|
القاهرة 27 يونيو 2026 الساعة 05:42 م

بقلم: محمد خضير
في زمن تتعدد فيه وسائل التواصل، يبقى الفن هو اللغة الوحيدة التي تعد سفير ومترجم يخاطب الإنسان قبل أن يخاطب لغته، ويصل إلى الوجدان قبل أن يصل إلى العقل. ومن هذا المنطلق، جاءت الدورة السابعة من ملتقى سوهاج الدولي للمبدعين في الخط العربي والفن التشكيلي، التي استضافها البيت الروسي بالقاهرة تحت عنوان «رموز الحضارات»، لتقدم نموذجًا ثقافيًا راقيًا يؤكد أن اللوحة الفنية يمكن أن تكون وثيقة دبلوماسية، وأن الحرف قد يصبح رسولًا للحوار بين الأمم.
ولذلك جاء الملتقى كمعرض تشكيلي يضم عشرات اللوحات، ليتحول إلى مشروع ثقافي متكامل أعاد التأكيد على أن القوة الناعمة ما زالت تمتلك القدرة على بناء الجسور في عالم تزداد فيه الانقسامات.. فحين يلتقي الخط العربي بجماليات الحرف الروسي داخل فضاء ثقافي واحد، فإن الرسالة تتجاوز حدود الفن لتصبح دعوة إلى احترام التنوع الإنساني، والإيمان بأن الحضارات لا تتصارع، وإنما تتحاور.
* الفن التشكيلي ذاكرة الشعوب:
كما أن اختيار عنوان «رموز الحضارات» يحمل رؤية فكرية عميقة.. فالحضارات لا تُقاس فقط بما شيدته من معابد أو مدن، وإنما أيضًا بما تركته من فنون وخطوط ورموز بصرية تحفظ ذاكرة الإنسان عبر العصور.
وفي هذا السياق، قدم أكثر من خمسة وثلاثين فنانًا من سوهاج والقاهرة وعدد من الدول العربية أعمالًا تنوعت بين الرسم الزيتي، والألوان المائية، والجرافيك، والخط العربي، لتكشف عن تعددية المدارس الفنية المصرية وقدرتها على الحوار مع الثقافات الأخرى دون أن تفقد هويتها.
لقد أثبتت الأعمال المشاركة أن الفن التشكيلي المصري يمتلك خصوصيته البصرية المستمدة من التاريخ والجغرافيا والوجدان الشعبي، لكنه في الوقت نفسه قادر على الانفتاح على التجارب العالمية وإقامة حوار إبداعي معها.
* فنون الخط العربي:
كان من أكثر ما يميز الملتقى الاحتفاء بفنون الخط العربي إلى جانب الخط الروسي، وهي فكرة تحمل بعدًا حضاريًا بالغ الأهمية.. فالخط هو فن بصري مستقل، يعكس فلسفة كل حضارة ونظرتها إلى الجمال.. ولقد استطاع الفنانون أن يقدموا الحرف بوصفه عنصرًا تشكيليًا نابضًا بالحياة، يختزل التاريخ والهوية والروح الإنسانية في آن واحد، ليؤكدوا أن الأبجدية يمكن أن تتحول إلى لوحة، وأن الكلمة قد تصبح عملًا فنيًا يتجاوز حدود اللغة.
ومن هنا جاءت رمزية الاحتفاء بالشاعر الروسي الكبير ألكسندر بوشكين، باعتباره أحد أهم رموز الثقافة الروسية الحديثة، في رسالة تؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يعرف حدودًا جغرافية، وأن الأدب والفن يشكلان ذاكرة مشتركة للبشرية.
* دبلوماسية الثقافة:
أثبت المركز الثقافي الروسي بالقاهرة، من خلال استضافته لهذا الحدث، أن المؤسسات الثقافية هى منصات للحوار الحضاري.. فالبيت الروسي يواصل أداء دوره بوصفه مساحة يلتقي فيها الفنانون والمثقفون من مختلف الخلفيات، بما يعزز العلاقات الثقافية بين مصر وروسيا، ويمنح الفن مساحة أوسع للقيام بدوره في التقريب بين الشعوب.
ولعل كلمات مسؤولي المركز، وفي مقدمتهم شريف جاد ودينيس برونيكوف، جاءت معبرة عن هذه الفلسفة، حين أكدا أن الفن لغة عالمية قادرة على تجاوز الاختلافات السياسية والجغرافية، وأن المعارض المشتركة تفتح أبوابًا جديدة للتفاهم الثقافي.
* سوهاج.. والحراك الفنى:
اللافت في هذا الملتقى أنه يؤكد عامًا بعد آخر أن الإبداع الحقيقي موجود في المحافظات والأقاليم التي تمتلك طاقات بشرية وثقافية هائلة، حيث استطاع الفنان التشكيلي عادل مطاوع أن يحول ملتقى سوهاج للمبدعين إلى مشروع ثقافي مستدام، يخرج بالفنانين من حدود محافظتهم إلى فضاءات عربية ودولية، ويقدم صورة مشرقة عن الحركة التشكيلية في صعيد مصر.
كما أن مشاركة هذا العدد الكبير من الفنانين المصريين والعرب تعكس نجاح الملتقى في خلق حالة من التفاعل الفني، وتؤكد أن الفن حين يجد من يؤمن به، يصبح قادرًا على تجاوز المركزية الثقافية، وإعادة اكتشاف كنوز الإبداع في المحافظات.
* القوة الناعمة والفنون:
ما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه المبادرات التي تعيد الاعتبار للفنون بوصفها أحد أهم أدوات بناء الإنسان.. فالفن التشكيلي هو وسيلة لتشكيل الوعي، وترسيخ قيم الجمال، ومواجهة خطاب الكراهية والانغلاق.. ولذلك فإن دعم الملتقيات الفنية، خاصة القادمة من الأقاليم، ينبغي أن يكون جزءًا من استراتيجية ثقافية وطنية، لأن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الأمن الفكري والهوية الوطنية، بالإضافة إلى أن ربط هذه الفعاليات بمؤسسات ثقافية دولية، مثل البيت الروسي، يمنح الفنان المصري فرصة للاحتكاك بالتجارب العالمية، ويعزز حضور الفن المصري في المشهد الثقافي الدولي.
* الفن.. وصناعة الحوار :
ولذلك عزيزى القارئ نجد أن الدورة السابعة من ملتقى سوهاج الدولي للمبدعين بالإضافة إلى أنها فرصة ومناسبة لعرض اللوحات، تعد إعلانًا جديدًا عن قدرة الفن على صناعة الحوار، وبناء الثقة، وإحياء القيم الإنسانية المشتركة.. ولقد أكد الملتقى أن اللوحة يمكن أن تكون سفيرًا لبلدها، وأن الخط يمكن أن يحمل رسالة سلام، وأن الفنان يظل أحد أهم سفراء الحضارة.
وأخيرا وليس بآخر.. فإن استمرار هذا الملتقى وتوسيع نطاقه ليشمل مشاركات دولية أكبر، مع انتقاله بين المحافظات المصرية، سيجعله أحد أهم النماذج الثقافية التي تجسد دور الفن في تعزيز الدبلوماسية الثقافية، وترسيخ مكانة مصر بوصفها مركزًا للإبداع، وحاضنة للحوار بين الحضارات.. فاللوحات قد تُعلَّق على الجدران، لكنها في الحقيقة ترسم مستقبلًا أكثر انفتاحًا، وتؤكد أن الحضارات العظيمة لا تلتقي بالسلاح أو الصراع، بل بالفن والثقافة والجمال.



|