|
القاهرة 14 يوليو 2026 الساعة 09:21 ص

بقلم: حمدي عمارة
كوم بلال ، قرية تتبع المجلس القروى المحلى لقرية طوخ التابعة لمجلس محلى مركز نقادة ، آخر مركز من ناحية حدود محافظة قنا الجنوبية مع محافظة الأقصر ، يقطنها حوالى عشرة آلاف نسمة تقريبا ، جلهم يعمل بحرفة الزراعة وشريحة كبيرة من العاملين بدول الخليج العربى ونسبة أقل منهم تعمل بسلك التوظيف الحكومى ، ونسبة أخرى حرفيون وعمال باليومية ، والشريحة الأكبر هم تلاميذ وطلاب المدارس والجامعات ، ونسبة من يلتحقون بالجامعة تصل إلى عشرة بالمائة من جملة الطلاب الملتحقين بالتعليم الثانوى العام والأزهرى كل عام .
ربما كان لتمايز موقعها البعيد نسبيا عن حضن نهر النيل ، حيث تقترب من أطراف الصحراء الغربية ، مسندة ظهرها هضبة قنا الغربية ، ما أعطاها هذه الخصوصية التى تفردت بها عن معظم ما جاورها من نجوع وقرى ، فاجتهدت الزمن الطويل للاحتفاظ بأسرار هذا التفرد ما وسعتها الحِيَل ، حتى انفرط من بين أكفها عقد الصبر ، فها هى تتطاير شيئا فشيئا حبات ما استبقته رهين محبس خزانات الجدات من موروث ، فما عادت العرائس تزف خلف ظهور أزواجهن على ظهور الخيل ، وتتلاشى شيئا فشيئا هذه الأعداد الغفيرة ؛ التى كانت تتسابق لتتحلق الدفوف وتنضوى خلف خلفاء الطرائق الصوفية ؛ أصحاب الرايات الخضر والسود ؛ لتجوب طرقات القرية جميعها صبيحة كل عيد فطر وصبيحة كل عيد أضحى ، مرددة الأناشيد فرحة بالعيد ، فما تبقَّى لزفات الدفوف غير حفنة من الأطفال خلف كبير الخلفاء ، يسابق بهم رياح الصباح – من درب إلى درب - على استحياء .
وما يزال " للدورة " بريق حضورها المتجدد فى المشهد ،- " الدُّورة " : بتشديد الدال وتسكين الواو ،اسم مشتق من الفعل " دار ، يدورأى: لفّ ، يلف ،ولكننا لسنا هنا بصدد استقصاء أم إحصاء معانى المفردة ، بقدر ما يعنينا معرفة مصدرها كطقس من طقوس التراث ، الذى مازالت تدور رحاه على أرض قرية من قرى جنوب الصعيد ، ألا وهى قرية : " كوم بلال " التى تربض فى حضن هضبة جنوب محافظة قنا .
والتى مازالت تقبض على مفاتيح أختام ومغاليق موروث الأجداد والآباء الشعبى ،ومن ذلك : طقس طقوس العيدين عندهم : " عيد الفطر وعيد الأضحى " ، ما يسمونها ب " الدُّورة " .
فما أن يفرغ المجتمعون لصلاة العيد ومن الاستماع إلى خطبته ؛ حتى تراهم يتسربلون ، فرادى وجماعات من الباب الرئيس للمسجد العمرى العتيق ، لا إلى شوارع وزقاقات القرية التى تقودهم إلى دُوْرِهم يتجهون ، ولكن إلى حيث الساحة التى تقع خارج المسجد .. ، ومن حيث انفرطت جماعتهم منذ قليل ولمرة ثانية ينتظمون ، كل ينظر إلى منكبى صاحبه ، لايتزحزح عن خط سيره قيد أنملة ، كيف لا ... ؟ وقد سلك هذا طريقه إلى طابور يتطاول ، ليأخذ شكل الدائرة المتعاظمة القطر ، لا يخلص إلى نهايتها ، حتى تتشكل دائرة أخرى أصغر من سابقتها ، وهكذا يتوالى تشكيل الدوائر المتداخلة ، حتى تثبت قدما آخر مصل كان قد خرج توا من باب المسجد ، وقد صافحت كل كف يمنى مجمل الأكف .
عندها تجأر حناجر أكابر القوم ، داعية كل حكيم وكل شيخ وقور وكل موفور حظ من الشهرة من وجهاء القرية وممن شهد لهم بأعمال الخير ، ليخرج من بين الصفوف المتراصة ، وليقفوا فى منتصف الدوائر المتشابكة عرى الأجساد التى تقف كأنها بناء اسطوانى الشكل مرصوص ، وقد لبس الجميع ملابس العيد ، وطار عنهم شذى أصناف العطور ، فطافت به نسمات الصباح ، وعمت به الآفاق ، فأخذ كل خطيب ، اطمأن به موقفه بين الجموع؛ فى إلقاء كلمته مهنئا وداعيا ومسترحما ، ثم تلاه حكيمٌ ناصحا ومحذرا ومستبشرا ،فتلاه شيخ مُطمئِنا ومستنهِضًا للهمم ، والجميع لنصائحهم يستمعون ، ولمواعظهم يتدبرون ، ولدعائهم يؤمِّنون .
فإذا ما انتهوا من أول طقوس الدورة ، زحفوا جماعات إلى حيث " الديوان " المندرة الملحقة ب "مسجد الشيخ عزاز" ، ولى أولياء الله الصالحين الذى يقف مقامه شامخا وسط القرية ،لإبداء واجب التهنئة لأصحاب المكان ، هؤلاء الذين كانوا قد أعدوا سلفا مائدة وجبة الإفطار للمهنئين ، والتى تتكون على أية حال من الأسماك والفطائر ،ثم يبدأ الموكب عقب الفراغ من وجبة الإفطار فى الزحف ثانية – وقد انضوت إلى جموعه طوائف أخرى – قاصدا كل عائلة فى ديوانها " مندرة العائلة " ليستقر بالجمع المقام عند أهل آخر ديوان من دواوين القرية ، وذلك قرب صلاة الظهر ، وقد أعدّ هؤلاء وجبة الغداء من اللحوم ، ومتى فرغوا من وجبة الغداء ، أخذ روّاد " الدُّورة "كل طرق عودته إلى داره .
وعلى آثار خطا المتابعة ، ولن نقول على خط مواز ، يزحف الصغار وشباب الطرق الصوفية وعلى رأس هؤلاء ، " خليفة الطريقة الخلوتية " ، التى ينتسب إليها معظم ، إن لم يكن كل متصوفة البلدة ، إلى حيث ساحة "المسجد العمرى" والتى شهدت قبل ساعة أو أقل لوقفة المصلين فى أول طقوس الدورة ، حيث يبدأ عرس جديد من أعراس العيد ، ألا وهو : " لفّة الدُّفّ " ، وقد حملت الأعلام والرايات الخضر والسود تحمل أسماء أعلام الطرق الصوفية واسم النبى وخلفائه الراشدين ، وقد تقدم حملة الأعلام الصفوف ومن خلفهم الضاربون على " الدُّفّ " وهو نوع من الطبول الكبيرة الحجم وحملة الصاجات الكبيرة وحملة السيوف ، وقد بدأوا فى ترديد الأناشيد ، ومن خلفهم جوقة الشباب والصبية ، ثم تبدأ المسيرة زحفها من شارع إلى شارع ، متوقفة للحظات أمام كل ضريح ولى من أولياء الله ، بل وأمام كل عتبة بيت ، وقد خرج إليهم أصحاب الدور موزعين عليهم الحلوى والكعك والفول السودانى ، وهم فى مسيرتهم لايتركون شارعا أو زقاقا إلا ومروا به ، وهكذا حتى موعد صلاة الظهر .
وبذا يكون قد انتهى طقس طقوس العيد ، فى أول أيامه.
كما لاتزال " للعتاقة" حضورها فى المشهد " الكومى " و - " عتاقة كلمة مشتقة من مادة الفعل : " عتق " ، بمعنى أنجى وأبعد عن العذاب ،والعتق يوم القيامة يكون من النار ،والذى يعتق الرقاب – رقاب المؤمنين – من النار ، هو – بالطبع – الله عز وجل ، ولما كان الموت هو الرحلة القدرية التى لا رحلة بعدها إلا إلى الجنة أم النار ،كان لهذه الرحلة – رحلة الموت – بقرية " كوم بلال " ـ هذه القرية التابعة لمركز نقادة ، والتى تربض وادعة فى مكانها بحضن هضبة محافظة قنا الغربية ، هذا الموقع المتفرد الذى ربط بينها وبين جلال ومهابة الموت بطريق يقطعه معظم أهالى قرى شمال مركز نقادة : ( طوخ – الشيخ على –أولادضياء –الهدايات – الزوايدة – نجع ترعة الهدايات ) حيث تمر مواكب جنازات موتاهم وسط الكتلة السكنية لكوم بلال ،ليخلصوا منها إلى الجبانة – ليل نهار – الأمر الذى وسم شخصية أهالى هذه القرية بالحزن أكثر من ميلها إلى الفرح ، وجعل منها حاملة أختام موروث طقوس أكثر مما عند غيرهم من أهالى القـــرى التى تجاورهم ، ومن هـذه الطقوس التى يحتفى بها الكوميون بموتاهم : " طقس العتاقة " والتى لها مسمى آخر عندهم ـ فيسمونها : " المسبعات " إذا ما قرئت عند افتتاح حفلات " الحضرات " ، وتسمى بالمسبعات لقراءة كل جزء من أجزائها سبع مرات ، ، ولكن أبدا ماتنتهى بكوم بلال طقوسها ، مادامت المواسم تترى ، والزمن بها يجدد مئاذره كل طلعة شمس .
* من مقدمة كتـاب : " من مأثورات شعبية من محافظة قنا ، قرية كوم بلال بمركز نقادة نموذجا " صدر عن سلسلة إبداعت شعبية بالهيئة العامة للكتاب 2021 للـباحث حمدي مهدي عمارة.



|