|
القاهرة 07 يوليو 2026 الساعة 10:54 ص

قصة: إيناس محمد عتمان
أغلقت باب الغرفة الخلفية للمسرح، وحاولت تهدئة نبضات قلبها التي لم تكن تنبض خوفا من مواجهة الجمهور، بل ذعرا من "اللا فهم". كانت الأوراق في يدها ترتعش، لا لأنها ركيكة، بل لأنها كتبت بلغة شبقة، آثمة، لغة ترفض الحرف الدراج العامي في طرقات الحياة العابرة. تنحنح مقدم الحفل، ونطق اسمها عبر مكبر الصوت.
تحركت خطواتها نحو المنصة، فانزاح الستار المخملي الثقيل ليواجهها سيل من وجوه غارقة في العتمة. تطلعت في تلك العيون الكثيرة، وشعرت بغربة خانقة؛ هؤلاء يلوكون الأيام بلا وعي، فكيف سيفهمون غلاة الفهم، والسائرين في دروب الحقيقة؟ا
اقتربت من الميكروفون، وأطلقت رصاصة لغتها النخبوية، واغتنمت فرصة اللقاء الفكري لتتصدر المشهد بكلمة تنزاح عن السائد.
انسابت الكلمات مشحونة بالمجاز العالي، وقرأت بنبرة دافئة تتغزل في الوعي:
"على مقصلة الفهم..نعري جسد الكلمات من ثوبها الدارج، نمارس الخطيئة البيضاء مع المجاز، ونصنع الوعي في فخ الذهول وفي توابيت الوقت.. لا نتبادل الأيام؛ بل نغرس خنجر المعنى..في قلب وردة!"
وما إن صمتت، حتى ضجت القاعة بالتصفيق..
كان صوتا جماعيا حادا ومجاملا، يصفق للإيقاع لا للمعنى، جمهور أمي يطرب للغة لا يفهمها.
أدارت ظهرها لهم، تاركة مكانها على المنصة بعد ذلك التصفيق المجامل، شاعرة بعبثية المديح الزائف لكن، عند أسفل درجات المنصة، انكسرت العتمة.
كان هناك، واقفا بمفرده بعيدا عن المجموع الصاخب، يمثل الاستثناء الروحي وسط الحشد.
لم يكن يصفق، بل كان ينظر إليها بنظرة مشعة باليقين، نظرة من التقط الإشارة وفك الشفرة.التقت عيونهما، فاستقبلته بابتسامة دافئة، ابتسامة من يعرف كيف يقول: مرحبا، دون أن ينطق بكلمة واحدة.
تقدم نحوها بخطوات واثقة، وأهداها وردة اختصرت المعنى كله؛ ليعلنا معا انتصار المجاز في وجه العابرين.
|