|
القاهرة 14 يوليو 2026 الساعة 10:44 ص

قصة: محمد مبارك
دخل إلى بهو الفندق مسرعًا، سحب الكرسي ليجلس وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه. قالت له: لماذا تأخرت؟! لقد انتظرت كثيرًا. تنهد قليلًا ثم قال: أخرني الزحام، يحبسني دائمًا داخل نفسي، يعاقبني بساعاتٍ ضائعة. قالت بصوت خافت: ما زال الزحام يهزمك، لماذا لا تستسلم له؟! قال: لا أريد أن يجعلني مثلهم فاقدًا للزمن، بوجه بلا ملامح، وروح تتآكل في صمت. بدت عليها علامات الارتياح وقالت له: المهم أنك أتيت، كما تفعل دائمًا مهما تأخرت..
نظرَ إليها وقال متعجبًا: يبدو أنكِ ظننتِ أني لن آتي هذه المرة بسبب ذلك التأخير الكبير! ردت بنبرة واثقة وقالت: أعلم أنك ستأتي، راهنت بقلبي ولن أخسر الرهان! نظر حوله في أرجاء المكان وقال لها: لماذا هذا المكان كل مرة؟! ارتبكت وقالت بصوت حزين: به ذكريات من الماضي، سنوات من محاولات عبور الألم. قال بصوتٍ حزين: لكن الماضي كالسجن، وأنتِ الآن أفضل حالًا، جربي النسيان! ردت بنبرة يائسة: جربته كثيرا، لكنه كالفخ الكبير، يخدعك فتشعر أنك هزمت الماضي، لكنه يترك بداخلك جروحًا لا تشفى. هز رأسه ثم قال: نعم، أنتِ مُحقة، لا نملك إلا أن نتناسى..
حاولت أن تُغير الموضوع فقالت له: هل ما زلت لا تحب مدينتا؟! سكت قليلا ثم قال: أحاول أن أحبها منذ أن جئت إليها، على الأقل تعودت أن أكون حبيسًا داخل أسوارها العتيقة. أشارت إليه بيدها وقالت: لكنك ما زلت تقاوم الرغبة في الرحيل. حاول أن يهرب من الإجابة، لكنه استسلم وقال: نعم أقاوم، فلا أريد أن أخسر معركة أخرى، يكفي سنوات من الهزائم! قالت بدهشة: وما الدافع هذه المرة؟! قال بصوتٍ جاد: أنتِ، أنتِ الدافع والغاية، بل كل شيء لي الآن. ابتسمت له وقالت: لقد تغيرت كثيرًا، يبدو أنك تيقنت أنه لا مفر. رد بنبرة حاسمة وقال: لا يهم فقد وجدت ما أبحث عنه. نظرت إليه نظرة ماكرة ثم قالت: وما الذي كنت تبحث عنه؟! ضحك قليلًا ثم قال: هكذا أنت دائمًا، تحبين وضعي في اختبارات. نظرت في عينيه وقالت: لكن هذه المرة لن تخذلني النتائج أبدا!
سكت لثوانٍ ثم قال لها: أصبحتِ أكثر نضجًا، يبدو أنكِ تعبتي كثيرا للوصول لتلك الحالة. ردت بصوت خافت: ضربات الزمن كانت قاسية، لكنها بعد أن تتوقف، أجد نفسي بصحبة درس جديد لأتعلم منه. سادت لحظات من الصمت كأن عقله غارق في بحرٍ من الأفكار ثم قال: ما شعورك كلما نظرتِ في المرآة؟! ظهرت على ملامحها علامات الحزن، وقالت: على الرغم رغم من أن بعضًا من الشعر الرمادي قد بدأ يزحف إلى رأسي وهو ما يزعج أي امرأة، لكنني لست كأي امرأة. إن ما يزعجني هو جفاف المشاعر، وتوقف القلب عن الحب. بدا متعجبا من ردها وقال: وهل ذلك يظهر في المرآة؟! قالت بنبرة جادة: نعم، حينما تقف أمام المرآة فلا ترى وجهك!
أغمض عينيه قليلا كأنه يتأمل ثم فتحهما وقال: لقد جربت ذلك من قبل، لكن القدر كان كريمًا معي حينما وضعكِ في طريقي. أشارت بيدها ثم قالت: لأن طريقنا واحد، لكن الحزن هو من يضع لنا العوائق ليُخرجنا عن المسار، فلا نفهم الإشارات. ابتسم لها وقال: وأنا منذ أن التقينا أصبحت لأول مرة أفهم الإشارات وأجيد تفسيرها. ضحكت وقالت: وها هي مهارة جديدة منحتكَ إياها مدينتا الصغيرة!
نظر في ساعته ثم قال: لقد سافر بنا الكلام، نسيت حتى أن أخبركِ كم أن هذا اللون الجديد رائع. ابتسمت ابتسامة عريضة وقالت: بالفعل، أول مرة أرتدي هذا اللون، كعادتكَ مهما يحدث فإنك لا تغفل عن التفاصيل. وضع يده على يدها وقال بحماس: أعدُك ألا أتأخر في المرة القادمة، سأحضر حتى قبل الموعد، وربما سأكون أول من يحضر إلى المكان. وضعت يدها الأخرى على يديه وقالت: نعم سنلتقي، ثم سكتت فجأة لعدة لحظات. شَعرَ أنها تريد أن تقول شيئا، فلم يتكلم. نطقت فجأة لتكمل جملتها وقالت: في الموعد نفسه، لكن في مكانٍ آخر! بدت عليه علامات الذهول وقال: حقا! اختاري إذًا المكان الجديد وأخبريني به. قالت بسرعة دون تردد: لا، بل أنت من سيختار المكان ويخبرني به.
ظهرت على ملامحه علامات السعادة وقال لها: هل هي بداية جديدة؟! حركت رأسها ثم قالت: أدركتُ أخيرًا حاجتي إلى مكانٍ جديد، تُولد فيه قصتنا بعيدًا عن عواصف الماضي، وننطلق منه لنكمل الطريق معًا..
|