|
القاهرة 16 يوليو 2026 الساعة 07:56 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
لا أعتقد أن أحدنا ينكر أن ديكارت هو الذي أسس فلسفة الشك، وفي ذلك يقول :
"إننا نلاحظ كيف يختلف الناس في أفكارهم وآرائهم، وكيف تخدَعُنا الحواسُّ في كثيرٍ من الأحيان، فيبعث الشيء الواحد شتَّى الصور في الظروف المختلفة، مما يتعذَّر معه معرفة أي هذه الصور الذهنية صحيح مُطابق للواقع، وأيُّها خطأ وباطل. فإذا كان العقل البشري بحُكم تكوينه مُعرَّضًا للخطأ. وإذا كانت الحواسُّ بطبيعة تركيبها خادعةً لا تؤتمَن فيما تنقله إلينا من عِلم. فليس لنا بدٌّ من الشك في أحكام العقل، وفي الآثار الحسِّية جميعًا. لا نستثني من هذه أو تلك شيئًا حتى ما يبدو منها بديهيًّا لا يحتمِل الرَّيب … فنحن نعلم فيما نعلم أنَّ هنالك عالمًا مليئًا بأنواع المادة، فثمة سماء وماء وأشجار وأحجار وصنوف من الحيوان والنبات، ولكن أليسَتْ هي الحواسُّ التي أنبأتْنا بوجود هذه الطبيعة بكلِّ ما فيها؟ فلنشُكَّ في وجودها إذن لأنَّ الحواس غاشَّة خادعة".
ثم يصل إلى الجزء الأكثر تطرفا عندما يقول أننا عرفنا بوجود الله بالعقل، وها نحن قد شككنا في كل الحواس، فبالتالي هو يشك في وجود الله.
ويستطرد ديكارت نفسه:
"نعم إني مهما ألححتُ في الشك فلن أشكَّ في أني أشك، ولمَّا كان الشكُّ ضربًا من ضروب التفكير، إذن فلستُ أستطيع الشكَّ في أني أفكر، وبديهي أنني لو لم أكن موجودًا لَما شككتُ أو فكرت، فما دمتُ أفكر فأنا موجود".
وهكذا وضع ديكارت هذه القاعدة: «أنا أفكر فأنا إذن موجود.» واتَّخذها أساسًا أقام عليه فلسفته بأسرِها، فمن وجود نفسه أثبت وجود الله، ومن وجود الله أثبت وجود العالم الخارجي، كما سترى فيما بعد.
ولنتتبع فلسفة ديكارت وبدايتها ، فهو يعرف الفلسفة بأنها تعني دراسة الحكمة، ويضيف أن الحكمة هنا ليست الفطنة بل المعرفة الكاملة بكل ما وسع الانسان معرفته، ثم يقسم تلك المعرفة:
«إن قسمها الأول الميتافيزيقا، وهي تشتمل على مبادئ المعرفة التي منها تفسير أهم صفات الله وروحانية نفوسنا وجميع المعاني الواضحة المتميزة الموجودة فينا، والقسم الثاني العلم الطبيعي، وفيه — بعد أن نكون وجدنا المبادئ الحقة للماديات — نفحص عن تركيب العالم على العموم، ثم على الخصوص عن طبيعة عن طبيعة هذه الأرض وجميع الأجسام … وبالأخص عن طبيعة الإنسان، حتى يتسنَّى لنا استكشاف سائر العلوم النافعة له، وعلى ذلك فالفلسفة كلها بمثابة شجرة، جذورها الميتافيزيقا، وجذعها العلم الطبيعي، وأغصانها باقي العلوم، وهذه ترجع إلى ثلاثة كبرى، أعني الطب والميكانيكا والأخلاق، أي أعلى وأكمل الأخلاق التي تفترض معرفة تامة بالعلوم الأخرى، والتي هي أخرت درجات الحكمة … كما أنه لا يُجنى الثمر من جذور الأشجار ولا من الجذع بل من أطراف الأغصان، فكذلك تتعلق المنفعة الرئيسية للفلسفة بمنافع أقسامها التي لا تتعلم إلا أخيرًا».
وهنا لا يختلف ديكارت عن الفلاسفة الأوائل في نظرتهم للفلسفة بأنه العلم الكلي، والعقل عنده هو الجزء الأهم والعمل هو الفعل الأسمى والغرض منه ضمان رفاهية الانسان.
ومنهج ديكارت في الفلسفة يعتمد علي اربع قواعد عملية :
القاعدة الأولى: "أن لا أسلم شيئًا إلا أن أعلم أنه حق"، ولهذه القاعدة معنى غير المعنى الظاهر الذي يتبادر إلى الذهن، فإن ديكارت يريدنا ألا نسلم شيئًا إلا أن نعلم أنه حق بالعلم الذي يعنيه، وهو الإدراك بالحدس المباشر وبالحدس غير المباشر أو الاستنباط، وهذا يقضي بأن نقصي من دائرة العلم، ليس فقط جميع الوقائع التاريخية، بل أيضًا كل معنى يستلزمه تفسير الظواهر الطبيعية ولا نتمثله أو نتخيله.
القاعدة الثانية: "أن أقسم كل مشكلة تصادفني ما وسعي التقسيم وما لزم لحلها على خير وجه " بمعني أن نذهب الي المركب البسيط ومواده الأولية ، أي مما هو تابع لغيره ومعقول بهذا الغير إلى ما هو مستقل بنفسه ومعقول بذاته، أي التحليل
القاعدة الثالثة: «أن أسير بأفكاري بنظام، فأبدأ بأبسط الموضوعات وأسهلها معرفة، وأرتقي بالتدريج إلى معرفة أكثر الموضوعات تركيبًا، فارضًا النظام حتى بين الموضوعات التي لا تتالى بالطبع»، وهذه قاعدة التركيب بعد قاعدة التحليل، ولها فرعان: الأول التدرج من المبادئ إلى النتائج، والفرع الثاني هو افتراض النظام حين لا يتبين نظام الحدود، ثم استخراج النتائج بالطريقة التركيبية المذكورة.
القاعدة الرابعة: «أن أقوم في كل مسألة بإحصاءات شاملة، سواء في الفحص على الحدود الوسطى أو في استعراض عناصر المسألة، بحيث أتحقق أني لم أغفل شيئًا»، هذه القاعدة تمكن من تحقيق القاعدة السابقة، فإنها ترمي إلى استيعاب كل ما يتصل بمسألة معينة، وترتيب العناصر التي يتوصل إليها، وهي تفيد في التحقق من صدق النتائج التي لا تستنبط رأسًا من المبادئ البينية بذاتها.
|