|
القاهرة 24 يونيو 2026 الساعة 06:44 م

تُشكل تجربة الفنان الأمريكي الروماني رومان كوتوسمان (1935 - 2006) نموذجاً فريداً للتحرر الجمالي والسياسي عبر المنهج الفلسفي للفن؛ إذ ظهر في المشهد الفني الروماني خلال فترة الستينيات ليقف في وجه تيار "الواقعية الاشتراكية" (Socialist Realism) السائد آنذاك، والذي كان يمثل النمط الرسمي للدولة ويفرض على الفن صياغة الموضوعات الاجتماعية بمثالية واقعية موجهة. ومن هنا، رأى كوتوسمان في هذا التيار نوعاً من العبودية التمثيلية التي تقيد طاقة المبدع بأيديولوجية محددة؛ مما دفع برغبته الجارفة نحو الانعتاق من السجن الثقافي والسياسي المفروض، ليتزامن فنه مع التحولات الأوروبية الطليعية الأوسع.
وقد قادته هذه الرغبة الجذرية نحو التبني الواعي لتجريد ينتمي إلى "مذهب البنائية" (Constructivism)؛ وهو الاتجاه الذي يركز على الوظيفة والمنطق الهندسي بدلاً من الإفراط العاطفي أو السرد الأيديولوجي، فجاء هذا التحول كفعل مقاومة ثقافية يثبت أولوية العقلانية والبنية الجمالية على الجمود السياسي. ومن خلال اعتماده على الأسس الرياضية والأشكال الصريحة، أصبح كوتوسمان أحد أبرز الفنانين الذين استوعبوا أسلوب "المينيمال" (الفن الأدنى) في شرق أوروبا، محققاً الحياد البصري والجمالية الصريحة التي ترفض التزيين، وتوجه انتباه المتلقي نحو الوجود الأصيل للعمل الفني ذاته في أبسط حالاته الوجودية.
وتنبثق القوة المفاهيمية في منجز كوتوسمان من قدرته على استكشاف الجدليات البصرية للمينيمالية عبر مسارين متكاملين؛ يرتكز الأول على الصرامة والنظام والتكرار الرأسي المنتظم للوحدات الهندسية كالمستطيلات على مسافات وأبعاد متساوية، وهو ما يزيح أي أثر للذاتية أو العاطفة ويصل بالعمل إلى مستوى الصيغة الرياضية البحتة. بينما ينطلق المسار الآخر نحو ديناميكية اللون والتباين واشتباك القوى البصرية، كالحوار المباشر بين اللونين الأسود والأحمر من خلال مربعات ذات أحجام مختلفة ومواضع غير متماثلة؛ حيث يمثل المربع الأسود ثقلاً بصرياً يعبر عن الجوهر والعمق أو ثقل الواقع، في حين يجسد المربع الأحمر طاقة الحركة والمواجهة والاندفاع، مما يُحدث خللاً متعمداً في التوازن التقليدي لإثارة تساؤلات حول الثبات والتغيير، وحول الاحتواء والتوسع في الفضاء المحيط.
وفي هذا السياق، تكتسب العملية الإجرائية والخامة ثقلاً فلسفياً خاصاً في منجزه، لا سيما عند اعتماده على تقنيات نوعية مثل الحفر البارز على الخشب، لتصبح المتغيرات المادية الناتجة عن الظل والنور والملامس التي يخلقها التكرار المادي للوحدات المحفورة هي العناصر الجمالية الخالصة للعمل؛ مما يؤكد أن المادة والعملية هما المحتوى الفعلي للفن، محولاً اللوحة إلى تجربة ظاهراتية ترصد التفاعل الديناميكي بين الكتلة والفراغ السلبي المحيط بها.
وتتجلى هذه الرؤية الفلسفية والمحاكمة البنائية لماهية الشكل والفراغ بشكل تطبيقي مباشر في طبعاته الفنية (في شكلين 1 و2)؛ حيث يمثل هذان العملان تجسيداً حياً لهذا الاختزال الجذري في التقنية واللون، ونموذجاً حياً لكيفية تحويل البساطة الهندسية والتكرار أو التباين اللوني إلى منصة للتأمل الفلسفي في المادة، واللون، والفضاء، والتفاعلات البصرية التي تحدد إدراكنا للواقع.

|