|
القاهرة 14 يوليو 2026 الساعة 09:41 ص

حاوره: مصطفى علي عمار
من شوارع المنشية في إسكندرية 1946، حيث كانت الجرائد اليونانية والإيطالية تزاحم العربية على المقاهي، إلى مكاتب هيئة قصور الثقافة بالقاهرة التي منحته 32 سنة من "الغياب المسموح" ليكتب... رحلة إبراهيم عبد المجيد لم تكن مجرد مسيرة كاتب، بل كانت محاولة لاستعادة مدينة ضاعت.
طالب الفلسفة في جامعة الإسكندرية وعاشق نجيب محفوظ، قرر أن يرى العالم من ثقب الوجودية: زمن لا يمر، طرق لا تنتهي، وانتظار لأمل لا يتحقق. فكانت رواياته من "المسافات" 1981 إلى "لا أحد ينام في الإسكندرية" 1996 إلى "32 ديسمبر" 2024 شهادات على اغتراب الإنسان في مكانه.
بدأ بجائزة أولى في القصة 1969 ومقدمة من محمود تيمور "هذا قصاص موهوب"، وانتهى بجائزة النيل 2022... لكنه يقول إن كل رواية جديدة هي الأكثر تعبيراً عنه حتى تأتي التي بعدها.
في هذا الحوار يتحدث عن تأثير الفلسفة على بناء روايته، وعن الإسكندرية التي فقدت جالياتها وملاهيها فصار هو "المدينة الضائعة"، وعن سر بقاء الإبداع شاباً رغم وهن السنين، وعن النصيحة التي يختصر بها 50 سنة كتابة: "القراءة ثم القراءة".
فإلى أي مدى نجح المخرجون في نقل روحه للشاشة؟ وهل الجائزة الأولى كانت أهم من كل جوائز الدولة التقديرية؟ الإجابة في السطور التالية...
-
هل أثرت دراستك للفلسفة في أسلوب كتابتك للرواية؟
كان لدراستي للفلسفة تأثير عظيم في كتابتي. كنت قبل الالتحاق بالجامعة قد عرفت مما قرأت من نقد للآداب، رواية أو شعرا أو مسرحا، الأثر الكبير للفلسفة، والمعاني الخفية وراء الأحداث التي يدركها الناقد أو القارئ الأريب. كذلك كنت عاشقا لنجيب محفوظ ورؤاه الفلسفة في أعماله، وعرفت إنه درس الفلسفة في بداية حياته بالجامعة، فقررت أن أفعل مثله. رغم أن جيلي عمليا في الحياة كان أكثره منتميا إلى اليسار، لكني جعلت الفلسفة الوجودية أو قل هي التي جعلتني، أرى العالم في كتابتي الإبداعية من خلالها. تركت اليسار لمقالاتي. في إبداعي تتجسد الوجودية في مظاهر كثيرة، مثل زمن لا يمر وطرق لا تنتهي وانتظار لأمل لا يتحقق واغتراب في هذا العالم، دون أي حديث مباشر، وغير ذلك كثير.
-
هل كان عملك في قصور الثقافة عنصرا مساعدا في مسيرتك الأدبية أم العكس؟
كان مساعدا جدا لأنه أتاح لي لقاء المثقفين في كل مكان في مصر، والتعارف بهم والنقاش معهم. فضلا عن رؤيتي لقرى ومدن كثيرة في جميع أنحاء البلاد. هذا من ناحية. من ناحية أخرى كنت كثير الغياب من العمل ولا يعاقبني أحد، مما جعلني أجد وقتا كبيرا للكتابة والإبداع.
-
ما تأثيرات نشأتك على ثلاثية الإسكندرية.. وكيف كنت تراها بعين القارئ وليس الكاتب حين صدرت؟
نشأت في الإسكندرية ورأيتها في الخمسينيات وهي مدينة العالم، بها كل الجاليات الأجنبية من يونان وأرمن وأكراد وإيطاليين ويهود وفرنسيين وغيرهم. كنت أراهم وأنا طفل في الشوارع ونتحدث معهم، وأراهم على المقاهي في المنشية يجلسون وفي يد كل منهم جريدة بلغة بلده، فأدركت كيف هي مدينة عالمية. ثم رأيتها وهي تفقد كل ذلك بسبب سياسة الدولة الناصرية من تأميم وغيره وإخراج الجاليات الأجنبية، ثم كيف صارت مدينة سلفية وهابية مع السادات والإخوان المسلمين، ففقدت ملاهيها التي كانت تملأ طريق الكورنيش، وفقد سينماتها التي كانت تملأ الأحياء، وكيف ظهر الفساد والعشوائية في البناء فتدم تدمير بحيرة مريوط والشواطئ والحدائق وغير ذلك. صرت أنا المدينة الضائعة فجاءت ثلاثية الإسكندرية معبرة عن ذلك وغيرها. أردت أن استعيد المدينة الضائعة ولو في الخيال.
-
أكثر من عمل لك تحول لمسلسل درامي، فهل ترى أن تحويل قصصك ورواياتك إلى دراما وفق في نقل روح القصة وفكرتها وعبر عنك، أم عبر عن رؤية مخرج العمل؟ وإلى أي حد نجح المخرجون أو فلشوا في تقديم رؤيتك؟
السينما صورة والرواية لغة وذلك لا أهتم بالنتيجة. الأمر متروك للمخرج وطاقم العمل. هناك أعمال تحولت بشكل رائع مثل فيلم "صياد اليمام" أو مسلسل "في كل أسبوع يوم جمعة" والباقي للأسف وهو قليل، لم يحقق النجاح نفسه، لكن الأمر لا يشغلني. أنا أرفع شعار نجيب محفوظ وهو شعار حقيقي، وهو أنا في الرواية ولست مسؤولا عن ظهورها السينمائي وكيف تم.
-
رواياتك ترجمت للعديد من اللغات فهل رضيت عن الترجمات وكانت موفقة في نقل روح النص والأسلوب؟ وكيف من وجهة نظر نشجع على ترجمة أدبنا، وما نوع الروايات التي يقبل الغرب على ترجمتها؟
الترجمات كانت رائعة لرواياتي، ولاقت ترحيبا في كل لغة تحولت إليها، وكتب عنها الكثير جدا. أما تشجيع ترجمة الرواية فهو الآن يحتاج إلى دعم من الدولة، لأن الترجمة للأدب العربي تتم الآن للأعمال الحاصلة على الجوائز العربية فقط، بينما هناك أعمال أخرى عظيمة. الأعمال الحاصلة على جوائز عربية لا تزيد عن رواية مصرية أو اثنتين كل عام. دور النشر الأجنبية الآن تعتمد على الجوائز لأن هيئة الجائزة تدفع حق المترجم، وليس كما كان يحدث من قبل حين كانت دار النشر هي من تفعل ذلك. ومن ثم نحتاج إلى ميزانية خاصة تتيح ترجمة عشرين عملا كل عام مثلا، فما أكثر الأعمال الرائعة رواية أو شعرا أو فكرا، وهذا ما طالبت وأطاب به دائما. أما عن نوع الرواية التي تتم ترجمتها للغرب ففي هذا حديث طويل، لكن في حالة وجود دعم للترجمة سينتهي هذا الحديث، وتصبح الترجمة لأي رواية مهما كان موضوعها، فالمهم قيمتها الفنية كرواية.
-
حصلت على جائزة نجيب محفوظ، وجائزة الدولة للتفوق والتقديرية، وجائزة ساويرس، وجائزة كتارا، وجائزة الشيخ زايد، وأخيرًا جائزة النيل 2022. ما هي الجائزة اللي كان لها وقع خاص عندك؟ وهل الجوائز تفرق في مسيرة الكاتب أم التقدير الحقيقي عند القارئ؟
الجائزة الأولى في حياتي عام 1969 حين فزت بالجائزة الأولى على مستوى الجمهورية في القصة القصيرة، وتم نشر القصة بصحيفة الأخبار مع مقدمة لمحمود تيمور عنوانها "هذا قصاص موهوب" انفتحت لي الدنيا وأدركت قيمة ما أكتب. الجوائز الأخرى كانت عظيمة كلها ومن بينها جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية عام 1996 لأنها فتحت لي باب ترجمة أعمالي أكثر. الجوائز الأخرى عظيمة وكانت خير مساعد لي في الحياة الصعبة بقيمتها المالية، وساعدتني كثيرا في محنة مرضي منذ سنوات. جائزة النيل وسام أعتز به جدا لأنه تشريف من بلدي ووطني. أما مسيرة الكاتب فهي إذا كان موهوبا حقيقيا، ستكون الجوائز مجرد تشجيع، لكنه سيستمر ولو بدونها.
-
عندك كتاب ما وراء الكتابة – تجربتي في الإبداع الذي حاز جائزة الشيخ زايد. لو تلخص تجربتك في الكتابة على مدار 50 عاما في نصيحة واحدة للكاتب الشاب، ماذا تقول؟
القراءة ثم القراءة في تاريخ الأدب والمذاهب الأدبية. الرواية ليست مجرد حكاية، لكنها بناء فني، ومن ثم من المهم معرفة كيف كان هذا البناء وتطور في المذاهب المختلفة، من كلاسيكية إلى واقعية ورومانتيكية وواقعية اشتراكية وواقعية جديدة وهكذا. يجب أن يعرف الكاتب من أين يبدأ وأين يضع قدمه وكيف.
-
نُشر لكم مؤخرًا ثلاث روايات: قاهرة اليوم الضائع، 32 ديسمبر، سامح الفؤاد. فهل الكتابة والإبداع ليس لهما سن معين؟ وهل تشعر في هذه المرحلة العمرية بتغيّر عن فترة شبابك؟ وهل تتغير طريقة الكتابة نفسها مع مرور الزمن؟
الإبداع يجعلك شابا ولا يعترف بتقدم العمر. أنا مولع بالتجديد في شكل الكتابة منذ بداياتي، واختراق الموضوعات الصعبة، ولا زلت رغم تقدم العمر. الكتابة تتغير بتغير موضوعها ومكانها وزمانها وشخصياتها، وأنا أعيش ذلك. الإبداع جعل روحي شابة رغم وهن السنين.
-
أي الفنين أقرب لقلبك القصة أم الرواية وهل تعتبر نفسك قاصا أم روائيا؟
الاثنان قريبان إلى قلبي ولا أحب التفرقة بينهما. قصصي القصيرة لها في قلبي مكان عظيم، لكن الحديث عن زمن الرواية جل الروايات تتقدم المشهد. أنا ابن المجالين، القصة القصيرة والرواية، وهذا شعوري الدائم.
-
قضيت أكتر من 30 سنة في هيئة قصور الثقافة. ما تقييمك لدور الثقافة الجماهيرية الآن؟ وهل لا زلت ترى أنها قادرة على تخريج مواهب مثل زمان؟
أنا بعيد عنها منذ أحلت إلى التقاعد منذ عشرين سنة، لكن للأسف ما أقرأه عنها يحزنني. فقدت كثيرا من قوتها، لكن المواهب ستخرج منها أو من غيرها.
-
لو تختار رواية واحدة من كل أعمالك تعبّر عنك شخصيًا، ماذا تختار ولماذا؟
كل رواية تعبر عني بشكل أو بآخر، لكن آخر رواية دائما أراها أكثر تعبيرا حتى تأتي غيرها. الرواية الأخيرة لم تنشر بعد، ولا أحب الحديث عن شيء لم ينشر.
|