|
القاهرة 30 يونيو 2026 الساعة 12:43 ص

كتبت: إنجي عبدالمنعم
على هامش فعاليات الملتقى الإقليمي الحادي عشر لأدباء جنوب الصعيد، الذي انطلق في قصر ثقافة الغردقة بمحافظة البحر الأحمر تحت عنوان "الخصوصية الثقافية وزمن التحولات" مساء أمس الأحد، تنفست جدران قاعة العرض حكايات ملونة مستوحاة من عمق الأرض وسحر الطبيعة ووجوه البشر الشاهدة على تفاصيل الحياة اليومية؛ حيث يفتح معرض "ألوان من أرض الحرية" نافذة بصرية مميزة تجمع بين سحر الكلمة وإبداع الريشة؛ لتعزز الإحساس بالانتماء وتعكس تنوع بيئتنا المحلية. ويتنقل الزائر في هذا الفضاء الإبداعي بين عوالم مختلفة تلتقي جميعها في نقطة الأصالة والارتباط بالجذور، فبينما يعيدنا الفنان رمسيس إسحاق تادرس في عمله الأول لمشهد السوق القديم وصناع القهوة إلى عبق التاريخ والتراث، نجده في عمله الثاني يذهب نحو اتجاه مختلف تماماً من خلال لوحة كلاسيكية لامرأة جالسة على أريكة، تستلهم سحر الشرق وتبرز جماليات الأزياء التقليدية بتفاصيلها الغنية والمبهرة.
وفي سياق هذه الرحلة الفنية المتدفقة، تأخذنا لوحة أخرى ترصد الحركة الحية لرقصة السيوف لتنقل لنا بهجة الاحتفالات الشعبية، وتكتمل هذه الحالة مع لوحة الرجل العجوز للفنان سيد عبد اللاه، وهو يحمل عصاه بملامح تفيض بالرضا وتعكس الكرامة الإنسانية، جنباً إلى جنب مع لوحة أخرى ترسم وجه شاب يجلس على الشاطئ لتؤكد على عمق الروابط الوثيقة بين الإنسان وبيئته الساحلية الممتدة. ويظهر جمال التنوع البيئي في أروقة المعرض من خلال الانتقال السلس من تفاصيل اليابسة إلى سحر الأعماق، حيث تشكّل اللوحات البحرية جزءاً أساسياً يستلهم كائنات البحر الأحمر وألوانه الفريدة، وهو ما يبرز بوضوح في لوحات الفنان إبراهيم عبد الله المتتالية؛ إذ تجمع لوحته الأولى بين حصان البحر وقنديل البحر في شكل طولي رشيق ومتوازن، وتلحقها لوحته الثانية لترصد حركة سمكة التريجر الملونة وهي تسبح بانسيابية وسط الشعاب المرجانية، مما يعكس براعة في رسم تفاصيل الحياة الطبيعية بدقة تتماشى مع روح الملتقى في البحث عن ملامح الهوية.
وعلى الجانب الآخر، يظهر الخيل كرمز أصيل للحرية في الثقافة العربية من خلال التجربتين المتتاليتين للفنانة أسماء مصطفى؛ حيث تبدأ رؤيتها بلوحة الحصان البني الذي يفيض بالقوة والانطلاق، ثم تؤكد في لوحتها الثانية على حالة من التناغم عبر رسم لفتاة تفيض ملامحها بالرقة والانسجام وهي تقف بجانب خيلها، بينما يقدم أحد الفنانين المشاركين لوحة طبيعية رمزية تأخذ عين المشاهد نحو مساحة خيالية تدمج تضاريس الأرض بالشجر والماشية في قصة بصرية ممتعة. ومن حيث تصميم اللوحات وبنائها الفني، نجحت الأعمال المعروضة بالكامل في استخدام أساليب فنية متنوعة لخدمة الفكرة الوطنية، حيث تنوعت اللوحات بين التركيز على الحركة التي تمنح المشاهد شعوراً بالنشاط المستمر كما في لوحات الخيول والرقص الشعبي، وبين اللوحات التي تركز على الوجوه المباشرة لتخلق علاقة إنسانية سريعة وقوية مع المشاهد.
وقد تداخلت الخطوط مع لمسات الفرشاة الواضحة لإبراز مناطق النور والظل ورسم التفاصيل ببراعة، سواء في تجاعيد الوجه الإنساني أو في حركة الكائنات البحرية، مما منح الأشكال واقعية وحيوية تخدم المعنى العام لكل لوحة. وتلعب لغة الألوان دوراً أساسياً في ربط هذا التنوع البصري الغني، إذ تنقسم الألوان بذكاء بين الدرجات الترابية الدافئة والدرجات البحرية الباردة؛ فتسيطر ألوان الأرض من درجات البني، والبرتقالي، والأصفر الدافئ على لوحات الخيل، والسوق، والريف، مما يعزز الإحساس بالدفء والأصالة والارتباط بالتراب، في حين تبرز تدرجات الأزرق في اللوحات البحرية لتعكس عمق الماء وسحره. وقد تعمد الفنانون كسر برودة الألوان الزرقاء بلمسات لافتة من الأصفر والبرتقالي الزاهي على أجساد الأسماك لإحداث تنوع لوني يخطف الأنظار، مما يؤكد في النهاية أن هذه المجموعة الفنية نجحت معاً في تقديم عرض بصري ممتع يتكامل مع قصائد شعراء الملتقى؛ لتتغنى بالهوية، والحرية، وتفاصيل الحياة الجميلة.
وفي سياق متصل يعكس هذا الزخم الإبداعي، تواصلت فعاليات الملتقى الإقليمي الحادي عشر لأدباء جنوب الصعيد في قصر ثقافة الغردقة، والذي يقام برعاية الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، والدكتور وليد البرقي محافظ البحر الأحمر، وبتنظيم من الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة؛ حيث تشرف على تنفيذه الإدارة العامة للثقافة العامة التابعة للإدارة المركزية للشؤون الثقافية بالتعاون مع فرع ثقافة البحر الأحمر. ويتضمن الملتقى مجموعة من الجلسات البحثية والأمسيات الأدبية التي تسعى لمناقشة قضايا الثقافة والخصوصية الوطنية في ظل المتغيرات المعاصرة، لتلتقي الأفكار والرؤى الإبداعية بين جنباته، وتختتم هذه الحوارات الفكرية الغنية فعالياتها غداً الثلاثاء مكملة مسيرة الإبداع والتنوير في جنوب مصر.









|