|
القاهرة 24 يونيو 2026 الساعة 01:01 م

بقلم: حسن غريب أحمد
منذ أن رفع الشعر العربي الحديث راية التمرد على الأشكال التقليدية، لم يكن التجديد مقتصرًا على البنية الفنية واللغوية فحسب، بل امتد إلى طبيعة الذات الشاعرة نفسها. فقد خرج الشاعر من دائرة "الناطق باسم الجماعة" إلى فضاء "الذات المركزية" التي ترى العالم من خلال تجربتها الخاصة، وتعيد تشكيله وفق رؤيتها ومشاعرها وأحلامها. وفي هذا السياق برزت النزعة النرجسية بوصفها إحدى الظواهر اللافتة في الشعر العربي الحديث، تارةً بصورة مباشرة وصريحة، وتارةً أخرى متخفية خلف أقنعة ورموز وأدوار متعددة.
والنرجسية هنا لا تُفهم بالمعنى المرضي الضيق الذي يشير إلى اضطراب الشخصية، وإنما بوصفها تمركزًا للذات حول ذاتها، وميلاً إلى تضخيم الأنا الشعرية، وإضفاء نوع من التفرد والاستثنائية على تجربة الشاعر ورؤيته للعالم.
• من "نحن" الجماعة إلى "أنا" الفرد
كان الشعر العربي القديم، في أغلب مراحله، يعبر عن القبيلة أو الجماعة أو الأمة، حتى وإن تحدث الشاعر بضمير المتكلم. أما في الشعر الحديث فقد أصبحت "الأنا" محورًا أساسيًا للخطاب الشعري. ولم يعد الشاعر مجرد ناقل للواقع، بل صار يرى نفسه صانعًا للرؤية ومؤسسًا للمعنى.
ولهذا نجد العديد من الشعراء يقدّمون أنفسهم بوصفهم كائنات استثنائية، أو أنبياء للكلمة، أو حراسًا للحقيقة، أو شهودًا على العصر. وتتحول الذات من مجرد عنصر داخل النص إلى مركز يدور حوله النص كله.
لقد كتب بعض الشعراء قصائد كاملة لا تتحدث في جوهرها إلا عن تجربة الشاعر مع نفسه، وعن إحساسه بالتميز أو الاغتراب أو العبقرية أو المظلومية، حتى بدا العالم الخارجي أحيانًا مجرد خلفية لتضخيم حضور الذات.
• الأقنعة النرجسية في الشعر الحديث
لكن النرجسية الشعرية لا تظهر دائمًا بصورة مباشرة. فكثيرًا ما تلجأ إلى الأقنعة الفنية التي تمنحها شرعية جمالية وتبعدها عن الاتهام بالمباشرة أو الغرور.
فقد يتحدث الشاعر بلسان شخصية تاريخية، بينما يكون في الحقيقة بصدد الحديث عن نفسه. وقد يرتدي قناع البطل الأسطوري أو الثائر أو المنفي أو النبي أو الشهيد، ليمنح ذاته بعدًا رمزيًا يتجاوز حدود التجربة الفردية.
وفي كثير من النصوص الحداثية تصبح الأسطورة وسيلة لإعادة إنتاج الأنا لا لإخفائها. فالشاعر لا يستدعي الرمز الأسطوري من أجل الرمز ذاته، بل من أجل أن يرى صورته فيه. وهكذا تتحول الشخصيات التاريخية والأسطورية إلى مرايا تعكس الذات الشاعرة أكثر مما تعكس دلالاتها الأصلية.
• النرجسية الجمالية ونرجسية اللغة
لا تتجلى النرجسية في الموضوعات وحدها، بل تمتد إلى اللغة ذاتها. فبعض الشعراء يقيمون علاقة خاصة مع اللغة تجعلها مساحة لاستعراض القدرة الفنية وإبراز التفوق الأسلوبي.
فتصبح القصيدة أحيانًا احتفالًا بمهارة الشاعر أكثر من كونها احتفالًا بالفكرة أو التجربة.
ويغدو الإبهار اللغوي هدفًا قائمًا بذاته، وكأن النص يقول للقارئ: انظر إلى براعة الصانع قبل أن تنظر إلى ما يصنعه.
وهنا تتخذ النرجسية شكلًا أكثر خفاءً؛ إذ لا تعلن الأنا عن نفسها مباشرة، بل تتجسد في رغبتها المستمرة في إثبات التميز والتفوق الجمالي.
• بين النرجسية والإبداع
غير أن الحكم على النرجسية الشعرية ينبغي ألا يكون حكمًا أخلاقيًا أو تبسيطيًا.
فالكثير من الأعمال الكبرى في تاريخ الأدب انطلقت من إحساس عميق بفرادية الذات. ولولا إيمان المبدع بصوته المختلف لما استطاع أن يضيف جديدًا إلى التجربة الإنسانية.
المشكلة لا تكمن في حضور الأنا، بل في استبدادها.
فحين تتحول الذات إلى مركز مغلق لا يرى العالم إلا انعكاسًا لصورته، تفقد القصيدة قدرتها على التواصل مع الآخر.
أما حين تنطلق الذات من خصوصيتها نحو الأسئلة الإنسانية الكبرى، فإن التجربة الشخصية تتحول إلى تجربة جماعية يتعرف القارئ فيها على نفسه.
• النرجسية والاغتراب
ثمة مفارقة لافتة في الشعر الحديث؛ فالشاعر النرجسي لا يبدو دائمًا متعاليًا أو واثقًا من نفسه، بل إن كثيرًا من مظاهر النرجسية تختبئ خلف خطاب الاغتراب والانكسار والشعور بالخذلان.
فالذات التي تكرر الحديث عن جراحها ومظلوميتها وعزلتها قد تكون، في بعض الأحيان، منشغلة بنفسها إلى الحد الذي يجعل العالم كله يدور حول آلامها الخاصة.
ومن هنا تتداخل النرجسية مع الإحساس بالاغتراب، ويتحول البوح الشخصي إلى مركز الثقل في النص الشعري.
إن النزعة النرجسية في الشعر العربي الحديث ليست ظاهرة عابرة، بل هي إحدى النتائج الطبيعية لتحولات الوعي الحديث وصعود الفرد بوصفه مركزًا للخبرة والمعنى.
وقد بدت هذه النزعة أحيانًا في صورة مباشرة وصريحة، كما اختبأت أحيانًا أخرى خلف أقنعة التاريخ والأسطورة واللغة والاغتراب والبطولة.
ولعل القيمة الحقيقية للشعر لا تتحدد بوجود النرجسية أو غيابها، وإنما بقدرة الشاعر على تحويل "الأنا" الفردية إلى تجربة إنسانية أوسع.
فالشعر العظيم لا يلغي الذات، لكنه يجعلها نافذة نرى من خلالها العالم، لا مرآة لا نرى فيها إلا صاحبها.
• قراءة تطبيقية في نماذج مختارة
إذا كانت الحداثة الشعرية العربية قد أعادت الاعتبار للذات الفردية بوصفها مركزًا للرؤية والإبداع، فإنها في الوقت نفسه فتحت المجال واسعًا أمام تجليات متعددة للنرجسية الشعرية.
ولم تعد الأنا مجرد ضمير لغوي داخل النص، بل تحولت إلى بنية فكرية وجمالية تتحكم في تشكيل العالم الشعري كله.
وقد تبدت هذه النزعة أحيانًا في صورة مباشرة تعلن حضور الذات واستثنائيتها، بينما اختبأت أحيانًا أخرى خلف أقنعة البطولة والأسطورة والتاريخ والمنفى والنبوة الشعرية.
• أولًا: أدونيس... الأنا بوصفها مركز الكون الشعري
تُعد تجربة أدونيس من أكثر التجارب الشعرية العربية الحديثة اقترابًا من مفهوم الذات المركزية. فالشاعر لا يكتفي بالتعبير عن تجربته، بل يسعى إلى إعادة بناء العالم من خلال رؤيته الخاصة.
في كثير من نصوصه تبدو الذات وكأنها كائن فوق العادي، يمتلك قدرة خاصة على قراءة التاريخ وتفكيك الموروث واستشراف المستقبل.
لذلك لا يظهر الشاعر مجرد فرد داخل الجماعة، بل يظهر بوصفه صاحب رسالة ورؤية تتجاوز الآخرين.
وقد تجلت هذه النزعة في كثافة الرموز الأسطورية والنبوية التي استحضرها أدونيس، حيث تتحول الشخصيات المستدعاه إلى مرايا تعكس صورة الشاعر نفسه باعتباره حاملًا لمشروع التغيير والتجاوز.
إنها نرجسية معرفية أكثر منها عاطفية؛ نرجسية المثقف الذي يرى نفسه مؤهلًا لإعادة تعريف العالم.
• ثانيًا: محمود درويش... النرجسية الممزوجة بالمأساة الجماعية
يبدو الحديث عن النرجسية في تجربة محمود درويش أكثر تعقيدًا؛ لأن الذات عنده لا تنفصل عن القضية الفلسطينية.
غير أن المتأمل في كثير من نصوصه يلاحظ أن الشاعر نجح في جعل ذاته الفردية رمزًا جماعيًا.
فحين يتحدث عن نفسه فإنه يتحدث، ضمنيًا، عن شعب كامل.
وفي قصائد عديدة تتجلى صورة الشاعر بوصفه شاهدًا استثنائيًا على الألم والذاكرة والمنفى.
وهنا لا تنبع النرجسية من الشعور بالتفوق، بل من الإحساس بأن الذات تحمل عبئًا تاريخيًا خاصًا.
لقد استطاع درويش أن يحول الأنا إلى مساحة تتقاطع فيها التجربة الفردية مع التجربة الجمعية، ولذلك بدت نرجسيته أقل حدة وأكثر إنسانية.
• ثالثًا: نزار قباني.. نرجسية العاشق ونرجسية الشاعر
في تجربة نزار قباني تظهر النرجسية بوضوح أكبر، لكنها تتخذ طابعًا مختلفًا.
فالشاعر يقدم نفسه غالبًا بوصفه العاشق النموذجي الذي يمتلك قدرة استثنائية على فهم المرأة والحب والجمال.
وتتحول الأنا إلى محور تدور حوله العلاقات العاطفية والوجدانية.
كما تتجلى النرجسية في الثقة الكبيرة باللغة والأسلوب والقدرة على الإدهاش. فالنص القباني يحتفي بصاحبه كما يحتفي بموضوعه.
ومع ذلك فإن هذه النرجسية لم تمنع القصيدة من الوصول إلى جمهور واسع، لأن الشاعر نجح في ربط تجربته الذاتية بمشاعر إنسانية مشتركة.
• رابعًا: بدر شاكر السياب.. نرجسية الجرح والضحية
على النقيض من الصورة التقليدية للنرجسية المرتبطة بالتعالي، يقدم السياب نموذجًا مختلفًا يمكن تسميته "نرجسية المعاناة".
فالمرض والفقر والمنفى والخذلان تحولت جميعها إلى مكونات أساسية في بناء الذات الشعرية.
ويبدو الشاعر في كثير من نصوصه وكأنه مركز للألم الكوني.
فالعالم كله ينعكس عبر جراحه الخاصة.
هنا لا تتجسد النرجسية في تمجيد القوة، بل في تمجيد المعاناة.
وتصبح الذات الجريحة هي محور الرؤية الشعرية ومصدر مشروعيتها.
• خامسًا: قناع الأسطورة.. الحضور الغائب للأنا
من أبرز مظاهر النرجسية المقنعة في الشعر الحديث لجوء الشعراء إلى الأسطورة والشخصيات التاريخية.
فعندما يتحدث الشاعر بلسان جلجامش أو الحلاج أو المتنبي أو أوديسيوس، فإنه لا يغادر ذاته تمامًا، بل يعيد إنتاجها في صورة رمزية أكثر اتساعًا.
وقد لاحظ كثير من النقاد أن القناع في الشعر الحديث ليس وسيلة لإخفاء الذات بقدر ما هو وسيلة لتضخيمها ومنحها أبعادًا أسطورية وتاريخية.
فالأنا تختفي ظاهريًا، لكنها تبقى القوة المحركة للنص.
النرجسية بين الإبداع والادعاء:
ليست كل ذات شعرية قوية نرجسية بالضرورة، كما أن حضور الأنا ليس عيبًا فنيًا في حد ذاته.
فالقصيدة الحديثة تقوم أساسًا على خصوصية التجربة الفردية.
لكن الفرق كبير بين الذات التي تتحول إلى أداة لاكتشاف العالم، والذات التي تجعل العالم مجرد صدى لصوتها.
فحين تنفتح الأنا على الآخر والوجود والتاريخ تنتج شعرًا إنسانيًا عميقًا، أما حين تنغلق على نفسها فإنها تتحول إلى خطاب استعراضي يفقد قدرته على التأثير.
• وفي خاتمة قراءتي أقول :
تكشف قراءة الشعر العربي الحديث أن النزعة النرجسية ليست ظاهرة هامشية، بل هي إحدى السمات الملازمة لصعود الفرد في الثقافة الحديثة. وقد ظهرت في صور متعددة: نرجسية الرؤية عند أدونيس، ونرجسية الرمز الجمعي عند محمود درويش، ونرجسية العاشق عند نزار قباني، ونرجسية المعاناة عند بدر شاكر السياب.
لكن القيمة الفنية لا تُقاس بوجود النرجسية أو غيابها، وإنما بمدى قدرة الشاعر على تحويل ذاته الخاصة إلى تجربة إنسانية عامة.
فالشاعر الحقيقي لا يكتفي بأن يرى نفسه في العالم، بل يجعل الآخرين يرون أنفسهم من خلال شعره.
|