|
القاهرة 30 يونيو 2026 الساعة 11:17 ص

بقلم: هويدا صالح
في محاولة جادة لتفسير أسباب شغف المصريين بالفرجة، الفرجة على المسرح، الموسيقى ، الرقص، على كل وسائل الترفيه يأتي كتاب" ولع الفرجة، فقر التاريخ" لأحمد عبد العال الذي صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة.
إنها محاولة للمعرفة أكثر من كونه التفاتا إلى الماضي، فالتاريخ بحسب المؤلف ليس ما يتعرض للماضي أو ما يدل على حقب أو مراحل تاريخية سابقة، أو ما يمكن تسميته بالتاريخ المتحفي أو الميت، إنما التاريخ هو الذي ما يزال حيا ممتدا بتأثيراته ونتائجه، إنه نافذة مفتوحة على حياة الشعوب نرى منها ما حدث، ونستشرف منها ما يمكن أن يحدث، فالتاريخ ما يزال نافذا إلى حياة البشر الأحياء، مؤثراً فيها وفاعلاً في حركتها ونشاطها، إنه التاريخ الذي يحمله الأفراد ويصطحبونه معهم في مسراتهم، ولهوهم وعبثهم، ويحرصون على استبقائه حياً، ويحفظونه من النسيان والضياع.
يحاول المؤلف أن يفسر ولع المصريين بالفرجة ومن خلال استجلاء تاريخ هذا الولع، فإنه يحاول أن يفكك التاريخ ويعيد بناءه، لأن المؤلف معني بالتاريخ بصفته مجالا معرفيا، شأنه في ذلك شأن أي مجال معرفي آخر.
إن المؤلف يؤرخ لعموم المصريين وطرق وأساليب احتفالاتهم الاجتماعية والدينية، ولهوهم ومسراتهم وأحزانهم التي بقيت رغم مرور الزمان، حيث كانت الفرجة وسيلة الترفيه وخط دفاع فطري في مواجهة الاستبداد والقهر والحرمان الذي عانوا منه في مختلف الأزمنة.
صارت الفرجة مؤشرا على تاريخ العلاقة بين الشعب وعامة الناس والدولة والاستبداد والاحتلال في حقب متعاقبة من ناحية، كما صارت الفرجة وسيلة الناس لمواجهة الفقر والحرمان والتدني الاجتماعي من ناحية أخرى.
يضم الكتاب سبعة عشر فصلا وتمهيدا، حاول فيه أن يتتبع أصول الفرجة فى حياة المصريين، وما كانوا يشاهدونه، ويقضون أوقات فراغهم فيه، من خلال قراءة التاريخ الاجتماعي والسياسي لمصر، وعلاقتها بالحكام، منذ المصريين القدماء وصولا لدخول العرب إليها، وما قام على أرضها من حكومات تتبع الخلافة الإسلامية، ودور الخلفاء العباسيين في اللهو والمسامرة منذ الخليفة المتوكل والمعتصم، والإخشيديين والطولونيين:"إن الخليفة المتوكل كان أول من أدخل الألعاب والمسليات والموسيقى والرقص إلى البلاط، وأنه كان يميل إلى التهريج والأغاني الهزلية، ومن ثم أصبحت قصور الخلفاء مكانا للتجمع والتبادل الثقافي مع البلدان، وكان ثمة ممثلون يأتون من الشرقين الأدنى والأقصى، ليقدموا تمثيلياتهم في قصور الخلفاء، كما كان المسافرون العائدون من أسفار طويلة يقصون على الخلفاء من أخبار أسفارهم ما يسلي ويدهش، أما العامة من الناس فكانوا يجدون تسليتهم المحببة عند قصاصين منتشرين في الطرقات والميادين، يقصّون عليهم نوادر الأخبار وغرائبها، وكان هناك كثيرٌ من المضحكين تفننوا في طرق الهزل يخلطونه بتقليد لهجات النازلين، وقد يحاكون الحمير، ومن أشهر هؤلاء في عصر المعتضد: ابن المغازلي، وكان يتكلم على الطريق ويقص على الناس أخبارا ونوادر مضاحك وكان في غاية الحذق والبراعة، كذلك كان الشعب يتسلى في تلك الأوقات البعيدة بفن القرّاد، والحواء، كما لا يزال يفعل حتى يومنا هذا في بعض شوارع المدن وقراها، وأسواقها وموالدها ".
من المهم توضيح ماذا يقصد الكاتب بفقر التاريخ، فهو العنوان الفرعي للكتاب، يشير إلى أنه "ربما كان فقر التاريخ أجدر عن غيره في محاولة تفسير مزاج أمة اعتادت على معاملة تاريخها إما أنه من صناعة السماء وكأنه قدر مقضى وإما مؤامرة بفعل بفاعل. إن فقر التاريخ هنا بمعنى سلة المعرفة والخبرات والتجارب والنجاحات والإخفاقات ثم الناتج النهائي من هذا كله - ربحا أو خسارة فائضا أو عجزا - وما ترتب عليه من نتائج وأحكام عامة وحاكمة فيما جرى العرف على تسميته بالتاريخ لأمة من الأمم.
والسؤال - هنا - هل يمكننا أن نقرن التاريخ بالثراء بمعايير المعرفة والقوة والإنتاجية والربحية ونوصف آخر وبالمعايير نفسها بالفقر؟ إن .. التاريخ في علاقته بالشعوب والأفراد ربما كان أقرب إلى مفهوم البصمة DNA أو الصفات الوراثية التي تميز فردا عن آخر وتنسبه وراثيًّا وإنسانيًّا إلى جماعة دون غيرها. فإذا سلمنا جدلا بأن التاريخ هو كل ما سبق فإن هذا لا يعني بالضرورة أن التاريخ قد مات وانتهى".
إن ولع الفرجة في حياة المصريين كان نتاجا حقيقيا لواقع لم يسمح لهم- قط - بالمشاركة في السلطة أو الثروة ولا بدور يمنحهم صفة الشريك أو حتى الرقيب. لقد كان المصريون متفرجون علي تاريخهم أكثر منهم شهوداً عليه، ومن هنا كانت الفرجة حرفة لهم ومداراة لفراغ سياسي موجع تجرّعوه حتى الثمالة، وقد فرض عليهم بالحديد والنار. لقد كان ولع الفرجة ولع الاحتراف المهني لنشاط فني لم يكن منه بد.
وبما أن كل شعب له تمايزاته الثقافية والاجتماعية وخصائصه الذهنية والنفسية وملامحه الفيزيائية وطبائعه وعاداته السلوكية المادية منها والروحية التي يمتاز بها وتميزه عن غيره، فإن تاريخ الشعوب يبقى كذلك- بمعنى آخر أن كل تاريخ له تمايزاته طبقا لسمات كل شعب وخصائصه المادية والروحية. إن التاريخ ـ أيا كان ـ لا يمكنه إلا أن يكون حاملا الخصائص نفسها وذات الملامح الذهنية والاجتماعية والسلوكية للشعب الذي يحمل جنسيته والدال عليه والمعرّف به إلى الحد الذي لا يمكن معه نسب أي تاريخ إلا للشعب الذي ينتمي إليه ويحمل رائحته دون سواه.
ولا يكتفي الكاتب باستجلاء شغف الفرجة وولع المصريين بها، بل يوثق أيضا لولع العرب بالفرجة، ويقول إن" العرب شأنهم شأن المصريين، كانوا مطبوعين على الغناء ولديهم ولع وشغف مجموع عليه، ولعل دوافعهم في ذلك إما بسبب الترف، أو البيئة، أو الفطرة، وإما بمطالبهم في التسلية والترفيه، أو غير ذلك، بالإضافة إلى ما كان يحدثه الغناء وما يصاحبه من فنون في الأداء والنظم والموسيقى من تأثير فعال ليس له مردود سوى الاستجابة والقبول.
ويفرق بين ولع بعض المدن العربية بالغناء وولع المصريين، فيرى أن ولع مدن مثل: المدينة وبغداد ودمشق كان نتيجة لرفاهية وترف، وهو ما يختلف عن ولع المصريين، فيقول: "والظن إن حال مصر المملوكية لم يكن مثل حال المدينة(يثرب)، وإن اهتمام المصريين وولعهم بالغناء والموسيقى والطرب لم يكن بسبب الترف والثراءـ ربما كان الدافع لديهم على النقيض من ذلك، ولعل تفسير الأمر يكمن في أن المصريين لم يشهدوا من تدفقات الثروة الوافرة الزائدة عن الحاجة والضرورة، مثلما شهد أهل المدينة، بل إن المصريين كانوا في حقيقة الأمر مصدرا رئيسيا من مصادرة هذه الثروة الوافرة ـ خراج أهل مصر ـ التي استقبلتها المدينة عن غير عناء أو مشقة، وهذه الحياة المترفة لأهل المدينة في العصر الأموي اقترن بها فراغ واسع، إذ كانت الدولة منصرفة عنهم، فقلما استخدمتهم في شئونها، لما عرفت فيهم من معارضتهم لها، وهذا الفراغ أو قل هذا التعطل كان لا بدّ لهم أن يملأوه، وقد ملأته كثرتهم بفنون من اللهو المخلتفة، وكان الغناء على رأس هذه الفنون، فإن أهل المدينة شغفوا به في هذا العصر شغفا شديدا، وقد نماه لهم مواليهم الذين كانت تكتظ بهم بيوتهم، وسرعان ما نجد في المدينة دورا خاصة بالغناء يقصد إليها الناس لسماعه، ولم يكن الغناء كل ملاهيهم، فقد لهوا بطيران الحمام وبالرمي على الجلاهقات وهي قوس البندق، كما لهوا بالنرد والشطرنج، وطبيعي أن تشيع بعض هذه فنون اللهو في المدينة بعامل ما كان هناك من فراغ وثراء وتحضر، لكن لهو أهل مصر كان في كثير من جوانبه تحمل قسوة الحياة الاجتماعية التي كانوا يعانون منها بسبب استبداد حكامهم".
يواصل الكاتب تتبع علاقة المصريين بالفرجة بشتى أنواعها حتى صل إلى الدولة العلوية، حتى حكم محمد علي وأبنائه، مؤكدا على أن الفرجة عند عامة المصريين كانت وسيلة مقاومة للفناء والانكسار الذي يخلفه الاستبداد والاستعمار والاحتلال على مر العصور.
|