|
القاهرة 14 يوليو 2026 الساعة 09:32 ص

بقلم: د. أحمد فاروق بيضون
في إطار تطواف دراسة تحليلية نفسية للمجموعة الماثلة
"رائحة ضجيج الصمت" وهي مجموعة قصصية (قصص قصيرة جداً) للكاتب ياسر محمود محمد، صادرة ضمن سلاسل النشر الإقليمي لقصور الثقافة، يبدر سؤالاً يدعو للتفكير ملياً في عتبة العنونة: هل للصمت رائحة؟ وكيف ضجيجُه؟، هذا التناقض الظاهري من منظور نقدي يدل على البلاغة في الأسلوب والسخرية الساتيرية المشوقة التي ستحويها المغامرة النصية الجريئة التجريبية في النصوص السردية...
المجموعة جاءت في صور أقاصيص وقصة قصيرة جداً (ققج) فيما يعرف بـ micro-fiction وهو النمط الحداثي للسرد الذي برع فيه القاص رحلته، يبدأها بأقاصيصه التي تحمل اغتراب المنفى الذي يتماهى مع الاستلاب الروحي، ثمَّ لعبة الأقدار المثخنة بلغة المرايا والتي تحمل حكمية في طياتها وغصة النهايات لما تتحطم المرآة فلا يمكن أن تعود الصور كسابق عهدها لرتق ذاك الصدع، أما في (المُغتر) فالكبرياء والغرور مقرون بالتحامل في ضوء حالة النشوة المصاحبة لرؤية أنثى؛ وهنا تنبري الكوميديا البشرية بصمت كل شيء فيما عدا (كلمات) تصحو ولا يمكن البوح بها.
ايماءة لثيمة الحيرة والتردد في (ماذا أفعل معهم) التي تسلط الأضواء على قضية الإرهاب والانصياع وراء فخ الشرور وفي النهاية دلالة سيميائية لمفارقة مشهدية باغتصاب زوجة وجريمة وهتك العرض، في (آخر ميعاد للرونق النسائي) تجلَّت الرومانسية بنكهة من الدعابة النسائية لما أخبرته العاشقة بأنها فدته مهجتها ولكنه يستحيل أن يعبر خلال ممرات رونقها إلى الأبد.
نأتي لنص ماتع هو الأبرز في محطة الانطلاق (أقلامي) وكانوا اثنين وثلاثين حصراً؛ ليشرع الراوي في استخدام الألوان التي تتماهي مع قيم الحق والخير والجمال، كأنه الباحث عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة المفقودة، في الختام تجذر الحبُّ إلى حرب، في (بُعثت لأروي قصتي معهُ)تحمل ألم نوستالجيا الذكريات والوصول إلى التطهير الكاثاريتي الآني.
تنبري (أغنية من أغاني أمي) وهنا تستجدينا عدسات الكاميرا لأهازيج الصبا وحنين يتسرب إلى الحاضر ملتاعاً من جفاف نهر حب الأمّ، (آه لو تدري الصغيرة معنى الحياة) كأننا نستلهم مقولة شكسبيرية بأن الحياة مسرح لموسيقى نعزف على أوتارها لحن البقاء قيدها، (الدنيا الأخرى) هي التي تركتها الحمامة الشاردة التي شطت عن سربها ولم تعد أدراجها للغِيّة، لإيضاح ضبابية المشهد الكوني وعبثية شريعة السرب أو القطيع وما تفرضه مفردات الواقع.
(وحيدٌ فارق حبيبُه) ما زالت ثيمة الحزن والعزلة والقلق الوجودي تهيمن على الموقف، أما في (مصارعة الثيران) المعروف بالماتادور الإسباني فهناك رمزية ثنائية في اللون الأحمر الدال على الحب والحاضنة وفي الوقت نفسه الثائرة والعدائية، صمت الأنفاس يتخلل (الهجرة غير الشرعية) حين غرق ذاك الباحث عن أرض الأحلام ولم يبق سوى خرائط لم يبللها غدر البحر، يستمر مشهد البهرج الخداع لهذه الحياة الصامتة البائسة في (ابتزال) وكأن الإفراط في كل شيء بات سُنة الموجودات كمشهدٍ عابر يحمل في طياته العُريّ والرداء الباهت وطائلة المصير، كل ما يؤنَّث يخاتل أحاسيس القاص ما بين أمل وألم، يفتش عن تفاصيل الأنثى واللاممكن من لاءات، وسوء ظنٍّ من محب لمحبوبته، إلا أن عين النقادة أرادتها (مُراء – ظنّ) كفردة نكرة للعنونة، تجلت عبقرية السرد في (كلمات تحيا وتعيش) وكأن دقات الساعة في رحلة تتعاظم ثم تباطؤ وهو يقول (ويمضي، ويمضِ...، ويم...)
يأتي (ما سرقه الكاتب من ولان بارت)، لتدركها محبرة القريحة النقدية بأنها لذة اللغة وموت المؤلف والنهايات المفتوحة لإشراك القارئ ورمزية الصورة الغائبة في النص، كما في (باب موارب يمر منه العابرون) و(من يمنعني مشهد حب متبادل)، وفي (ثوب ملائكي) تبدت صورة الأنثى الملاك ولكنها في عباءة من أكاذيب والملائكة لا تكذب على حد تعبيره، (قرمزي) كأن الألوان احموررت في هيئة لون داكن حتى شطآن العشق، (أغنية من التسعينات) لم تصبح بلا هوية وبلا عنوان في هذا الزمان وأمست قديمة لا أحد يذكرها، (شهريار) التفاتة بأسطرة الراوي لإبراز السلطوية الذكورية بحثا عن تلك الشهرزاد، وفي (إصبع روج) توصيف لتلك المزدانة المتفاخرة بتصفيف شعر كاريه ليتم بروزتها في لوحة سوريالية في دلالية على سطحية التفكير واللامبالاة للمسؤوليات، والأهم أن يخنقها شال بلون السماء، تلك السعادة المفقودة والنظرة التشاؤمية التي عزز منها الفيلسوف شوبنهار تبدّت بين السطور في (زمن الممكنات)، بات من المحال العثور على وليف كمجنون ليلى وجميل بثينة.
يبدو أن القاص يبحث عن انعتاقة من تقمص روح الفرنسيّ (رولان بارت) لما نوه بين السطور (لايهمني رأيه في أعمالي)، وكأنه يبحث عن (ميلاد شاعر) واسنحاب من (إدمان) أفكار الرجال والنساء، لتتجلى عبقرية (الأنانيّ) كأسلوبية كتابية تتماهى مع لفظة رحيل لما خطها على درج سلمي لنوطة موسيقية تصف مشهد الوداع (أ ل ر ح ي ل) أيّما رحلة خاسرة بعد كمد المسافر.
تأتي مرحلة (منمنمات ) كعنونة تصف إضاءات لأشياء (وحيدة) أملتنا (انتظار)، ويبقى (السؤال المُعجز) بالبحث عن الحقيقة، فتنبري قُبلةً واحدة عابرة و(ألف وجه) لشمس الحق في دلالة على ذاك الخواء الذي يتوسد المشهد الكوني لمعالم وإحداثيات الخارطة الأرضية.
(إنسان من المستقبل) يحمل ذكريات آلة زمنية، ثم ينبري الغموض في معنى الحياة الممزوج بالجنون بين زوجين حديثي العهد وكلاهما يبكي ليلاه، ربما تقتادهما الرغبة كما تفرس الناقد رائعة تينيسي ويليامز (عربة اسمها الرغبة) وهنا تنتهي القصة بأنثى تتشح بالسمرة وتتملكها الرغبة(السوداء) كإيحاء من بديع التبيان اللغوي (تورية) تحمل معنيان بين الجميل والقبيح وأيضاً ذاك التناقض الظاهري لما تبصره العيون وحقيقتها الدامغة بلا مرية.
(النداء الأخير في المطار ببلاد الوقت إلى دنيا من المستحيل لكل فرد)، عنونة مشهدية تمسرح الحياة وصولاً إلى (الخط الأحمر) وكم من خطوط حمراء تعبئ العالم، يبدو أن مفهوم (تحرير المرأة) بات بالشراكة مع الرجل فكلاهما يتجرد من ملابس الأدوار التي يلعبها كل طرف في العلاقة، (في بلاتُوه) رمزية (ممثلات الإغراء) في مشاهد التسعينيات من القرن المنصرم وغرابة الأمر بالنسبة لجيل عصر السرعة وجمهور التِّرسو؟!!
(للصمت رائحة،للصمت كل الحواس.. إذاً ما اشتهتني هي!) هكذا جاء النص المعتق بأريج عطر أنثوي هيمن على الراوي فأحدث خللاً لصمت ممضّ، والغلبة كل الغلبة للشهوة والنزوات الإيروتيكية، (العشاء الأخير) المحطة التالية الدالة على غطرسة امرأة لما هُيئ إليها بأن لديها مريدين، ليجيبها العاشق بأن مكانها محفوظ في تلك اللوحة التي رسمها من قبل الإيطالي الرائع ليوناردو دافنشي، سيميائية الصورة الحسية الحركية كان لافتاً، حتى باغتنا القاص بلمحة مرعبة مفزعة على إثر كوابيس في (إياب) و(غيبة وصعود) وكأن ذاك العالم المصغر الذي ابتكره عاشق للمعارك واللون القاني.
تتواتر المحطات السردية بين ترنيمة عيد الآلام بعد العودة من أرض الوعي، وظامئ وجوعان ووحيد في انتظار ما تجود به السماوات من خارج المدينة، ثم تلك العبرة في قطعة (ما طار طيرٌ وارتفع) وهي: (مات الأسد واستوحش الذئب) وكأنه يأخذنا في بؤرة تحت وطأة شريعة الغاب.
(سرد هيوليّ لقاص شبه محترف) محور عنونة جاذبة لذكريات لحظات لم تنحسر بالغياب، أسماء لشخوص تعلقت بتلابيب إدراكه في (آخر لحظة) وما أصابه من (اكتئاب)، لنجد (محمد الراوي – محمد عبد العباسي-السيد عبدالسلام)، غموض يتخلل المشهد لما ينسل سجين من زنزانته باحثا عن معشوقة ليضاجعها ويجد آخر يرسم تفاصيله وكأنه يفر مجهول إلى مجهول، ضجيج الوجود يصرخ فيما سيأتي ومستقبل غامض لطفلة تبكي بحُرقة، حتى الخطيئة تصم المرة الأولى لقُبلة عشق، الهواتف الذكية لديها نصيب فيما تحويه من جرائم تصوير وابتزاز، وما زال هتاف فتاة الميدان ببراءتها يصدح في العنان، لنخط بهُلاميات بلورت تكويناً اسمه (الحياة) لما ينتصر جيديٌ بموته، وحتى البساط الأخضر لم يعترف بإحراز أهداف بالملعب وتم احتسابها تسللاً، وأوراق (الكوتشينة) لا تعترف إلا بالملك الذي يجبُّ كل شيء وتبرح من يحمل الشايب خاسراً ولكنه يأبى إلا أن يستمر في دوامته منتظراً التغيير.
هنيئاً لنا هذه التحفة السردية الماتعة المتصلة بالنفس البشرية وذاك التناقض الظاهري والمشهد العبثي المثير لتساؤل يراود الأذهان: (بعد أن علمنا بأن للصمت ضجيجا، فهل أمامنا الخيار بأن نتفوَّه بما تضمره نفوسنا أم أنَّ هناك زاجر أدمن الوجوم؟).
|