتواه بعناية فائقة، ولا ينأى عما يدعو إليه الدين أو الشريعة، بل يصب في خدمة البيئة والمجتمع.
• خرج من الصعيد المنفلوطي وطه حسين والعقاد. هل ترى في زماننا هذا من هو مثلهم في الصعيد؟ ومن يستحق أن يُذكر معهم بعد مئة عام؟
أعتقد أنه في عصرنا الراهن توجد أسماء لأدباء مرموقين يضاهون هؤلاء الأدباء القدامى كالمنفلوطي والعقاد وطه حسين، وذلك مع اتساع المعارف وثورة المعلومات والتقنية الحديثة، التي أفاد منها الكثيرون من أبناء الصعيد، فهناك أسماء لامعة في الأدب والفكر والثقافة والدين والفنون، أمثال الدكتور القدير مصطفى رجب، والأديب الروائي أيمن رجب، والأديب مصطفى بيومي، والدكتور عبد العزيز القوصي، وعبد الفضيل القوصي وغيرهم كثيرون.
• هل هناك تهميش حقيقي لأدباء الصعيد، أم أنهم بعيدون عن العاصمة فابتعدوا عن الأضواء؟ وكيف نعيد أدباء الصعيد إلى المشهد الثقافي؟
يكاد التهميش ينحسر تدريجياً في ظل التواصل الحديث الذي صنعته وسائل التواصل الاجتماعي والميديا، والأديب الصعيدي يتواصل مع وسائل الاتصال ووسائط النشر كافة، والأضواء عليهم في عصرنا الحالي مشرعة، ولم يعد هناك حاجز أو مانع من التواصل والمشاركة الفاعلة في مجالات الإبداع رغم بعد المسافات بيننا وبين الشمال، والدليل على ذلك فوز بعض أبناء الصعيد بجوائز الدولة التقديرية والتشجيعية في السنوات الأخيرة، ونذكر من هؤلاء الأستاذ الدكتور محمد أبو الفضل بدران، والشاعر الكبير فتحي عبد السميع.
ويمكن إعادة أدباء الصعيد إلى المشهد الثقافي عن طريق المشاركة في الندوات والمؤتمرات التي تعقد في القاهرة والإسكندرية والمحافظات الأخرى، وعن طريق النشر في المطبوعات التي توزع داخل الجمهورية وخارجها.
• ماذا قدم سليمان جادو شعيب للأدب العربي فعلياً؟ بعيداً عن المناصب والشهادات والعضويات، ما هو النص أو الفكرة أو التلميذ الذي سيبقى بعدك؟
لم أقدم للأدب العربي ما أتطلع إليه، ففي مخيلتي تصورات عديدة للإسهام ولرفد الأدب العربي بمؤلفات مستقبلية يمكن لها أن تكون إضافة إلى صرح الثقافة العربية، وهذا هو جهد المقل.
• بعد كل الشهادات والجوائز والأوسمة، لو قال لك ابنك "يا أبي، لا أريد أن أصبح دكتوراً ولا أديباً، أريد أن أصبح يوتيوبر"، فهل تباركه أم ستشعر أن المشوار كله كان هدراً؟
بصراحة تامة في هذا العصر الذي نعيشه، لا يمكن لأي أب أن يلزم أبناءه بمجال معين، فما يرغبه الابن من ميول هو حقه الأصيل ورغبته الحقيقية التي من خلالها يبدع ويتألق، وانتهى ذلك الزمن الذي يتوارث فيه الأبناء صناعة ومهن آبائهم .
• لماذا تأخر ظهور اسمك في المشهد الأدبي والنقدي إلى مرحلة متأخرة من العمر، رغم ما تملكه من زاد معرفي وثقافي؟
لقد تأخر ظهور اسمي في المشهد الأدبي والنقدي إلى مرحلة متأخرة، وهذا يرجع بالطبع إلى الفترة الطويلة التي قضيتها في خارج البلاد، فقد قضيت حوالي سبع عشر عاماً معلماً في اليمن والمملكة العربية السعودية، وهذه الفترة هضمت الكثير فيها من الثقافات والإبداعات من خلال القراءات المتواصلة، مما أدت بي إلى النضج الفكري.
• برأيك، كيف يمكننا تأهيل الشباب المبدعين ورعايتهم حتى لا يضطروا لترك موهبتهم والبحث عن وظيفة تقليدية تؤمن لهم العيش، وفي الوقت نفسه لا يتعرضون للإهمال والنسيان؟
في رأيي تأهيل الشباب المبدعين ورعايتهم يتم عن طريق مشاركتهم مع الأدباء الكبار، في الندوات والأمسيات والملتقيات الثقافية، ونشر أعمالهم في الصحف والمجلات الورقية والإلكترونية، وتحفيزهم عن طريق مشاركتهم في المسابقات الثقافية والأدبية الكبرى، وتخصيص جوائز قيمة تليق بهم وتدعم مكانتهم الاجتماعية.
• تمتلك أكثر من خمس عشرة شهادة دكتوراه فخرية ومهنية، ودكتوراه أكاديمية واحدة مهنية. لماذا خضت سباق الدكتوراهات الفخرية؟ وبرأيك، هل تضيف هذه الشهادات إلى رصيد الباحث سليمان جادو، أم تنتقص منه أكاديمياً؟
هذه الشهادات الفخرية الكثيرة التي نلتها بجدارة واقتدار هي حافز حقيقي ودعم نفسي ومعنوي لي، ولأي مبدع جاد ومثابر، ولا يؤثر أو يقلل من إبداعاته وإنتاجه في مسيرته الإبداعية، وعندما يبدع الأديب في عمله، ويجد من يكافئه ويقول له أحسنت فإنه بلاشك سوف يحس ويشعر بقيمته، ولا يذهب جهده سدى، شريطة ألا يسعى المبدع، أو يطلب هو نفسه من الآخرين أن يكافئوه.
• هل كان لتنشئتك في مدينة قوص، بلد العلم منذ القدم والتي تحوي مكتباتها أمهات الكتب، أثرٌ في ميلاد الناقد سليمان جادو؟
لمدينة قوص مدينة العلم وكعبة العلماء منذ القدم، أثر كبير في نشأتي وتكويني الأدبي والثقافي، فقد تعلمت في مدارسها عندما كان التعليم له رونقه وبهاؤه من خلال المدرسين القدامى الذين كانوا بمثابة أدباء وشعراء ونقاد كبار، وليسوا مجرد مدرسين فحسب، وأيضاً من خلال المكتبات التي يحتويها قصر الثقافة بالمدينة، والذي توجد به أمهات الكتب والمؤلفات والمراجع العلمية والبحثية القيمة.
|