|
القاهرة 07 يوليو 2026 الساعة 11:03 ص

بقلم: ريم عباس – السودان
يُعدّ غسان كنفاني من أبرز أعلام الأدب الفلسطيني، إذ جمع بين الإبداع الأدبي والنضال الفكري، فكانت كتاباته انعكاس صادق لمعاناة الشعب الفلسطيني وتطلعاته، ولد عام (1936م) ، وعاش تجربة اللجوء بكل قسوتها، فانعكست في أعماله الروائية والقصصية التي اتسمت بالعمق والالتزام بالقضية، كان يمثّل صوتا حيًّا للمقاومة الثقافية، استطاع أن يخلّد اسمه من خلال أعمال خالدة مثل "عائد إلى حيفا" و"رجال في الشمس" و"أرض البرتقال الحزين" وغيرها حيث عبّر عن قضايا الهوية والاغتراب والعودة بأسلوب إنساني مؤثر، توفي غسان كنفاني في عام (1972م) في بيروت.
روايته "عائد إلى حيفا" واحدة من أبرز الأعمال الأدبية التي جسّدت مأساة اللجوء الفلسطيني، وقد نُشرت عام (1969م) لتقدّم رؤية عميقة لمعنى الوطن والهوية والانتماء، تعتمد الرواية على بنية سردية تقوم على تقنية "الاسترجاع"، حيث يتداخل الماضي بالحاضر في حركة زمنية غير خطية، تبدأ من لحظة العودة إلى حيفا بعد عشرين عاما، لتستعيد أحداث النكبة وتفاصيل الفقد.
تطرح الرواية عدة قضايا ومفاهيم عميقة، أبرزها قضية الهوية من أبرز المحاور التي تقوم عليها الرواية، حيث يطرح كنفاني سؤال إشكالي: "هل الهوية تُورث أم تُكتسب؟" ويُبيّن هذا الصراع في شخصية "خلدون/دوف"، الذي نشأ في بيئة مغايرة لأصوله، فتبنّى هوية جديدة تتناقض مع جذوره، وهنا يقدّم الكاتب رؤية معقّدة، لا تقوم على التبسيط أو العاطفة، بل على تحليل عميق لمفهوم الانتماء، كما يكشف كنفاني عن مفهوم المسؤولية، حيث لمّح إلى أن ما حدث لم يكن نتيجة الاحتلال وحده، إنما أيضا نتيجة قرارات بشرية في لحظات الخوف، ومن خلال حوار داخلي عميق، يعيد سعيد النظر في مفهوم "الوطن" معتبرا أن الوطن هو ما ندافع عنه ونحافظ عليه، هكذا تتحول الرواية من حكاية عائلية إلى تأمل فكري وإنساني في الهوية والضياع والعودة، ويعتبر البيت قي الرواية رمزا للوطن المسلوب، و"خلدون" يمثل الجيل الضائع، بينما تجسّد شخصية "دوف" نتيجة التحول القسري في الهوية، أما طريق العودة يمكن وصفه شريط الذاكرة الداخلية للإنسان، كما يمكن قراءة اللقاء بين الأب وابنه على أنه صدام بين ماضي مفقود وحاضر مفروض.
في رواية " عائد الى حيفا" يصور كنفاني "الحرب" بطريقة فنية عميقة، حيث مثلت عائلة "سعيد" التي تتكون من "سعيد" وزوجته "صفية" وأبنائهما "خلدون" و"خالد" و"خالدة" تتمثل في هذه العائلة الآف بل ملايين العائلات الفلسطينية منذ الماضي وحتى الآن، تبدأ القصة بقرار الزوجين "سعيد" و"صفية" زيارة مدينتهما حيفا بعد أن أصبح الوصول إليها ممكنا، فيسعيان لاستعادة ذكرياتهما والبحث عن ابنهما "خلدون" الذي اضطرا لتركه رضيعا أثناء الهروب، وعند عودتهما إلى المنزل القديم، يكتشفان أن امرأة يهودية تُدعى "ميريام" قد تبنّت الطفل وربّته باسم "دوف"، ليكبر حاملا هوية مغايرة تماما، بل وليصبح جنديًّا في الجيش الإسرائيلي، في هذا اللقاء الصادم، لا تقتصر المأساة على فقدان الابن، بل تتعمق لتطرح أسئلة وجودية حول معنى ثنائية الهوية والانتماء.
ما بين السيارة موديل الفيات الرمادية، والبيت في "الحليصة" عادت ذكريات وأحداث كاملة إلى ذهن "سعيد" وزوجته "صفية" كلاهما يحاول أن يتبرأ من فكرة أنه هو من جاء بفكرة "العودة إلى حيفا" رغم أن كلاهما كان يخفي هذه المشاعر منذ عشرين عاما، ولكن فقط ينتظران لحظة مناسبة، أو بالأحرى ينتظران أن يسمح الاحتلال بالزيارة للمدينة، وعند وصولهما إلى البيت "بيتهما" بدأ "سعيد" من الوهلة الأولى يتظاهر بأنه طبيعي، ليتفاجأ بحبل الغسيل "الجديد" وعليه ملابس ليست بعربية، طلاء الباب تغير أصبح "جديدا" كما أوضح في الرواية، حاول كلاهما أن يتماسك أو على الأقل التظاهر بالتماسك، تابعا السير وكلاهما يشد بيد الآخر، صعدا السلم، مرّا بجانب شقة جارهما "محجوب السعدي" واصلا الصعود حتى الطابق الثالث، وقفا يطرقان باب بيتهما، لتفتح الباب عجوزة بدينة وقصيرة كما وصفها، لحظة دخولهما بدأ سعيد وزوجته صفية بتفحص كل شيء بعينهما، حتى إن سعيد قام بعدّ ريشات الطاووس الخمس الموجودة في المزهرية التي تم تغير مادتها من الزجاح الى الخشب، عدّها عدة مرات متتالية، يحاول أن يجد الريشتين المفقودتين ليخدع نفسه أنها هي الريشات السبع كما كان في الماضي، حتى أدق التفاصيل ما تزال في مكانها في الواقع وفي عقل "سعيد" ما أقساها من لحظة! حين تعود إلى حيث بيتك القديم، بعد أن هجرته لمدة عشرين عاما، والأشد قسوة أن تجد فيه أناسًا لا تعرفهم ولا يعرفونك، أن تُعامل في بيتك كأنك "غريب" هنا انفجر سعيد سائلا "ميريام" العجوز التي جاءت من بولونيا، عن سبب اختفاء الريشتين السادسة والسابعة، وهو ما أصاب السيدة العجوز بالدهشة وأكدت أنها بكل تأكيد لا تعرف شيئا كهذا بل وأنها لم تقم بِعدّ الريشات في المزهرية قط، فهو بالنسبة لها " أمر سخيف" ولكن لتمتص الغضب الظاهر في عيني سعيد حين سألها بررت سبب اختفاء الريشتين بلهو ابنها "دوف" هنا جاءت صدمة أخرى لسعيد، فسألها باستغراب شديد عن هذا الابن، وبقربه زوجته صفية التي لا تفقه شيئا مما يتحدث به الاثنان، حيث إنهما كانا يتحدثان باللغة الإنجليزية، كان سعيد يترجم لها بعد كل جولة كلام، وربما في هذا المشهد أراد كنفاني توضيح أن سعيد ربما يكون قد هاجر إلى دولة غربية واكستب مهارة اللغة الإنجليزية، وبعد سؤال سعيد الحاد لها عن ابنها، أوضحت أن "الوكالة اليهودية" هم من عرضوا عليها تبني الطفل "العربي" الذي وجدوه في هذا البيت وهو صاحب خمسة أشهر، وهي وزوجها لم يمانعا لأنهما لم يكونا يستطيعان الإنجاب، وفي هذه اللحظة صمت سعيد، سألته زوجته مرارا عما قالته هذه العجوز ليجعله يصمت ولا يترجم لها، وبعد لحظات أخبرها، فقالت بدهشة "إنه خلدون" إنه ابننا، ثم أوضحت العجوز أنها لن تمانع ذهابه معهما إطلاقا إن أراد "دوف" أو "خلدون" الذهاب مع والديه الحقيقيين، وانتظر ثلاثتهم عودة الابن على أحرّ من الجمر، ما إن عاد الشاب الابن إلى البيت وهو يرتدي بزة عسكرية، تفاجأ بوجود ضيوف، فأخبرته العجوز "ميريام" أنهما والديه الحقيقيين، ليرد الابن بجملة أوقفت الزمن عند سعيد وزوجته التي عرفت لاحقا، فقال الابن:
"السيدة هي أمي، وأنتما لا اعرفكما ولا أشعر إزاءكما بأي شعور خاص".
وبعد نقاش كثير دار بين الابن وسعيد، يُصدم سعيد في كل مرة يتحدث فيها ابنه عن التحضّر والتقدم، ويستغرب وصفه لهما بأن ما قاما بفعله والحضور إلى هنا بعدما تركوه منذ عشرين عاما ليس إلا "تخلف وتطفل" خلع قبعته العسكرية ووضعها بجانب المزهرية، في هذه اللحظة تحوّل اهتمام "سعيد" كله نحو هذه القبعة التي تحمل رمز الجيش الذي هجّره من بيته وبسببه فقد ابنه خلدون الذي يتحدث الآن أمامه بصفة جندي في جيش الاحتلال، أشعلت بركانا في قلبه هذه القبعة التي شوّهت منظر المزهرية وبها خمس ريشات طاووس، لكنه اكتفى بالضحك بصوتٍ عال ومؤلم في آن واحد، واصل الابن حديثه في مشهد مؤثر -كما كتبه كنفاني- مبيّنًا لسعيد أنه لا يوجد سبب على وجه الأرض يبرر ترك طفل صاحب خمسة أشهر في سرير لوحده، والعودة إلى اصطحابه بعد عشرين سنة، وبعد نقاش طويل لم يترجمه لزوجته صفية، فقط أخبرها بأن عليهما العودة من حيث جاءا، وان ابنهما الحقيقي ليس هذا الذي أمامهما، إنما هو الطفل الذي رأته "ميريام" والفرق اليهودية ترمي جثته في سيارة الإسعاف، وهذا مشهد مؤلم صوره كنفاني، حيث وصول الإنسان إلى مرحلة " تصديق الواقع الذي هو عكس الواقع" ، هنا تُقتل المشاعر في الإنسان إلى الأبد.
ختاما: رواية "عائد إلى حيفا" تمثل الجرح الفلسطيني خصوصا والعربي عموما، وحتى الأفريقي، حيث الحروب في كل هذه الدول لا تعني شيئا سوى الموت، إما موت الجسد وإما موت النفس والعقل، وربما الطريقة التي ختم بها كنفاني الرواية بمعنى مؤلم وهو عدم الجدوى من العودة إلى أرض تم احتلالها.
|