|
القاهرة 14 يوليو 2026 الساعة 10:36 ص

بقلم: ضحى محمد السلاب
انتشرت في أوروبا، منذ نهاية القرن التاسع عشر، ما يُسمّى بـ"الكاميرا الصندوق" (Box Camera)، لتوثّق الحياة العائلية اليومية كما هي داخل البيوت، دون مؤثرات؛ حيث الأطفال، والأصوات، وأجواء التوتر، وكذلك اللحظات التي تبدو عادية، لكنها مع الزمن تتحول إلى ذاكرة كاملة لجيل بأكمله.
وكذلك في فيلم «القصص»، من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، رأينا مصر منذ لحظة النكسة وحتى منتصف الثمانينيات (1984)، عبر عدسة أسرة مصرية بسيطة. يبدأ الفيلم .أوبريت «الوطن الأكبر»، حاملًا رسالة وحدة تلك العائلة والعائلة الأكبر.
وبين التاريخين (1967-1984)، تأتي فصلات مونتاجية منفصلة ومتصلة، تخبرنا عن تغير الزمن واللحظة، واحدة بعد الأخرى، وعدم تغيّر الوضع عمومًا.
يحكي الفيلم قصة أسرة من الطبقة المتوسطة تقطن حي العمرانية بالقاهرة، مكوّنة من الأم «فيروز»، التي تقوم بدورها الفنانة نيللي كريم، والتي تقدّم دورًا يقترب من دورها المذهل في مسلسل «ذات»، والأب «راغب»، الذي يقوم بدوره الفنان أحمد كمال، وثلاثة إخوة تتقارب أعمارهم، لكل منهم أحلامه، وسط عائلة أكبر من الرجال الذين تناهت أحلامهم الواسعة إلى البقاء على أمل وحيد، هو حصول نادي الزمالك، الذي يشجعونه، على البطولة.
وفي مقابل الأحلام والأوهام التي تقضي بها العائلة الكبيرة، نجد أحمد، الابن الأكبر، الذي يقوم بدوره الفنان أمير المصري، في هذه العائلة، عازف بيانو شابًا لا ينتمي إلى زمنه، حيث يختار عزف المقطوعات الكلاسيكية صعبة التعلّم والاستماع. وتقبل فتاة نمساوية تُدعى إليزابيث، تقوم بدورها الفنانة النمساوية فاليري باشنر، مراسلته.
ولا يمكن أن نتغافل عن الاختيارات التمثيلية في الفيلم، مثل خالد مختار (في دور شرف)، وأحمد الأزعر حسن، أو (حسانوف)، شقيق أحمد (أمير المصري) التوأم، وعمرو عابد (لولو)، وكريم قاسم (شمس)، صديق أحمد، وكذلك شقيقا راغب: شريف الدسوقي (مرعي)، وصبري فواز (حمادة)، وحسن العدل (مذيع التلفزيون).
ينطلق الفيلم من لحظة 1967، لا بوصفها حدثًا منجزًا، بل كبداية زمن طويل من الارتباك وإعادة التكيّف. فالهزيمة لا تُعرض كواقعة سياسية، بل كأثر ممتد يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية دون خطاب مباشر، لتتحول إلى ما يشبه "الظل التاريخي" الذي يرافق الشخصيات دون أن تراه بشكل مباشر، حيث يجعل الفيلم التحولات الوطنية جزءًا من التكوين النفسي للشخصيات، بحيث تصبح الحروب وما نتج عنها من انتصار أو هزيمة عنصرًا فاعلًا في تشكيل حياة هذه الأسرة، والتغيرات الاجتماعية التي طرأت عليها.
وفي رأيي، فإن الأمر قريب من تصور الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين للتاريخ بوصفه زمنًا غير خطي، تتجاور فيه الكارثة مع الحياة اليومية دون أن تلغي إحداهما الأخرى. ففي «القصص»، لا ينتهي الماضي، بل يستمر كحالة ممتدة من الوجود، حيث يُعاد إنتاجها في كل لحظة معيشة جديدة.
حيث جرى تمثيل السياسة في صورة "ظل يعيش داخل النفس"، فنرى أن الهزيمة لا تُختزل في بلاغات عسكرية أو لقطات للدبابات، بل تصبح "طاقة معطلة" أو "ارتباكًا" يتسلل إلى العلاقة بين أفراد الأسرة، وصراخ الأطفال، وأزمة الهوية داخل البيت. وبناءً على أحداث الفيلم، فإن الكارثة (لحظة 1967) لا تقع "هناك" في جبهة القتال فقط، بل يُعاد إنتاجها في تفاصيل الحياة اليومية لهذه الأسرة.
-
العائلة.. نموذج مصغر للوطن
تتجلى العائلة في الفيلم باعتبارها نموذجًا مصغرًا للوطن، كبنية اجتماعية تتوزع فيها الأصوات دون مركز واحد مهيمن. فالأب يمثل القلق من السلطة، والأم تمثل العاطفة، بينما يعكس الأبناء مسارات فردية متباينة لأحلام وطموحات الشباب في مواجهة الزمن.
وتمثيلًا لمعنى التضحية من أجل الوطن، استُشهد شقيق أحمد (حسانوف) في حرب أكتوبر 1973، وكان ضمن سلاح المظلات، وليس مترجمًا في الجيش كما كان يخبرهم دائمًا في خطاباته حتى لا يقلقهم. وفي ذلك الوقت، كان أحمد قد سافر إلى النمسا لكي يلتقي بحبيبته بالمراسلة «إليزابيث»، ويحقق حلمه في أن يصبح عازف بيانو مشهورًا، وقد بدأ التدرب بالفعل على يد عازف بيانو، لكنه لم يتمكن من البقاء هناك، وعاد سريعًا عندما علم باستشهاد شقيقه في الحرب.
-
الموسيقى والرياضة بوصفهما لغتين بديلتين للسياسة
تمثل الموسيقى، وبالتحديد البيانو، أحد أهم الرموز المركزية في الفيلم. فاختيار أحمد لعزف البيانو، كموهبة ورثها من عمه حمادة، الذي كان يعمل عازفًا في فرقة أم كلثوم، يحمل دلالة على السعي إلى الجمال والانسجام في عالم مضطرب. ويصبح البيانو رمزًا للحلم الشخصي، وللقدرة على التعبير الحر، بينما تتحول الصعوبات التي تواجه البطل إلى تعبير عن الصدام المستمر بين إحساس الفنان وقسوة واقعه الاجتماعي والسياسي.
لذا نرى عمه حمادة في كل المشاهد مرتديًا بدلة، حتى وهو على فراش الموت. وتأتي لحظة الصدام مع انتشار أغنية «زحمة يا دنيا زحمة» لأحمد عدوية، بالتزامن مع مشهد موته على الفراش، في دلالة رمزية على انتهاء عصر الموسيقى الكلاسيكية التي تعبر عن المشاعر والأحاسيس، وبداية عصر الأغنية الشعبية التي تصف الشارع المصري ببساطة.
وبالمثل، تتحول كرة القدم وتشجيع نادي الزمالك إلى خطاب اجتماعي موازٍ، يعكس الحالة النفسية الجمعية، حيث تتقاطع الانتصارات والهزائم الرياضية مع الإحساس العام بالنجاح والإخفاق داخل المجتمع.
-
صورة الفيلم.. فرصة للتأمل
يعتمد الفيلم على لغة هادئة، ما يمنح المشاهد فرصة للتأمل في التحولات النفسية للعائلة. كما أن إعادة بناء الفترات الزمنية المختلفة، سواء من خلال الديكورات أو الأزياء أو قصات الشعر، أعطت إحساسًا حقيقيًا بالحياة والأماكن في تلك الفترة، وكأن المشاهد ارتدى نظارة واقع افتراضي (VR)، فيجد نفسه يسير في شوارع السبعينيات والثمانينيات، ويتنفس أجواءها، ويتحرك بين تفاصيلها، وكأنه جزء من الحكاية.
في الفيلم، تتحول الأزياء من عنصر بصري مكمّل إلى أداة سردية دقيقة تنقل المشاهد عبر زمن ممتد من 1967 إلى 1984. حيث نجحت ريم العدل في تحويل هذا الامتداد التاريخي إلى عالم حي، عبر تصميمات تراعي الفروق الدقيقة بين ثلاث حقب متباينة، دون الوقوع في فخ الاستعراض أو التوثيق الجامد.
فمنذ البدايات، في صيف 1967، تعكس الأزياء حالة الانغلاق الاجتماعي وضغط اللحظة التاريخية، عبر ألوان هادئة وخامات تقليدية وقصات محافظة. ومع الانتقال إلى السبعينيات، تبدأ التحولات تدريجيًا؛ فتظهر مرونة أكبر في التصميم، وتتنوع الألوان، في موازاة تغيرات المجتمع وانفتاحه النسبي. أما الثمانينيات، فتأتي بأزياء أكثر جرأة وحداثة، تعكس تحولات جيل كامل عاش بين الحلم والانكسار.
فلا تكمن قوة تصميمات ريم العدل فقط في تأريخ الزمن، بل في تعميق الشخصيات؛ فملابس أحمد (أمير المصري)، على سبيل المثال، تتطور بصريًا بما يوازي رحلته من الطموح إلى النضج، بينما تعكس أزياء ليز النمساوية تباينها الثقافي وانفتاحها، دون أن تنفصل عن السياق المصري. وهنا تصبح الملابس امتدادًا داخليًا للشخصيات، تكشف تحولاتهم النفسية والاجتماعية دون تصريح مباشر.
والأهم أن هذا الانتقال بين العقود الثلاثة جاء سلسًا، ما يعكس وعيًا كبيرًا بدور الأزياء في دعم السرد لا قطعه، فلم يشعر المشاهد بحدود زمنية حادة، بل بانسياب طبيعي يجعل الزمن جزءًا من التجربة الشعورية.
بشكل عام، قدّمت ريم العدل في «القصص» نموذجًا ناضجًا لتصميم الأزياء كذاكرة بصرية حية، وكسرد موازٍ يترجم المكتوب إلى صورة نابضة، مؤكدة أن الملابس يمكن أن تكون أحد أهم مفاتيح فهم الفيلم، لا مجرد تفصيلة جمالية على هامشه.
-
الجسد كأرشيف يوثّق ملامح الزمن
يقدّم الفيلم الجسد بوصفه مساحةً تُكتب عليها آثار الزمن، أكثر من كونه فاعلًا مستقلًا. فالشخصيات لا ترث المكان فقط، بل ترث أيضًا أشكال القلق والعجز والتردد، بما يجعل الجسد امتدادًا للتاريخ لا خارجًا عنه.
وهو ما يتفق مع رؤية الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر، التي ترى أن الجسد يُنتَج داخل شروط اجتماعية وسياسية، ولا يمكن فصله عنها. ففي «القصص»، يصبح الجسد سجلًا غير مكتوب للتاريخ، تتجلى فيه آثار الزمن بصمت واستمرارية. ونرى ذلك تحديدًا في التحول الذي حدث لـ«لولو»، من شاب بلطجي و طائش في بداية عمره إلى موظف بسيط وقد فقد أحد ذراعيه، ونرى تحول ملامحه من اللامبالاة والعبث الشديد إلى الاتزان والهدوء التام المصحوب بالانكسار.
وطبقًا لرؤية «بتلر»، فإن الأجساد لا تولد بمعزل عن الخطاب، بل يتم تشكيلها وإنتاجها وإكسابها شرعية الوجود أو الإقصاء داخل شروط مؤسساتية وسياقات سلطوية قاهرة. فالجسد في الفيلم يتحول إلى «سجل مادي غير مكتوب»، يوثّق حركة التاريخ بصمت واستمرارية عبر حركة الأطراف، وتغيّر الملامح. ومن ثم، فإن تمثلات التحول البنيوي في شخصية «لولو» تبرز آلية التحول من «شاب بلطجي طائش» إلى « موظف بسيط مبتور الذراع»، كما ذكرنا.
-
أهمية توثيق اليأس لدى المجتمع المصري
كما يكتسب الزمن نفسه وظيفة رمزية داخل العمل. فانتقال الأحداث بين مراحل تاريخية مختلفة لا يهدف فقط إلى التوثيق لحقبة معينة، بل يعكس حالة اليأس والإحباط، ولحظات التوتر والخوف التي عاشها المجتمع المصري خلال تلك السنوات.
-
لحظات المجد ما بين (الفوز وصورة مع الرئيس)
لم يحقق البطل أحلامه إلا يوم فوز الزمالك بالبطولة الأفريقية عام 1984؛ فقد تزوج من حبيبته إليزابيث، وعاشت معه في منزله وأنجبت منه ولداً، وعزف أمام الرئيس محمد حسني مبارك في حفل نقلته الإذاعة المصرية والتقط صورة تذكارية معه، ومن شدة فرحته وتوتره أثناء اللقاء، ناداه بـ«أستاذ» بدلًا من «سيادة الرئيس».
وعندما عاد إلى منزله، أخبر زوجته أن كل شيء ممكن، أن تحقيق الأحلام ممكن حتى وإن جاء وقته متأخراً . وهو ما نلاحظه عندما وضعت زوجته يدها على رأسه، التي أصابها الصلع مع تقدم العمر ومرور السنين، وأخبرته بفخر وحب وامتنان أنها ستضع الصورة في برواز وتعلّقها في منتصف الحائط بالصالة.
أما كون العائلة تشجع نادي الزمالك، فإن رمزية هذا الربط لم يُقصد بها الزمالك كنادٍ، بقدر ما يُقصد بها المشجعون الذين تنكسر أحلامهم وطموحاتهم، ولا تتحقق لهم الانتصارات إلا قليلًا. لذا نرى «شرف»، شقيق أحمد، بالرغم من أنه لم يتمكن من تحقيق حلمه كلاعب في النادي ، إلا أنه تمكن من العمل في غرفة الملابس.
في النهاية نجح الفيلم "القصص" في الاعتماد على منظومة رمزية متماسكة، تجعل من الموسيقى، الحرب، وحتى الرياضة، أدوات لطرح أسئلة الهوية والانتماء.
كما أن فهم الماضي لا يتحقق عبر الوقائع والأحداث التاريخية والسياسية وحدها، بل عبر القصص التي يتركها البشر خلفهم، والتي يمكن أن نرى منها«حدوتة مصرية».
1- موسوعة بريتانيكا ...( britannica)
Judith Butler.... 2026*بتصرف
2- دراسة SARA SALIH
[ On Judith Butler and Performativity]
SOURCE: This chapter was originally part of chapters 2 and 3 in Judith Butler. Copyright © 2002 . Reprinted by permission.*بتصرف
3- ملخص كتاب On the Concept of History
(the Philosophy of History) By Walter Benjamin .. 1940
ترجمة دينيس ريدموند 2005
Available at Walter Benjamin Archive.*بتصرف
4- فيلم "القصص"... هل يروي ما لا يريد قوله؟
حسام الخولي موقع رصيف 22
2026*بتصرف
5- «القصص» .. سيرة عائلة تتسع لوطن كامل ... محمد قناوي
موقع cineegypt*بتصرف
6- فيلم "القصص"... سيرة مصرية للمواطن أولا ... نجلاء أبو النجا... موقع INDEPENDENT عربية*بتصرف


|