|
القاهرة 25 يونيو 2026 الساعة 01:26 م

بقلم: د. حسين عبد البصير
هناك خطأ شائع نقع فيه جميعًا عندما نتحدث عن الآثار؛ فنحن نظن أن الأثر هو الحجر، أو التمثال، أو المومياء، أو المعبد. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالأثر ليس ما نراه داخل صندوق زجاجي في متحف، وإنما ما يبقى حيًّا داخل عقل الإنسان ووجدانه.
إن أخطر أثر يمكن أن نفقده ليس تمثالًا أو لوحة أو مقبرة، بل هو ذاكرة الإنسان نفسه..
فعندما يكبر طفل لا يعرف لماذا بُني الهرم، أو من هو رمسيس، أو ماذا تعني الإسكندرية في تاريخ الحضارة الإنسانية، فإننا لا نفقد معلومة، بل نفقد جزءًا من مستقبل هذا الوطن.
لذلك، فإن بناء الوعي الأثري لا يبدأ في الجامعة، ولا حتى في المدرسة، بل يبدأ منذ اللحظة التي ينظر فيها الطفل لأول مرة إلى قطعة أثرية، فيسأل: من صنعها؟ ولماذا بقيت آلاف السنين؟ وما الذي تريد أن تقوله لنا اليوم؟
إنني أؤمن بأن المتاحف في القرن الحادي والعشرين يجب ألا تكون مخازن للآثار، وإنما مصانع للعقول. فالمتحف الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد الزوار، وإنما بعدد الأطفال الذين خرجوا منه وهم أكثر فضولًا، وأكثر حبًا لوطنهم، وأكثر استعدادًا للدفاع عن تراثه.
لقد تغير العالم. لم يعد التعليم يقوم على الحفظ والتلقين، بل على الاكتشاف والتجربة والتفكير. وهذا بالضبط ما تحتاج إليه التربية الأثرية. فالطفل لا يريد أن يسمع محاضرة عن قطعة أثرية، بل يريد أن يكتشفها بنفسه، وأن يطرح الفرضيات، وأن يخطئ، ثم يصحح خطأه، وأن يشعر للحظة أنه عالم آثار، أو مؤرخ، أو مهندس مصري قديم.
وهنا يتحول الأثر من شيء صامت إلى حوار حي بين الماضي والمستقبل.
ومن وجهة نظري، فإننا بحاجة إلى الانتقال من فكرة "تعليم التاريخ" إلى فكرة "صناعة الإنسان بالتاريخ". فالتاريخ ليس مادة دراسية، بل وسيلة لتشكيل الشخصية المصرية. والطفل الذي يتعلم احترام حضارة عمرها آلاف السنين، سوف يحترم القانون، ويحافظ على البيئة، ويقدّر الفن، ويؤمن بقيمة العمل والإبداع.
كما أن التربية الأثرية هي في جوهرها تربية سياحية أيضًا. فالسائح لا يأتي ليرى الأحجار، وإنما يأتي ليعيش قصة. وإذا كان أبناء البلد أنفسهم لا يعرفون هذه القصة، فمن سيرويها للعالم؟
إن أفضل سفير لمصر ليس فقط الدبلوماسي أو المرشد السياحي، بل ذلك الطفل الذي يتحدث بفخر عن حضارة بلاده، ويستطيع أن يحكي حكاية معبد، أو يفسر نقشًا، أو يربط بين الماضي والحاضر. فهذا الطفل يحمل مصر في ذاكرته قبل أن يحملها في جواز سفره.
وأرى أن المستقبل يفرض علينا مفهومًا جديدًا يمكن أن نسميه "المواطنة الحضارية"؛ أي أن يشعر كل طفل بأنه وريث حضارة إنسانية كبرى، وأن الحفاظ على التراث ليس واجب الدولة وحدها، بل مسؤولية شخصية وأخلاقية.
ومن هنا، ينبغي أن تتحول المتاحف إلى معامل للإبداع، وأن تصبح الآثار جزءًا من حياة الأطفال اليومية، من خلال الألعاب، والقصص، والمسرح، والفنون، والذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، والأنشطة التفاعلية التي تجعل الحضارة تجربة معاشة لا درسًا محفوظًا.
إن الدول العظمى لا تبني مستقبلها بالاقتصاد وحده، بل تبنيه بالذاكرة. ومصر تمتلك أعظم ذاكرة حضارية عرفتها الإنسانية. لكن هذه الذاكرة لن تستمر إذا بقيت حبيسة الكتب أو خلف واجهات العرض.
علينا أن نزرع الحضارة في قلوب الأطفال قبل أن نعرضها في قاعات المتاحف.
فالطفل الذي يعرف ماضيه جيدًا... لن يخاف من مستقبله.
والأمة التي تُربي أبناءها على حب آثارها، لا تحافظ على تاريخها فقط، بل تصنع تاريخًا جديدًا يستحق أن يُحكى للأجيال القادمة.
|