القاهرة 23 يونيو 2026 الساعة 12:36 م
تحقيق وإعداد مصطفى علي عمار
في نجع قطية بصعيد مصر، حيث النيل والحقول والجبال، وُلد شاعر صنع من طابع البريد سلاحاً، ومن الإبداع وساطة. لم يذهب عزت الطيري إلى القاهرة.. بل جاءت إليه. خمسة عقود من الشعر، 27 ديواناً، ومسرحيتان، وقلب طفل لا يكبر. في هذا الملف نفتح دفاتر الطيري الإنسان والشاعر، عبر شهادات جميل السلحوت ولؤي حقي ومحمد الفيتوري ورفاق دربه، لنفهم لماذا قال الفيتوري: "الشعر في مصر هو عزت الطيري".
إذا كان الشعر تعبيراً عن لحظة شعور، فإن شعر عزت الطيري يؤكد ذلك كل لحظة. الرجل اللمّاح بطبعه، الذي يلتقط فكرة قصيدته وهو جالس في شرفة بيته بنجع قطية، أو وهو يمر في طرقات الحقول بين المزارعين، فيغزل خيوطها بشرايين قلبه وعاطفته الدافقة. فتأتي لغته انسيابية عذبة كخرير قناة مياه تمر عبر حديقة غنّاء، وكلماته راقصة يعلو إيقاعها، تتسلل كما خيوط ضوء القمر البدر إلى قلوب قارئيها ومستمعيها. هذا ما رآه فيه الشاعر الفلسطيني الكبير جميل السلحوت، وهذا ما أدركه كل من اقترب من تجربته.
الشاعر الذي جاءت إليه القاهرة
ولد عزت الطيري في 23 سبتمبر 1953 بنجع قطية التابع لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا. ابن ناظر المدرسة المثقف، حفيد الشيخ الأزهري صاحب العمود في الجامع الأزهر. نشأ في بيت علم وأدب، تجاور فيه كتب التفاسير وصحيح البخاري مجلدات "ألف ليلة" بنسختها غير المنقحة، وكتب المنفلوطي وجورجي زيدان، ومجلة "الإثنين والدنيا"، إلى جانب اسطوانات محمد رفعت وعبد الباسط وأم كلثوم ومنيرة المهدية.
من طفولته بدت علامات التمرد والذكاء. يحكي الكاتب عاطف عبد المجيد أنه ضبطه أبوه ومعه خطابان: الأول عاطفي لزميلته في الفصل يطلب موعداً "في الهجير يوم الجمعة عند النخلات الثلاث"، والثاني لجمال عبد الناصر يعبر فيه عن إعجابه ببطولاته رغم أن والده كان يبغضه وينتقد حكمه. نال أول علقة ساخنة، لكن أبوه في الوقت نفسه كان يخفي إعجابه بنبوغه المبكر وأسلوبه الذي يفوق سنه.
دخل المدرسة قبل سن الإلزام، ورفض والده "فلفل وشر" وعلمه "وزن وأخذ وزرع وحصد". قرأ كامل الكيلاني ومحمد لبيب البوهي، ثم نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، ثم عنترة والبحتري وابن الرومي، حتى وصل إلى بدر توفيق وصلاح عبد الصبور وأحمد حجازي "مدينة بلا قلب" فأحس أن الديوان يتكلم عنه: "ذلك الولد القروي العاشق الذي يلعن المدينة ويتوق لذراع سيدة يتأبطها".
لكن التحدي الحقي كان المسافة. هو من نجع قطية، خمسمائة كيلومتر من القاهرة. فاخترع مقولته التي صارت شعار تجربته: "إذا كنت لا أستطيع الذهاب إلى القاهرة فلماذا لا تأتي القاهرة إليّ؟ سلاحي الوحيد طابع البريد ووساطتي الوحيدة هو إبداعي".
وفعلاً جاءت القاهرة. نشر أول قصيدة في "صوت الشرق" وهو في الثانوية، ثم في "الجديد" لرشاد رشدي. في جامعة أسيوط التقى بسعد عبد الرحمن ومصطفى رجب وطارق الناظر، وأسّسوا نادي الأدب وأقاموا الأمسيات. مثّل قنا في أول مؤتمر لأدباء الأقاليم، ثم مثّل مصر في مؤتمر الأمة الشعري ببغداد 1984 مع لؤي حقي، حيث قال له الشاعر الفلسطيني محمد القيسي: "تذكرني بشبابي". وهناك تعلم الدرس الأهم: "ألا أنتظر الوحي، بل أقتحم القصيدة وأراودها عن نفسها حتى تستسلم".
فتحت له أبواب "الدوحة" برجاء النقاش، و"إبداع" بعبد القادر القط، و"العربي" الكويتية بمحمد الرميحي. نشر في "الهلال" و"الكاتب" و"روز اليوسف" و"صباح الخير". القاهرة لم تعد مركزاً يذهب إليه، بل صارت صدى يأتيه.
المجدد: القصيدة اليومية والومضة ورأيه في قصيدة النثر
ظهر عزت الطيري في منتصف السبعينيات وسط جيل قصائده "الغامضة والمركبة والكيميائية والمعملية الحافلة بالألغاز". فجاء هو بقصائد بسيطة شفافة بلا عقد ولا كلاكيع، تقدم نفسها ككيان جديد دون مباشرة أو إسفاف، وبعمق دون ادعاء.
كان أول من طبق مصطلح "القصيدة اليومية" في مصر، فصارت موضة وصرعة شعرية بعد ذلك. ومن أوائل من كتب القصيدة القصيرة/الومضة/الطلقة بمعناها الحقيقي، متأثراً بشعراء العراق يوسف الصايغ وبلند الحيدري. أن يختصر ما يقوله الآخرون في صفحات لتقوله أنت في سطرين أو ثلاثة، هذا يتطلب حضور بديهة وتركيز شديد جداً. وهذا ما نجح فيه بشهادة الكبار.
ورغم أنه من أوائل من كتب القصيدة القصيرة/الومضة، إلا أن عزت الطيري كان صريحاً مع "قصيدة النثر". في تحقيق جريدة الزمان عدد 367 بتاريخ 23/6/2023 صفحة 11، اتهمها بأنها "السبب في تسلل الجهلاء ومحدودي الموهبة إلى الشعر العربي وسيادة السيء"، ورأى "تعارضاً بين المضاف والمضاف إليه" في التسمية نفسها. وانتقد غموض بعض نماذجها وابتعادها عن المجتمع، مؤكداً أن من يكتبونها "لا يعرفون أوزاناً ولا بحوراً ولهذا كان الفشل كبيراً". لكنه أنصف روادها: "نماذج عظيمة تلقي بالقصيدة العمودية بخطابتها إلى صناديق المهملات مثل قصائد الماغوط وأنسي الحاج".
الشاعر العراقي لؤي حقي كتب عنه: "لا أعتقد أن هنالك صوتاً ظهر بعد أمل دنقل زمنياً بأهمية صوتك الشعري المجدد بالغ الرهافة والتفرد والخصوصية.. كيف تستطيع بلمسة ساحر أن تحول كل ما هو يومي بسيط إلى شعري كثيف التركيب عالي الدقة والإبهار؟".
والشاعر الكبير محمد الفيتوري قال عام 1994: "الشاعر المصري الذي يعجبني الآن.. اسمه عزت الطيري. أحسست أمام قصائده أنني أمام شاعر حقي ينتمي إلى هذا العصر، ودعك من اللغو الآخر". ووصل الأمر بالفيتوري أن قال: "إن الشعر في مصر هو عزت الطيري".
الكاتب أحمد الجعفري وصفه بـ "الشاعر المُهرج هندي الملامح" وقال: "كان الدأب والاطلاع والبديهة والموهبة والذائقة والقراءة والاستماع... جميعها كانت مفردات التجدد لديه، ما جعل أكابر الشعراء والنقاد والكتاب يعرفون له مقامه بينهم".
حتى الكاتب مصطفى نصر لاحظ السر: "لماذا أحب شعر عزت الطيري؟ لأن شعره جزء منه، يعني خفة دمه ومداعباته تجدها في شعره. وكثير من الشعراء لا يفعلون هذا".
الإنسان القروي: قلب طفل وخفة دم موثقة
"ليس غريباً أن تسود قصيدتي روح الريف، فأنا قروي حتى النخاع". الحقول أصدقاؤه، والنيل والشجر صاحباه، والحزن نديمه الوحيد في الفضاء الممتد حد السماء وحد البكاء.
لكنه قروي مثقف جريء. كسر تابوهات اجتماعية وثقافية دفاعاً عن حرية المبدع. وتعود "ألا يترك حقه": عندما أعلنت مجلة أنها "ليست للصغار ولا للإقليميين"، أرسل لها قصيدة أمل دنقل باسم مجهول فنشرتها، ثم أرسل قصيدته الأولى باسم فتاة على ورق وردي معطر بعطر نسائي مثير، فنشرتها في المتن. "تعودت ألا أترك حقي إذا أراد أحد أن يسيء إليّ".
قلبه قلب طفل، كما تقول الشهادة التقديرية. متسامح يغفر هنات الأصدقاء. وخفيف الدم حتى النخاع، وموثقة رسمياً. يحكي أحمد الجعفري أنه في افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب ذات سنة، وجّه الرئيس مبارك حديثه إلى فاروق حسني وزير الثقافة قائلاً له: "طَلَب عزت الطيري يتّنفّذ عشان معقول جداً ودمه خفيف أوي".
أشرف البولاقي يحكي موقفه في السيارة بخفة دم ومداعبة لأستاذه: "أرأيت ساقها؟" فقال على الفور: "سبحان من ساقها علينا!". ومن لا شيء يصنع قصيدة، كما قال عنه جميل السلحوت، "خلته كما أبي نواس... والله لو أردت أن لا أتكلم إلا شعراً لفعلت".
الإخلاص للمكان والشعر
ظل مخلصاً لمكانه الجغرافي. لم ينجذب لأضواء القاهرة، بل جذب أضواء القاهرة إليه. أسس مع عبد الستار سليم "جماعة النيل الأدبية" بنجع حمادي، وعقدت ندوات ومؤتمرات ومسابقات، خرج منها أجيال.
وأخلص للشعر وحده. رغم قدرته العظيمة على السرد وصناعة الإفيه وكتابة المقال المحكم، لم يخض غمار القصة أو المسرح أو التنظير النقدي. ديوانه الأول "تنويعات على مقام الدهشة" 1979، وآخر إصداراته "صهيل اللوز" و"بتوقيت عينيك أصحو". بينهما 27 ديواناً ومسرحيتين شعريتين: "بحيرة الظمأ" و"سيدة التفاح".
حتى اليوم، وهو في مكانته البعيد، لا يتخلف عن ركب الحداثة. الدوريات والمجلات والإنترنت تصله يومياً. يقرأ ويكتب ويجدد. ويقول: "أعتبر نفسي تلميذاً صغيراً ما زال يتعلم، وأنني لم أقدم بعد ما أحلم بتقديمه".
الاعتراف المتأخر: ظلمه التاريخ قبل الجغرافيا
هل أعطاه النقاد حقه؟ الإجابة عنده وعند عاطف عبد المجيد: لا. رغم الرسائل الجامعية والدراسات، وحتى رغم رسالة الماجستير الجديدة "البيان في شعر عزت الطيري" لسمر عبد الواحد فهمي بجامعة كفر الشيخ 2023، بإشراف أ.د. هانم حجازي ومناقشة أ.د. محمود محمدين وأ.د. مراد حسن عباس... رغم كل هذا، لم تأخذ أشعاره حقها بعد.
كما كتب عاطف عبد المجيد في مقاله "عزت الطيري.. الشاعر الذي ظلمه التاريخ قبل الجغرافيا": الطيري الذي اختار أن يبقى في نجع حمادي في أقاصي الصعيد، لم يمنعه بقاؤه من أن يصل إلى عين وأذن القارئ في كل مكان. لكن إقامته في قريته التي لم يغادرها إلا لماماً، حرمته من أشياء كثيرة. فبعده عن أضواء العاصمة جعل من هم دونه يتسيدون الساحة وينتشرون كالجراد في كل مكان، لا عن موهبة، ولكن عن قدرة على معرفة "من أين تؤكل الكتف".
لكن عزت الطيري واثق: "التاريخ سيعطيني حقي يوماً ما بعد أن ظلمتني الجغرافيا".
هو شاعر لم يكتب كالآخرين. اختط لنفسه طريقاً تميزه، فتستطيع بسهولة أن تميز قصيدته عن غيره. أدخل عناصر الفنون الأخرى في الشعر كبنية مميزة: القصة القصيرة بمفارقتها وتكثيفها، وتقنيات السينما في صنع المشهد، وبناء المفارقة الكوميدية جزءاً أصيلاً من شخصيته.
عزت الطيري ليس مجرد شاعر من الصعيد. هو الشاعر الذي أثبت أن الإبداع لا يحتاج عاصمة، وأن طابع البريد أقوى من كل الوساطات، وأن القصيدة البسيطة الشفافة قادرة على هزيمة كل التعقيد الكيميائي.
هو آخر سلسلة الشعراء الكبار في العربية، كما قال لؤي حقي. وهو الشاعر الذي "ينام ملء جفونه عن شواردها" كما قال المتنبي.
وهو، قبل كل هذا وبعده: إنسان جميل متسامح، قلبه قلب طفل، يستحق التقديرية... فامنحوه إياها فهو يستحقها.
وهذه المقدمة، وهذه الاستضافة، وهذا الملف الكامل بشهادات جميل السلحوت، ولؤي حقي، وأحمد الجعفري، وأشرف البولاقي، ومصطفى نصر، وعاطف عبد المجيد، وشهادته هو عن نفسه... كلها خطوة على طريق ذلك الحق.
وهنا تلتقي قلوب محبيه، لتبوح بكلمة حب وإجلال واعتزاز بالطيري..
مختار عيسى: عزت الطيري شاعر مستعصٍ على التصنيف
وفي شهادة عابرة عن الطيري يضيفها صديقه الحبيب،
نائب اتحاد كتاب مصر الأسبق، الشاعر مختار عيسى:
يستهل حديثه: من الشعراء من لا يمكنك اختصارهم في نسق، أو تحيدهم بين أسوار مدرسة، أو قولبتهم مستنداً إلى تعاليل نقدية سابقة التجهيز في معامل التثبيت الذائقي. ويستطرد: منهم من يمكنك أن تنسبه إلى كل اتجاه، وتضعه تحت أية لافتة، وتنسبه إلى جيل، وتشرعن وجوده في جماعة وإن اختصمها حيناً وآلفها آخر... ومنهم ومنهم.
لكن أن تحاول تحييز الشاعر عزت الطيري فأنت لا شك واقع في مغامرة غير مأمونة العاقبة؛ فكلما نسبته إلى مدرسة تفر منها، وكلما جيّلته خاصم جيله، وكلما ظننت أنك قابض عليه منسوباً إلى اتجاه شعري خاب ظنك. فهو مستعصٍ كالشعر ذاته على التأطير والقولبة والسجن بين قضبان تعاريف، بعضها جاهد التثبيت زمناً طويلاً، وبعضها لم يستقر به الحال بضع سنين.
ويضيف: عزت شامل جامع، كلٌّ في واحد. وإن كانت السمة الغالبة والخصيصة الملتصقة بشعره قد توحيان بخفة التناول، والنظرة الكاريكاتورية للموقف الإنساني والرؤية الفكرية وحتى المعمار النصي؛ فهو كطبيعته الشخصية - رغم ما ينوء به جسده وتصرخ منه روحه - لا يغادر التفكه والتنكيت، حتى لتظنه يتناول الأمور من سطحها الأعلى ولا يغامر بالغوص في القيعان. فيحسب العجول أنه سهل التناول رقيق الرؤية، وإذا تحت السطح الأعلى هذا براكين من المشاعر الإنسانية: فقداً ولقاءً، خصومةً وتصالحاً، وعياً وتحليلاً نقدياً.
ويخلص إلى تعريف لهذا الفن العربي الأصيل بأن هناك "القصيدة الطيرية": العفوية رغم ما تشي به أحياناً من الصنعة والتكلف، هي الخليط بين الرومانتيكة والواقعية، بين الإيقاعية الصاخبة والهمس المقارب للنثرية. وهو يصنع نسقاً بنائياً هندسياً صارماً وفوضوياً في آن بقصيدة واحدة، لا ينازعه في ارتياد مجاليها إلا هو ولا يتوفر لغيره محاكاتها.
فشعر عزت الطيري "السهل الممتنع" على حد التعبير المبذول كثيراً في التعليق النقدي، يصل للبسطاء بأقل تكلفة، فيما يوفر للنقد الجاد طرائق قراءة متعددة.
ويؤكد أنه واحد لا شك من مظاليم المشهد الشعري المعاصر؛ صاحب قدرة فذة على التلاعب بالمفردات والصور والأخيلة، والتي قد يحاول البعض التخفيف من قوة حضورها شعرياً قياساً على ما يحاوله المتحذلقة والساعون وراء الشكول الظاهرية. لكن وبتجرد، إن حاولت إحصاء مجالات إبداعه ستجد سوقاً واسعة لا حد لها، وجذوراً منغرسة في طين الصعيد.
ويروي: بيني وبين عزت سنوات طوال من الصداقة والزمالة، لم تخل من موقف نقدي هنا أو هناك، ومن اشتباك حول قضية إنسانية أو موقف سياسي. لكن دائماً يظل عزت هو القصيدة السهلة المعقدة في آن، الصارخة الهامسة الضاحكة الدامعة، يظل القصيدة الإنسان.
ويختتم: أعتز بقصيدة طويلة عنوانها "حوارية" أهداها لي في غربتي أثناء عملي الصحفي والإعلامي الطويل في دولة الكويت، وتكشف عن قدرة عجيبة له على استكشاف دواخلي وقراءة أعماقي بصورة لا يصل إليها إلا من يعايشني صباح مساء. وليس أدل من هذا على قدرته على النفاذ إلى الأعماق كإنسان شفيف الروح، محمل بكل تكاليف الإنسانية المعذبة رغم الحضور الطاغي للنكتة والفكاهة والهزل في جلساته الخاصة وحتى في بعض مشاركاته العامة.
عزت الطيري: سطح خادع، وعمق تمور فيه البراكين موراً لا يتحمله سوى أصفياء الأرواح، أنقياء القلوب، والفلاسفة والمفكرين الجادين.
د. نسيم عبد العظيم: حالة إبداعية نادرة وصوت أصيل ملتصق بتراب الصعيد
ويرى الشاعر والناقد د. نسيم عبد العظيم أننا حين نحتفي بالشاعر الكبير عزت الطيري، فإننا نحتفي بتجربة إنسانية وإبداعية ثرية استطاعت أن تحجز لنفسها مكانة رفيعة في المشهد الشعري المصري والعربي.
عرفتُ عزت الطيري شاعراً ينحاز للكلمة الصادقة، ويكتب من قلب التجربة لا من هامشها. شاعر التصق بتراب الصعيد ونبض الناس البسطاء، فجاءت قصائده مرآةً صادقة لهموم الوطن وأحلامه.
يضيف: وقد حظيت تجربته بتقدير نقدي وثقافي واسع؛ فصدرت أعماله الشعرية الكاملة في ثلاثة مجلدات، ونال جوائز مهمة منها: الجائزة الأولى في مسابقة أبها للشعر بالسعودية، وجائزة اتحاد كتاب مصر لأفضل ديوان، وجائزة عبد العزيز سعود البابطين، وجائزة الدولة التشجيعية في المسرحية الشعرية، إلى جانب تكريمات عربية متعددة في الشارقة والجنادرية وجرش والرقة وتونس.
لكن الأهم من كل الجوائز أن الطيري ظل وفياً لشعره وإنسانيته. راهن على النص أكثر من رهان على الأضواء، واختار أن يكون شاعراً عاملاً في صمت بعيداً عن الضجيج الإعلامي وصناعة الصورة.
وهنا تكمن قيمته الحقيقية: في صدق الموقف، ونبل الرؤية، وقدرته على أن يجعل من الشعر جسراً بين الإنسان وأرضه، بين الكلمة وضميرها.
عزت الطيري ليس مجرد اسم في سجل الشعراء، بل هو حالة إبداعية نادرة، وصوت أصيل ظل يدافع عن جماليات القصيدة العربية دون مساومة، ويؤكد أن الشعر الحقي هو الذي يبقى حين يرحل كل شيء.
د. إبراهيم عطية: "ابن النكتة" وآخر الظرفاء، يجمع بين عمق الإبداع وخفة الروح
فيما يراه الكاتب والناقد د. إبراهيم عطية، أنه.. "ابن النكتة".. آخرُ الظرفاء في زمنٍ صار فيه العبوسُ سمةً من سمات الحياة الثقافية، يظل الشاعر المصري عزت الطيري حالةً استثنائيةً يصعب تكرارها. فهو شاعرٌ يحمل في قلبه روح الصعيد، وفي لسانه حكمة الفلاح، وفي ابتسامته نكتةً جاهزةً لا تخطئ طريقها إلى القلوب. لذلك لم يكن غريباً أن يصفه بعض محبيه بأنه "ابن النكتة"، وأن يراه كثيرون امتداداً لجيل الشعراء الظرفاء الذين جمعوا بين عمق الإبداع وخفة الروح.
تخرج عزت الطيري في كلية الزراعة بجامعة أسيوط، لكنه اختار أن يزرع الكلمات بدل الحقول، وأن يروي الوجدان الإنساني بقصائده التي تجاوزت العشرين مجموعة شعرية، حتى صدرت أعماله الكاملة في ثلاثة أجزاء، لتؤكد مكانته بين شعراء مصر المعاصرين.
غير أن ما يميز عزت الطيري ليس شعره وحده، بل شخصيته الإنسانية النادرة. فمن يعرفه يدرك أنه قادر على تحويل أي مجلس إلى مساحة للبهجة. لا يروي النكتة باعتبارها وسيلة للضحك فقط، بل باعتبارها شكلاً من أشكال الحكمة الشعبية. وحين يتحدث، تتجاور الطرفة مع التأمل، والسخرية مع الفلسفة، حتى يبدو وكأنه أحد أولئك الرواة القدامى الذين كانوا يحفظون تاريخ الناس في حكاياتهم ونوادرهم.
وقد وصفته إحدى الحوارات الصحفية بأنه "آخر الشعراء الظرفاء"، لأنه يمتلك قدرة فريدة على مزج الخاطرة بالطرفة والمعنى العميق، مستنداً إلى ثراء التراث الشفهي الصعيدي وذكاء أبنائه وعفويتهم.
ينتقل بنا ويضيف: ينتمي الطيري إلى ذلك النوع من الشعراء الذين لا تفصل بينهم وبين الناس حواجز. تجده في الندوات كما تجده في المقاهي الثقافية، يتبادل الدعابات مع الأصدقاء، ويصنع من المواقف اليومية مادةً للضحك والتأمل معاً. ولعل هذه الروح هي التي انعكست على شعره، فجاءت قصائده قريبة من الناس، مشبعة بصور الحياة اليومية، وممتلئة بعبق القرى الجنوبية وحكاياتها.
وفي تاريخ الأدب العربي عرفنا شعراء كباراً جمعوا بين الشعر والظرف؛ من أمثال أبي دلامة وأشعب في مجال النوادر، ثم شعراء العصر الحديث الذين كانت المجالس تزداد بهجة بحضورهم. غير أن عزت الطيري يمثل نموذجاً معاصراً لهذا التقليد الجميل؛ فهو شاعر لا يكتفي بكتابة القصيدة، بل يضيف إليها حضوره الإنساني وروحه المرحة.
ولعل أجمل ما في شخصيته أنه لا يتصنع الظرف، ولا يبحث عن الضحك من أجل الضحك، وإنما تأتي النكتة عنده كما يأتي الشعر؛ عفويةً وصادقةً ونابعةً من خبرة طويلة بالحياة والناس. لذلك يحفظ أصدقاؤه عشرات المواقف الطريفة التي كان بطلها، كما يحفظ القراء عشرات القصائد التي كتبها بروح الشاعر الحقي.
إن الحديث عن عزت الطيري ليس حديثاً عن شاعر فقط، بل عن حالة ثقافية وإنسانية نادرة. شاعرٌ يحمل وجع الصعيد وأحلامه، ويملك في الوقت نفسه قدرةً مدهشة على نشر البهجة. لذلك سيبقى في ذاكرة أصدقائه وقرائه "ابن النكتة"، وأحد آخر الشعراء الظرفاء الذين أدركوا أن الابتسامة قد تكون أحياناً قصيدةً أخرى.
يختتم داعياً له: أتمنى له خالص المودة في خلوته "حديقة الشعراء" التي يعيش فيها يدون من قصائدها قطوفاً من ذاكرة الإبداع، في صحبة محمود ابن عمه الذي يروي له الطرائف عن واقعنا الذي نعيشه على صفحته "الفيس بوك" التي اتخذ منها طريقاً للحياة.
حاتم عبد الهادي السيد: الطيري صنع صوتاً خاصاً يمزج الأجناس الأدبية والدراما
وعن تجربته الشعرية يحدثنا عن تداخل الأجناس الأدبية في القصيدة العربية المعاصرة يستهل الناقد والشاعر السيناوي حاتم عبد الهادي السيد قراءته في تجربة الشاعر المصري عزت الطيري من بوابة "تداخل الأجناس الأدبية في القصيدة العربية المعاصرة". ويرى أن القصيدة العربية منذ نهاية الألفية الجديدة وما بعدها، قد عبرت من مرحلة الحداثة إلى ما بعد الحداثة، فصارت ساحة مفتوحة تتلاقى فيها الأجناس الأدبية وتتصاهر. لم تعد القصيدة نصاً غنائياً خالصاً، بل وعاءً يستوعب القصة والمسرح والدراما والمونولوج والإبيجراما، لتعود من جديد إلى مجدها العريق بعد أن طغت مقولات "زمن الرواية" و"الرواية ديوان العرب".
ويوضح الناقد أن مفهوم "الكتابة عبر النوعية Interdisciplinary Writing" لم يعد مجرد مصطلح أكاديمي، بل صار حاجة إبداعية ملحة. فالأديب اليوم مطالب بتخطي حدود جنسه الأدبي الواحد بتقاليده المستقرة، والاستفادة من المعطيات الجمالية والرؤيوية التي تتوافر في الفنون المرئية والمسموعة والعلوم المختلفة. وهذه الكتابة المنفتحة تذيب الحدود بين العلوم والفنون والتكنولوجيا، وتسعى إلى تكاملية جديدة تذوب فيها الفوارق الطبقية والعرقية والثقافية، حتى غدا "الفن من أجل الحياة" هو التأسيس الأول لكونية الثقافة وعالمية الشعر.
ويتوقف الناقد طويلاً عند تجربة عزت الطيري كنموذج معاصر بارز لهذا الاتجاه. فالشاعر المولود في نجع قطية بمحافظة قنا عام 1953، والخريج من كلية الزراعة بجامعة أسيوط عام 1978، لم يبدأ كتابة الشعر إلا طالباً، لكنه استطاع أن يبتني لنفسه مكانة متميزة ومغايرة في المشهد الشعري المصري. خطط عزت الطيري منذ البداية أن يكون شعره مختلفاً ومتمايزاً، فمزج الأجناس الأدبية ورفد قصيدته بجماليات الدراما الشعرية، وتعدى ذلك إلى توظيف "المونولوج" و"الإبيجراما الشعرية" والقصائد الفكاهية الساخرة التي تحمل مضامين اجتماعية وسياسية وثقافية عميقة.
ومشروع الطيري الشعري، كما يقرأه الناقد، قائم في جوهره على استنطاق التفاصيل اليومية وتحويل الهامشي والعابر إلى بنية دلالية كثيفة تكشف تعقيدات الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية. ونشأته في صعيد مصر أكسبته جلال الجبال ورقة الخضرة وطراوة المدينة، فظل وفياً للإنسان البسيط ومنحازاً إلى نبض القرية وأحلام البسطاء. وتجلت معالم هذا المشروع في دواوينه: "دع لي سلوى"، "عد لنا يا زمان القمر"، "الطريق السهل مقفل"، "تنويعات على مقام الدهشة"، "فصول الحكايات"، "وسرب العصافير يسأل عنك"، "فاطمة"، "افتحي الصيف لي"، وأخيراً "عبير الكمنجات".
ويكشف استقراء عناوين دواوينه عن شاعر يرى العالم حكاية مفتوحة على الدهشة والحنين والأسئلة. فقصيدته لا تُبنى على الغنائية الخالصة، بل على الحدث والصراع والحوار الداخلي و"المونودراما الشعرية" وتعدد الأصوات ومخاتلات الضمائر. في قصيدة "الراعي" مثلاً، يتجاوز ظاهر الحكاية الريفية إلى رمزية إنسانية عميقة، فالراعي هنا ليس شخصية عابرة بل صورة للإنسان الذي يفقد يقينه فجأة فيدخل متاهة الشك والمراجعة. ويتصاعد التوتر الدرامي عبر تساؤلات قلقة: "أتراني أحصيت نعاجي خطأ... أتراني نمت فجاء الذئب؟"، فيستنطق الشاعر القارئ ليشاركه صنع المعنى.
وفي قصيدة "ويدي عاجزة" نلمح تراجيديا الذات وانكساراتها، حيث يتحول الحلم إلى كائن مراوغ والوهم إلى دائرة مغلقة لا يُفلت منها الإنسان. أما في "مذكرات سجين" فيجنح الطيري إلى الفكاهة والسيكودراما، فيجعل السجين يتحرر من زنزانته عبر التساؤلات وخفة الظل والمفارقة، فيحول النص إلى "قصيدة لغز" أو "قصيدة أسئلة" تخاتل العقل وتثير الدهشة.
ويبرع الطيري أيضاً في "الإبيجراما الشعرية القصيرة" التي تعتمد التكثيف والغموض والوجازة. في مقطع "تاء التأنيث" يعلن التاء الساحرة رغبتها في القتل علانية، بينما "المفعول به" ممنوع من الإعراب حتى آخر رمق. وفي "فأر شاعر" ينتقد ببراعة ومخاتلة مشكلة رغيف الخبز وقوت الشعوب، حين يتخيل الفأر القمر رغيفاً والنجوم قطع جبن. حتى في "قميص وردي" تمنح المفارقة الشعرية النص بهاءه ورونقه: "من سمع صراخ قميص وردي لم يحتمل جحيم النهدين فصاح أدركني يا رجل الإطفاء؟".
ويرى الناقد أن أبرز ما يلفت الانتباه في شعر عزت الطيري هو نزعته الدرامية الواضحة ولغته المواجهة التي لا تعرف التجميل الزائف. فهو من فئة الشعراء الذين صنعوا لأنفسهم صوتاً خاصاً يجمع بين الدراما والحكاية والغنائية والرمز والسخرية والحنين. صوت يخرج من قلب الحياة نفسها، فيتحول الراعي إلى بطل تراجيدي، والحبيبة إلى سؤال وجودي، والقرية إلى وطن صغير، واليد العاجزة إلى رمز لإنسان يبحث بلا توقف عن حلم يعرف أنه قد لا يُمسك به أبداً.
ويختتم: الناقد بالتأكيد على أن الشعر في قصائد عزت الطيري يظل رقيقاً ورومانتيكياً وعاشقاً جوالاً، يصنع بصمة خاصة تمتزج فيها العلوم والفنون والآداب، وتتخطى المعقول واللامعقول إلى اللامبالاة التي تصنع فرادتها عبر جبال الصعيد الشامخة. فالشعر يتجدد بتجدد الرؤى، وتظل لغة الشعر هي الفارس الذي يصنع التجديد والتجريب عبر فضاءات القصيدة العربية المعاصرة.
د. إيهاب بديوي: تجربة شعرية متكاملة حافظت على أصالتها نصف قرن
فيما يرى الروائي المصري د. إيهاب بديوي أن عزت الطيري أحد أبرز الأصوات الشعرية التي خرجت من جنوب مصر خلال العقود الأخيرة. وقد حظيت تجربته بتقدير نقدي وثقافي واسع، وصدرت أعماله الشعرية الكاملة في عدة أجزاء، كما حصل على جوائز مهمة، وشارك في مهرجانات عربية عديدة، ومثّل مصر في فعاليات ثقافية خارج البلاد، ورغم ذلك ظل بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
وعندما نتحدث عن عزت الطيري فإننا نتحدث عن تجربة شعرية متكاملة استطاعت أن تحافظ على أصالتها عبر ما يقرب من نصف قرن. وقد حصل الشاعر عزت الطيري بالفعل على عدد من الجوائز المهمة، منها: الجائزة الأولى في الشعر بمسابقة أبها بالسعودية، وجائزة اتحاد كتاب مصر لأفضل ديوان شعري، وجائزة عبد العزيز سعود البابطين، كما نال جائزة الدولة التشجيعية في فرع المسرحية الشعرية، إضافة إلى تكريمات عربية متعددة في الشارقة والجنادرية وجرش والرقة وتونس.
لكن إذا كان المقصود: لماذا لم يحصل على حجم التكريم الذي يتناسب ـ في نظر كثيرين ـ مع مشروعه الشعري الممتد لأكثر من أربعة عقود؟ فهنا يمكن طرح عدة تفسيرات نقدية:
أولاً: اختياره البقاء بعيداً عن المركز الثقافي
ظل عزت الطيري مرتبطاً بنجع حمادي والصعيد معظم حياته، بينما تتركز المؤسسات الثقافية والإعلامية الكبرى في القاهرة. ورغم أنه نفسه رفض فكرة أن أديب الأقاليم مظلوم، وأكد أن الموهبة تستطيع الوصول، فإن الواقع الثقافي المصري ما زال يمنح أفضلية للحضور الدائم داخل دوائر العاصمة.
ثانياً: انتماؤه إلى جيل مزدحم بالأسماء الكبيرة
ظهر وسط جيل شعري ضم عشرات الأصوات البارزة، وبعضها ارتبط بالمؤسسات الثقافية والصحافة الأدبية بشكل أكبر، فاستحوذ على مساحة أوسع من الضوء النقدي والإعلامي.
ثالثاً: طبيعة شخصيته ومشروعه
الطيري من الشعراء الذين راهنوا على النص أكثر من رهانهم على الظهور الإعلامي أو صناعة الصورة الثقافية. كثير من المبدعين يحققون حضوراً إعلامياً يفوق حجم منجزهم، بينما بقي هو أقرب إلى نموذج الشاعر العامل في صمت.
رابعاً: أزمة الجوائز نفسها
المثير أن عزت الطيري عبّر علناً عن عدم رضاه عن بعض آليات منح الجوائز الثقافية، وصرّح عام 2025 أنه تقدم لبعض الجوائز عدة مرات دون فوز، وأنه يرى أن العلاقات والحظ قد يكون لهما تأثير في بعض الأحيان. وهذا رأيه الشخصي بالطبع، لكنه يكشف شعوره بأن التقدير المؤسسي لم يكن موازياً لما قدمه منجز شعري.
خامساً: الشعر نفسه أصبح أقل حضوراً
خلال العقود الأخيرة تراجعت المكانة الجماهيرية للشعر مقارنة بالرواية. لذلك نجد شعراء كباراً كثيرين لم يحصلوا على شهرة أو تكريم يوازي قيمة أعمالهم بسبب تغير الذائقة الثقافية، واتجاه المؤسسات والناشرين نحو السرد.
يختتم بالخلاصة:
إذا نظرنا إلى الأمر تاريخياً، فإن عزت الطيري ليس شاعراً مهمشاً ولا مجهولاً؛ فقد نال جوائز مهمة، وصدرت أعماله الكاملة في ثلاثة مجلدات، ومثّل مصر في مهرجانات عربية عديدة.
أما إذا كان السؤال عن سبب عدم تحوله إلى أحد الأسماء الكبرى المتصدرة للمشهد الشعري المصري رغم غزارة إنتاجه وقيمة تجربته، فالإجابة الأقرب هي اجتماع عدة عوامل: البعد عن المركز الثقافي، وطبيعة شخصيته غير الساعية إلى الأضواء، وأزمات المشهد الثقافي والجوائز نفسها، إضافة إلى تراجع الحضور العام للشعر مقارنة بالرواية خلال العقود الأخيرة. وهذا تفسير نقدي محتمل أكثر منه حقيقة قاطعة.
جلاء الطيري: أب رومانسي بقلب طفل، زعيم القرية الذي لا تُرد له كلمة
ومن داخل بيت الطيري نختتم هذا الملف بابنته الأديبة جلاء الطيري، التي قالت بصوت هادئ:
"عشت لنا يا عزت".. ثم استطردت تحدثنا عن الطيري الإنسان.. قالت: "هو الفتى الرومانسي الذي يترك قلبه مفتوحًا للبحر. يقف على الشط، يهدر كموجه الهادر، أو يظل ساكنًا صامتًا ينتظر عرائسه القادمات من البعيد. يترك شعره الناعم منسدلاً على جبهته، غير معني بكلام رجال القرية، فهو زعيمهم الذي لا تُرد له كلمة".
وهمست: "نحن حبيباتك وبناتك وصديقاتك. لا أعرف تحديدًا متى عرفتُ أنك أبي. ربما في المرحلة الابتدائية. كنتَ دائمًا على سفر... تأتي من سفر لتذهب إلى آخر، أخذك الشعر منا".
خفضت صوتها وتابعت: "تسافر وتعود... وما بين سفر وعودة مات جدي. حينها فقط فهمتُ أنك أبي. فقد ورثتَ وجهه، صرامته، وصوته العالي حين نخطئ. هذا أنت يا أبي، هذا ما اعتدته عليك".
ورفعت رأسها وختَمت: "عاش قلبك جميلاً رقيقاً... وعشتَ لنا أباً، وأخاً، وصديقاً، وسنداً. عشتَ لنا يا عزت".