|
القاهرة 20 يوليو 2026 الساعة 10:06 م

كتبت: نضال ممدوح
تصطحب الروائية والقاصة الأردنية سميحة خريس في كتابها "مشوار مع بيسوا" -الذي شهدت مكتبة الإسكندرية حفل إطلاقه ومناقشته الأول- الشاعر البرتغالي "فرناندو بيسوا" في حوار طويل، متنقلة بين صفحات كتابه "اللاطمأنينة"، بالتأمل والتعليق والتعقيب، متخيلة اجتماعهما معا في رحلة عبر غابة افتراضية استعارتها من إحدى رواياتها السابقة لتكون مكانا محايدا تلتقي فيه بالشاعر الراحل، ويكسران معا حدود الزمان بالتقائهما رغم تسعين عاما تفصل بينهما ورغم وفاة الشاعر البرتغالي، وكذلك حدود المكان بين الأردن -موطن الكاتبة- والبرتغال البعيدة التي يفصلها عنها بحر واسع وحدود جغرافية ممتدة.
وبحسب الناشر عن الكتاب: لم يكتب الشاعر فرناندو بيسوا كتابه "اللاطمأنينة" كاملا وكذلك لم ينشر في حياته، بل جمع من أوراق تركها ضمن مجموعة أخرى كبيرة، حيث عثر بعد وفاته على حقيبة تحوي على أكثر من 25 ألف مخطوطة عن موضوعات مختلفة منها: الشعر، الفلسفة، النقد وبعض الترجمات والمسرحيات، كما أنها تحتوي على خرائط لشخصياته البديلة، وهي اليوم محفوظة في مكتبة "لشبونة" الوطنية ضمن ما يعرف بـ"أرشيف (بيسوا)".
تلتقط خريس في كتابها الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" (2026)، كتاب بيسوا في أحد معارض الكتاب، وتعيش مع قراءته تجربة فريدة تؤثر فيها لدرجة أنها تدرجه كأحد كتابين أثرا بها في حياتها كلها، تقول:
"انقض علي عنوان الكتاب، ثم نصه مثل صقر مفترس، نبش عقلي، وقضم قلبي. وللحق أقول: رغم ضعفي أمام الكتب الفاتنة الحارقة، إلا أن هذه الحالة بعنفها، لم تهاجمني إلا مرتين على كثرة ما عشقت من كتب. الأولى؛ منذ ثلاثين عاما حين أطاح بي كتاب "المنشق" لنيكوس كازانتزاكيس، والثانية؛ حدثت مع كتابك.".
تجنبت الكاتبة في كتابها التعليق الطويل على أفكار بيسوا، فكانت تورد عناوين فصوله كما هي، وتسرد تحتها تأملاتها حول النص مميزة ما تقتبسه من كلام الشاعر مضمنا في سياق حديثها، فلم يسر الكتاب على النسق التقليدي للنقد الأدبي، وفي الوقت نفسه لم يكن تأملا فلسفيا خالصا كإبداع منفرد؛ بل مزج بينهما في منتج أدبي بين الاقتباس والإضافة أشبه ما يكون بالحاشية المؤلفة على أمهات الكتب.
يعد الكتاب التقاء بين خطين إبداعيين رئيسين في عالم الكتابة، فمؤلف الكتاب الأصل هو شاعر البرتغال الأشهر ومن رواد المحاولات النثرية في الشعر، وسميحة خريس روائية مخضرمة لها باع طويل في عالم السرد؛ لذا يعد "مشوار مع بيسوا" مشوارا يترافق فيه الشعر والنثر معا بمميزات كل منهما وتفرداته عن الآخر، وكذلك تتجلى فيه المساحات المشتركة بين الفنين.
تدير الكاتبة حوارا حقيقيا مع الشاعر، فلا تكتفي بعرض أفكاره هو ومناقشتها فحسب، ولا تظل في هذا الإطار الذي يتجه اتجاها واحدا منه إليها؛ بل تستطرد بتفرعات أفكار أخرى جديدة، أفكارها هي، سواء أحالتها إليها فكرة من أفكار بيسوا، أو كانت فكرة جديدة تماما تلائم العنوان أو بضع كلمات من النص. تطرح الكاتبة أسئلة على الشاعر وتتخيل إجاباته عليها، وأحيانا تترك الأسئلة بلا إجابات كأنها تسمح له بمساحة للتفكر والصمت. ولا تتوقف واقعية الحوار عند هذا الحد، بل تبدأ في بعض الفقرات تستطرد لتعرف الشاعر الراحل بمحدثات العصر التي لم يدركها في زمانه، وبالفروقات الثقافية من عالم الشرق، باعتباره مسافرا حقيقيا بالزمن لا بد يتعجب من فارق اختلافاته.
ينطوي الكتاب على تنوع شاسع من الأفكار، بين الفلسفة والتأمل، والأساطير والحقائق العلمية، ورقة المشاعر الداخلية وثقل الواقع، كما يحوي بعض التناقضات في الآراء والنظريات التي سببها التباعد الزمني بين كتابة النصوص. هذا التنوع الكبير أثرى تجربة الكاتبة وفتح لها المجال واسعا لتناقش مختلف القضايا القديمة والمعاصرة، وتدلي فيها بآرائها الخاصة التي قد تتفق مع الشاعر أو تعاكسه دون انتقاد صريح أو إطلاق أحكام.
على مدار الكتاب تعقد خريس المقارنات بين زمن بيسوا وزمنها، وتلاحظ خلالها كيف أن التاريخ يعيد نفسه، وكيف كان بيسوا ملاحظا دقيقا للواقع من حوله، وكيف تطورت مخاوفه في زماننا المعاصر بدرجة جعلت تخوفاته أقل وزنا بكثير، ومدعاة للعجب وتخيل موقفه لو كان بيننا الآن.
نقرأ من الكتاب: "منشغل أنت في الكتابة بحثا عن المستحيل، بكيف تفكر بالأحاسيس، وتحس بواسطة الأفكار.
بعد أن حولنا الكتابة إلى حرفة، وجعلنا لها قواعد وحدود، بل عينا لها شرطة مراقبة دائمة، تحولنا إلى جواهرجية ننضد الأحجار الكريمة، ونعيد تشكيل الذهب. هل سنتمكن حقا أن نفكر كما نحس؟ أم كما ينبغي لنا أن نحس؟ وشتان ما بين هذا وذاك؛ الأول قادم من أعماقنا، والثاني من خارجنا، يمكننا الغوص نازعين عن الأحاسيس قشورها، لكن هل نصل إلى ما وصلت إليه؟ حتى تصل إلى الله".
وتضيف خريس: "في مقولة فاحصة دقيقة لأكبر الفلاسفة المتصوفين في الإسلام وهو (النفري)، الذي ولد على ضفاف نهر الفرات في نيسابور، وعاش في حقبة تقارب حقبة الحلاج؛ قال: (ضاقت العبارة كلما اتسعت الرؤية). فهل تتمكن عباراتنا المستهلكة من التحليق الحر في فضاء الرؤية الشاسعة؟ نحن نستعيد النفري كلما ماجت أرواحنا فيما لا ندركه، وكلما اختنقت الكلمات في صدورنا عاجزة عن أن تقال".
ونقرأ أيضا: "(أحاور تأملاتك، وأبوح بما يقابلها عندي في سيلان لم أعهده في كتاباتي، لكني حين أقرأ الشعر أعرفه، أنتبه، أستمتع، ولا أتنفس). وقع المترجم على هذا النص وترجمه إلى العربية كأنه نثر، لكن كلي ثقة بأنه ليس ضمن يومياتك النثرية؛ هذا نص شعري بكل حساسيته، وإن لم نعرف وزنه وموسيقاه بلغته الأم".
وتضيف: "اجري خفيفة، يا حياة لا تحس، يا جدولا في سكون ثابت تحت أشجار النسيان، اجري لدنة، يا روحا جاهلة، يا ضوضاء لا ترى أبعد من الأغصان الساقطة، اجري لا مجديا، اجري بلا سبب، يا وعيا خاليا من الوعي، يا بريقا غامضا من بعيد، بين خضرة أوراق لا يعرف من أين أتت، وإلى أين تمضي، اجري، اجري، ودعيني أنسى".
جاء على الغلاف الأخير للكتاب: "في مشواري معك، اختلفنا واتفقنا، كما يجدر بزمنين متباعدين، وثقافتين متباينتين، ومخلوقين يمثلان الجنس البشري ذكرا وأنثى. لم أكن ندا لك، ولا كنت أستاذي، بالغت في حذري خشية السقوط في أتون ضجرك واغترابك، لكنني أحسست بك، وقطعا أنت ساعدتني؛ لقد لمحت ضوءا دلني على الدرب الذي قادني إلى ذاتي، فهمت عن نفسي أكثر مما كنت أعتقد، بحت، وتخففت، وتحررت من ثقل نفسي وفكري العميق، وانتهزت الفرصة لأقول ما لا يتاح لي قوله في جمع، أو على منبر، أو في الفضاء الواسع للنشر الورقي والإلكتروني. منحني كتابك حيزا لتفحص تأملاتي وتفكيري، واستدعاء الأماكن، والأحداث، والأشخاص الذين ساهموا في تكوين هذه الأنا التي هي أناي، ورغم أن حزنك بدا غولا قادرا على سحق عظامي، فإنه كان المحيط الذي سال فيه نهر أحزاني، كأني تطهرت من وجع خفي يسكنني؛ عدت من كتابك برفيق وصديق، متصالحة مع ذاتي، ولم ينقص افتتاني بفنك وبك، ذرة".
جدير بالذكر أن "اللاطمأنينة" يعد أحد أهم الأعمال في الأدب البرتغالي والعالمي، وهو يعكس تأثير بيسوا كأحد رواد الحداثة. ويتماشى الكتاب مع التيارات الفلسفية الوجودية التي كانت سائدة في القرن العشرين، ويمكن مقارنته بأعمال كتاب مثل: "كافكا" أو "كامو"، لكنه يتميز بنكهته الشخصية الفريدة.
يذكر أن سميحة خريس أصدرت في مجال الرواية: «رحلتي» (1979)، «المد» (1983)، «شجرة الفهود- تقاسيم الحياة» (1994)، «شجرة الفهود- تقاسيم العشق» (1997)، «القرمية» (1999)، «خشخاش» (2000)، «الصحن» (2003)، «نارة- إمبراطورية ورق» (2005)، «دفاتر الطوفان» (2007)، «الرقص مع الشيطان» (2008)، «نحن» (2009)، «يحيى» (2010)، «بابنوس» (2014)، «فستق عبيد» (2018)، «بقعة عمياء» (2019)، «كايميرا» (2022). وصدر لها في القصة القصيرة: «مع الأرض» (1976)، «أوركسترا» (1996)، «دومينو» (2009). حولت عددا من رواياتها إلى دراما إذاعية، منها «خشخاش» و«القرمية» و«شجرة الفهود» و«يحيى» و«دفاتر الطوفان»، إضافة إلى إعدادها سيناريوهات مستقلة عديدة، منها: «في العمارة» و«في المطار» و«أهل الهوى». كما حولت كلا من روايتيها «شجرة الفهود» و«دفاتر الطوفان» إلى سيناريو درامي تلفزيوني، وأنتجهما المركز العربي. وقد ترجمت «دفاتر الطوفان» إلى الإسبانية (2007)، وإلى الألمانية (2010)، وترجمت «الصحن» إلى الألمانية (2011). وفازت خريس بجوائز أدبية وثقافية عربية عدة.
|