القاهرة 23 يونيو 2026 الساعة 12:33 م
كتبت: أميرة عزالدين
القراءة المسرحية شكل من أشكال العرض المسرحي يعتمد على تقديم النص الدرامي أمام الجمهور من خلال أداء الممثلين لأدوارهم قراءةً وتمثيلًا؛ مع تقليل عناصر الإنتاج المسرحي التقليدية كالديكور والملابس والمؤثرات البصرية، لكن تصور أن هذا الفن يقتصر على جلوس أو وقوف الممثلين حاملين النصوص دون حركة تُذكر غير دقيق، حيث تتنوع القراءة المسرحية بين القراءة التقليدية التي تركز على الإلقاء والأداء الصوتي، والقراءة المُجسدة التي تتضمن قدرًا من الحركة والإخراج المسرحي مع بقاء النص محور التجربة الفنية.
وتعود جذور فن القراءة المسرحية إلى الصالونات الأدبية واللقاءات الثقافية، غير أنه خلال القرن العشرين تبلور بوصفه فنًا مستقلًا وازداد انتشاره بصورة ملحوظة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية نتيجة الظروف الاقتصادية والإنتاجية التي صعب معها تقديم العروض المسرحية الكاملة. ومنذ ذلك الحين أصبح وسيلة فنية وثقافية مهمة لتقديم النصوص الجديدة مع المحافظة على جوهر العمل المسرحي القائم على الكلمة والأداء.
وقد سبق لي مشاهدة عدد من تجارب القراءة المسرحية التي لجأ معظمها إلى الشكل التقليدي المعتمد فقط على أداء الممثل وصوته وحضوره مع غياب شبه كامل للعناصر البصرية؛ تاركين للكلمات وحدها مهمة بناء الدراما في خيال المتلقي. ومن أبرز الفرق التي بدأت في تقديم عروض القراءة المسرحية فريق "تياترو فوتيه"؛ الذي أسسه الكاتب والمخرج ياسر أبو العينين والسيناريست محمد عسكر، ليقدما من خلاله عدة قراءات مميزة بقصور الثقافة في محافظات مختلفة وأتيليه القاهرة وقد لاقت من الحفاوة ما تستحقه رغم عدم انتشار أخبارها بالقدر الكافي، غير أن عرض "النص التاني من الطريق" للكاتب أحمد رجائي؛ جاء ليقدم تصورًا مختلفًا لهذا الفن، وقد قُدم النص كنتاج لورشة القراءة المسرحية للدكتور أيمن عبد الرحمن ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري هذا العام، وهو لا يكتفي بحكاية قصة إنسانية بل يفتح بابًا واسعًا للتأمل في معنى الفن والحلم والذاكرة والحقيقة.
اختار رجائي أن يبني نصه اعتمادًا على تقنية المسرح داخل المسرح، وهي حيلة درامية مناسبة شكلًا وموضوعًا للنص لأن كل شخصياته تنتمي إلى فرقة مسرحية، وعلى مستوى البناء الدرامي يتنقل بنا النص بين الأماكن والأزمنة المختلفة طوال الوقت، فهناك زمن وحيد وسهر، وزمن الجد وشمس، وزمن البروفات والعروض المسرحية، وقد يبدو هذا التشابك مربكًا أحيانًا؛ لكنه يعكس طبيعة الفكرة نفسها من كون المسرح ليس مرآة للحياة فقط بل جزءًا من تكوينها أيضًا، لذلك نرى في علاقة وحيد بسهر- إلى جانب الخط الرومانسي- مساحة لاختبار تأثير الفن على الإنسان، فأثناء أداء مشهد من «بيت الدمية» تتجاوز سهر حدود الدور وتتصرف بمشاعرها الحقيقية في حال كانت في الموقف نفسه الذي كانت فيه نورا؛ وتبكي وهي تسأل وحيد "أنت ممكن تسيبني؟!" المسرح هنا لم يعد مجرد نص يؤديه الممثلون بل أصبح كاشفًا لما تعجز الشخصيات عن قوله في حياتها اليومية، كذلك نجد أن كل نص استدعاه رجائي من إبسن وشكسبير ونجيب سرور يعكس جزءًا من رحلة أبطاله، هاملت يحضر في الشكوك حول جدوى الفن وأثره في حياة وحيد وشمس، وإبسن في بيت الدمية وتساؤلاته حول الحب والحرية والاختيار؛ هو ما يعكس مخاوف سهر من خسارتها لوحيد، بينما يظهر نجيب سرور باعتباره نموذجًا للفنان الذي اصطدم بالواقع فرآه من حوله مجنونًا!
يناقش النص كذلك كيف نبني الحقائق في ذاكرتنا وليست الحقائق بذاتها، فكل إنسان يحمل رؤيته الخاصة للأحداث؛ والتي تبدو منطقية إذا استمعنا إليها منفردة. فحين يواجه وحيد رواية شمس يجد نفسه ممزقًا بين حبّه لجده وإمكانية أن تكون هذه الرواية صحيحة، لذلك يتحول البحث عن الحقيقة إلى أزمة وجودية في حياة وحيد تمس هويته الشخصية، هل كان الجد بطلاً كما ظن وحيد؟ أم كان إنسانًا عاديًا يرتكب الأخطاء مثل الجميع؟ ومن خلال توازي تلك الأزمة مع ما يعيشه وحيد في الحاضر نجد أن النص يريد أن يحذر من الاستغراق في النبش في الماضي على حساب العيش في الحاضر.
وفكرة النص الحقيقية ليست في قصة الحب والعلاقات الإنسانية في محيط عائلة "وحيد وحيد"؛ بل في التعرض لقيم الفنان الشريف الذي يرفض المساومة على مبادئه وفنه وانعكاس ذلك على حياته، ويظهر ذلك في مناقشة ثنائية "الجوع أو الخيانة" والتي لا يقصد بها الخيانة العاطفية فقط بل خيانة المبادئ والضمير والفن، كذلك يتعرض للسؤال الوجودي لكل عشاق المسرح، المسرح وحده ليس كافيًا للمضي بنا نحو حياة مستقرة؛ هل نضعه على هامش الطريق فلا يكون هدفنا الأساسي؟ أم ننغمس فيه بكل طاقاتنا بصرف النظر كيف نسير أمور حياتنا؟ أم نحاول التمسك بمنتصف العصا لنؤمن المستقبل دون قتل تلك الروح التي غرسها فينا الله؟ ويبدو من دراما النص أن الكاتب انتصر لكون المسرح ملاذًا إنسانيًا أكثر منه مهنة، فالشخصيات لا تبدو باحثة عن الشهرة بقدر بحثها عن معنى لتلك الموهبة التي خلقت في صدورها، ونجدهم مؤمنين بأن الفن الحقيقي قادر على منح الإنسان كرامة روحية حتى لو لم يمنحه المال أو النجاح السريع.
التجربة التي شاهدناها كنتاج لورشة القراءة المسرحية بالمهرجان القومي للمسرح المصري في دورته التاسعة عشرة؛ جاءت أقرب إلى القراءة المسرحية الأدائية منها إلى القراءة التقليدية. فعلى الرغم من احتفاظ الممثلين بالنصوص في أيديهم، فإن العرض استعان "بميزانسين" واضح، واستخدم الكراسي بوصفها عناصر تشكيلية متعددة الوظائف، كما وظفت إضاءة الواجهة لتكثيف لحظات الاعتراف والمونولوجات، ولعبت بعض الإكسسوارات البسيطةـ- "كالباروكات" والشال ــ دورًا في التنقل بين الشخصيات والعوالم المختلفة، لذلك لم نشعر بأننا أمام قراءة مسرحية جامدة بل أننا أمام تجربة يمكننا اعتبارها عرضًا كاملًا؛ استطاع أبطاله أن ينسونا أنهم يحملون نسخ النص بين أيديهم!
وتأتي أهمية هذه التجربة في أنها قدمت للمتلقي نموذجًا عمليًا لفهم أوسع لفن القراءة المسرحية، ذلك الفن الذي ظنه كثيرون مجرد ممثلين يقرؤون من أوراقهم؛ بينما أثبت هذا العرض أنه قادر على استيعاب الحركة والتشكيل والإضاءة والرمز، من دون أن يفقد جوهره القائم على النص والكلمة، "النص التاني من الطريق" كان رحلة بحث مزدوجة عن الحقيقة داخل حكاية وحيد وجده؛ وعن إمكانيات جديدة لفن القراءة المسرحية ذاته.
وبعد أن أفسحنا مجالًا للحديث عن البطل الحقيقي في عرض "النص التاني من الطريق" وهو النص نفسه؛ كان يجب أن نشيد بأفراد عائلة وحيد الذين انتقاهم د. أيمن عبد الرحمن بصورة تناسبت تمامًا والجو العام للحكاية، فجاءت خلود بتمثيلها الرقيق وغنائها لبعض المقاطع كنموذج للفنانة الشابة والفتاة المحبة القوية بتمسكها بحبها مهما عصفت به الظروف، واستطاع محمد سعيد تجسيد شخصية وحيد الحفيد بصورة جعلتنا نعيش جميعًا أزماته معه؛ منذ حيرته في جدوى تعلقه بالمسرح، ثم وفاة جده وحيد وظهور جدته شمس لتقلب موازين حياته بحكايتها التي شككته في جده كمثلٍ أعلى، ووصولًا إلى قلقه من هجر سهر له مع كل ما يمر به من تقلبات.
واستطاعت سارة الشرقاوي أن تجذب الأنظار إليها بمهارتها في التنقل بين عدة شخصيات؛ خاصة المرأة الحامل التي ظلت لخمس دقائق أو يزيد تتحدث إلى جنينها وكأنه حاضرٌ أمامها، وظلت تتحدث معه عن دراسته ثم حبه لكرة القدم وحبه لزميلته والأزمات التي سيتعرض لها؛ لتكتشف في النهاية أنه لا زال في بطنها!
وعن الثنائي الرومانسي الآخر- وحيد الجد وشمس- فقد برعت رشا سامي كعادتها في استخدام نبرات صوتها ونظراتها لتعكس حالة التوتر بينها وبين وحيد الجد وبينها وبين وحيد الحفيد الذي يقابلها بعدائية من شدة الهزة التي تعرض لها مع كشفها الحقيقة من وجهة نظرها.
وفي لحظات استطاع المبدع أيمن إسماعيل أن يرسم على وجوهنا ابتسامات تليق برومانسيته مع حبيبته شمس وحنانه على حفيده اليتيم وحيد؛ وفي لحظات أخرى يجعلنا ننفر من مجرد النظر إليه وهو المخادع الذي استطاع الإيقاع بين شمس وحبيبها الحقيقي سعيد ليفوز بها لنفسه.
وتدعيمًا لفكرة المسرح داخل مسرح؛ كان لابد من وجود مخرج يقود البروفات التي يؤديها وحيد وسهر وزملاؤهم، وقد سعدت كثيرًا حين وجدت الفنان والإعلامي أحمد مختار يطل علينا من وسط مقاعد الجمهور باعتباره ذلك المخرج الذي علق في جيبه عدة أقلام، وقد برع في الحديث عن الحالة الشعورية المثلى التي يبدع عندها الممثل؛ وكأن ستانسلافسكي بذاته كان حاضرًا بيننا يجسد لنا ما تعلمناه من نظرياته في إعداد الممثل.
وقد قام الفنان القدير سعيد صديق بتقديم أكثر المشاهد تأثيرًا في الحضور خاصة من الفنانين، وهو بالطبع أضحكنا وأبكانا، لكنه أثار هزة في قلوبنا وهو يؤدي مشهد رحيل وحيد الجد على خشبة المسرح؛ وكأنه يريد القول إن كل منا يقدم عرضه الخاص الذي هو في حقيقة الأمر لحظة محاسبة للنفس تبدأ مع آخر دقات الخشبة وتنتهي مع إظلام آخر مشاهدنا في الحياة، فجمع هنا بين تجسيد رحلة الفنان ورحلة الإنسان في خطين متوازيين؛ ليخبرنا أنهما تتساويان من وجهة نظر العمل شعوريًا وإنسانيًا.
وكانت مفاجأة العرض غناء المطرب ماهر عبيد الذي كان من أميز مشاهد العرض؛ دون إقحام على الدراما، فبعض الأغنيات كتبت خصيصًا للعرض والبعض جاء من ذاكرة النوستالجيا- مثل أغنية الشيخ إمام وعمنا فؤاد نجم "أنا أتوب عن حبك أنا؟"، وتلك الأغنيات تحديدًا لاقت مردود مبهج وسط الجمهور الذي رددها معه بصوت عال.
أخيرًا لو تحدثنا عن مايسترو العمل- د. أيمن عبد الرحمن- فهذا قد يحتاج منا لمقال مستقل لاستعراض تاريخه الحافل والمميز، فهو الفنان الذي عرفناه كممثل في دراما التسعينيات المميزة مثل مسلسل أرابيسك والفرسان، وهو الكاتب الذي قدم لنا العديد من المسلسلات مثل: مسلسل (عاصفة الشك) لـ غادة عبد الرازق ومسلسل (موعد مع الوحوش) لخالد صالح، وفي السينما فيلم ( شكة دبوس) بطولة خالد سليم، وفي الإذاعة: مؤلف مسلسل (اهلا يا باشا) بطولة خالد صالح ويسرا، مؤلف مسلسل (شريف ربى لنا الخفيف) محمد هنيدي، مؤلف مسلسل (أنا والحبيب) لصلاح السعدني، كذلك من أهم أعماله في المسرح: تأليف وإخراج مسرحية (ليلة فرعونية)، تأليف وإخراج مسرحية (سوشى ميديا)، إعداد وإخراج مسرحية (رجل بلا أجندة)، تأليف وإخراج عرض (قصاقيص).
"النص التاني من الطريق" حاصل على المركز الثاني في جائزة التأليف المسرحي في المهرجان القومي للمسرح المصري تأليف: أحمد رجائي وأداء: سعيد صديق ، أيمن إسماعيل ، أحمد مختار ، محمود فارس ، محمد سعيد ، وليد الإدفاوي ، رشا سامي ، سارة الشرقاوي ، بافلي إسحاق ، خلود عادل ، ريم العزب ، شيماء ربيع ، خلود صبري (تيتان) ، الطفل أحمد مروان ، غناء: ماهر عبيد ، عود: عبد السلام شاكر ، موسيقى وألحان: ليالي وتدقيق لغوي: د. محمد البدر ومن خلفهم جنود غير مجهولة أبدًا فمنهم مخرجون مميزون: المخرج المنفذ إبراهيم مصطفى كامل ، ومساعدو الإخراج: مروة محمود رفاعي، شيماء محمد ربيع، تامر فؤاد عدلي، محمد السيد عباس، محمد كمال علي الذين انتقاهم بعناية المخرج د. أيمن عبد الرحمن.