|
القاهرة 15 يوليو 2026 الساعة 09:50 ص

بقلم: محمد عطية محمود
3- وطن سعيد بكر المفقود
تبدو العلاقة الوطيدة بين الوطن ومفرداته الدالة على وجوده من خلال العملية الإبداعية كملمح هام من الملامح التي تميّز العلاقة بين المبدع ووطنه، ولعل أقرب ما يربط الإنسان عامة بوطنه هو رمز الأم، اللصيق بمعنى الحياة من جهة، وهو الذي يضرب بجذوره في صميم معنى الوطن من الجهة الأخرى، حيث تتعدد صور الأم بتعدد المدلولات الحسية والواقعية ومن ثم الجمالية الواقعة تحت تأثير هذا المعنى الأشمل والأكبر الذي يشعل جوهر العلاقات بين الأصول والجذور، سواءً بعلاقات طبيعية تتجلى فيها صور التفاني والعطاء المتبادل أو أخرى سلبية خارجة عن السياق الطبيعي لهذا السلوك الفطري الضارب في صميم الوعي بقوة..
ذلك المحتوى الضمني الذي يحيل العلاقة بين الرمز في الأم، والمرموز إليه في الوطن، إلى إشكالية جدلية تدعو إلى سبر غور هذه العلاقات الأزلية.. ومن خلال ارتباط بزمان ومكان مخاتلين تنكسر بينهما الحدود، لتشعل في فضاء السرد جوا سرمديا عصيا على التحديد، ولكنه ينطلق في فضاء النص ليشعل تلك الحيرة وتلك السديمية التي تبرز إلى حد كبير عمق المأساة أو الارتباط طردياً أو عكسياً؛ مما يطرح ويشعل مفهوم الهوية ويدخله في نطاق هذه العلاقة الشائكة والجدلية بمفهوم الواقع والرمز على حد السواء، حيث تمثل تلك الهوية ملمحاً هاماً تؤدي إليه هذه التراتبية في العلاقة بين ما يبدو من تفاصيل تلك العلاقة الواقعية مع الأم، ويتوازى مع معنى الوطن رمزيا؛ لينتج معنى كبيراً من معاني الهوية المفتقدة. إذ أنه، وبعمومية فن السرد: "هناك تناظر دائم في كل عمل إبداعي بين واقعه وموضوعه، بين بنية شكلية ظاهرة، وبنية موضوعية عميقة, بين اللحظة التاريخية والاجتماعية واللحظة الإبداعية, بين سياقية الجدل الروائي، وسياقية الجدل الاجتماعي"[1]
في نص "في وجه الريح"[2] تبدو العلاقة الضدية بين الابن العائد من محبس غير محدد، وأمه من خلال ما تطرحه افتتاحية النص، عن طريق عملية المخاطبة/ الإخبار التي يقدمها الكاتب بصيغة الجمع الموجهة إلى المفرد/ الأم:
"قالوا في الصباح:
-
رأينا ولدك في طرقات المدينة.. أطلق لحيته حتى صدره.. وعيناه حمراوان يتطاير منهما الشرر.
قالت في صوت مرتعب: هل خرج؟
قالوا: يقولون أنه خرج أمس" ص20
تلوح هنا الملامح الدالة على شراسة الشخصية الخارجة من عتمة سجن/ محبس غير محدد؛ بملامح مختلفة دالة على التغير والتحول في الشخصية وعلاقتها بما يدور حولها في واقعها المحيط، تمهيدا لما يمكن أن يكون عليه شكل العلاقة المتوقعة بين أم وابن، لا يلوح منهما إلا ظلال وجودهما الواقعي التأثير.
"زامت الريح في الخارج.. احتكت بالنوافذ.. حاولت أن تنفذ من خصاص النافذة الضيق.. جابهها سطح الزجاج الأملس... فصفرت وعادت لتفر إلى الخارج من جديد. إثر كل لطمة للهواء الثائر ينخلع قلبها.. وتصورت آلاف الأيدي تطرق بابها الخشبي المتداعي.. تريد أن تجتثه.. تلقيه في وجه الريح فتحمله إلى بعيد.. بعيد." ص20
إلا أن الانتقال من حالة التأثير إلى حالة التأثر، من خلال المكان الذي يفرض النص تفاصيله وتحديده، وتشعلها حركة الريح التي تلعب دورا بارزا ومحركا للحدث الواقعي/ السردي، على مدار النص، تنقل توترا شديد التعقيد وسريع التطور، يعكس توتر العلاقة بين الأم وابنها من جهة، وبين مدلولات الحياة ومفرداتها وبينهما من جهة أخرى، ويؤكد على هذه العلاقة الضدية، المعاكسة لمفهوم الأم/ الوطن التي لا تني تتوقف عن احتضان أبنائها، ولكن الحالة هنا تفرض تداعياتها ومفرداتها الخاصة ذات الإيقاع السلبي الموغل في تقديم صورة بشعة من صور العقوق الذي لا تجدي معه العودة المثيرة للخوف والقلاقل:
"سيأتي حتما.. لفظته المدينة.. لن يجد ركنا يؤويه.. سيطرق بابي في أي لحظة.. سأصفعه على وجهه وأطرده.. لن يدخل حجرتي هذا العاق.. عوت الريح في الخارج.. اهتزت ذبالة الضوء.. ارتجفت" ص22
تنقل الريح المتشابكة مع أمن هذه المرأة المتمثل في بصيص الضوء الذي ينير وحدتها، هنا فضاء الحالة من خلال التعامل مع صيغة الاستباق التي تعمل على غربلة النفس القلقة المتوترة المشغولة بهاجس هذا الابن العاق، إلى العودة مرة أخرى إلى اللحظة الآنية التي تعيشها الأم، تحاول فيها دفع إحساسها بالحنين الكامن للابن وإن كان عاقا، لتجسد مدى فداحة الجرم الذي أحدثه وتسبب في غيابه واحتباسه، مع الجرم الذي أحدثه هذا الغياب أو التغييب عن واقعها الذي ربما كانت هي في مسيس الحاجة لجواره وعونه، لتعود بعد ذلك تستحلب طعم الأيام التي كان فيها إلى جوارها:
"عمّ ظلام تخللته أشعة الذبالة المحتضرة الأنفاس.. حاولت أن تغلق عينيها وتستسلم للنوم .. كانت الريح في الخارج شديدة.. فجافاها النوم حتى الصباح" ص23
تتماهى هنا الأم مع الذبالة/ الشعلة التي تحتضر في تواز رائع من توازيات النص التي تسير جنبا إلى جنب؛ لتعطي جماليات مميزة من جماليات النص القصصي القائم على شاعرية الأداء التي تعطي مساحات أكبر للتأويل.. ذلك المتسع الذي يعطي فراغا دالا على عمق العلاقة بين الأشياء وظلالها، ومن ثم توسيع نطاق الرؤية التي يريد بها الكاتب تجسيد صورة من صور الوطن في حالات ضعفه وخواره، وليس أدل من هذه الرمزية الشفيفة الدالة على الربط بين معنى الأمل الخابي في رمز المرأة العجوز التي تحتضر مع احتضار هذا الأمل في بصيص من النور..
"تنهد من جديد.. لم ينبس.. عاودت تقول مرة أخرى:
قال بصوت مشروخ:
-
تضورت جوعا في طرقات المدينة.
قالت وهي تجلس إلى حافة الفراش:
-
هل تصورت أن تجد عندي شيئا تأكله؟
رسم ابتسامة مقيتة على شفتيه وقال:
-
أنت أمي .. وأنت أرحم الناس بي.
لوّحت بيدها:
-
هراء.. هل راعيت أنت أمومتي؟" ص24
من خلال الحوار تنعكس حركة الشد والجذب التي تحكم العلاقة الجديدة بين الأم والابن الذي فقد هويته بفقده لأسباب التواصل والانتماء لهذه الأم التي نال منها الزمن، لتنتقل التيمة هنا إلى تيمة صراع بين ضدين على هذا الميراث المشترك، وهو البيت بما يمثله كرمز من رموز ديمومة معنى الوطن، فالبيت وطن صغير، والوطن بيت كبير لكل أبنائه! ليكون الصراع مريرا يأتي على الأخضر واليابس ويجعل العلاقة تسير في طريق مسدود، تأصيلا لمبدأ الرفض الذي تجابه به المرأة سطوة الشر على ابنها، ليكون الصراع هنا على الهوية التي يريد أن يغتصبها الابن رغما عن أمه، في مشهد مؤثر يختتم به النص:
"في لمح البصر نهض من فوق المقعد في غضب هائل.. وخطف المقعد بيده وعلى امتداد ذراعه طوحه في فراغ الحجرة ليصطدم بالدولاب........ غامت الأشياء في عينيها.. تداخلت الأشياء .. طالت لحيته.. التف حول عنقها أكثر.. ضغطت .. رفعت يديها في الهواء.. تختنق حاولت أن تنبش.. أظلمت الحجرة.. كانت عيناه الميتتان ترنوان إلى تصدع ما في صدرها... وهوت... وكانت الريح في الخارج خامدة." ص30
هذا التمازج بين عناصر الصورة التي اختزلت الزمن في هذه اللحظة الكابوسية التي عانقت فيها الأم/ الحالة السردية الموغلة في الرمز الدال على معنى/ صورة من صور الوطن في تعامله مع نموذج من نماذج أبنائه العاقين، والذي يتوازى ـ كما أسلفنا مع الريح/ الخطر، الذي يتهدد هذا الأمن وهذا الكيان؛ لترتهن هنا قضية الهوية بهذه النظرة الشوفينية التي يرى الابن من خلالها العالم، وليس من منطلق ارتباطه بأمه/ وطنه.
[1] صالح سليمان عبد العظيم: سوسيولوجيا الرواية السياسية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 1998،ص:54
[2] تحت أقدام رمسيس ـ مجموعة قصصية ـ مطبوعات نادي القصة ـ قصر ثقافة الحرية ـ العدد الأول
|