|
القاهرة 23 يونيو 2026 الساعة 12:32 م

كتب: د. أحمد كرماني عبد الحميد
قراءة في كتاب "فيم نفكر حين نفكر في كرة القدم" لكريتشلي
على سبيل التقديم:
لم تعد كرة القدم مجرد لعبة للتسلية والترفيه، إنما أصبحت – بلا شكّ- بابًا واسعا من أبواب الشهرة والثراء، ومحركا للإعلام والإعلان والاستثمار، تبدو لعبة كرة القدم وكأنها لغة قابلة للقراءات البلاغية كبلاغة الجمهور، وخطابا ثقافيا يجمع الشعوب حول شغف واحد، مهما اختلفت الأوطان وتباعدت الحدود الفاصلة وتباينت اللغات.
إنها لغة القدم – يا صديقي- مسرة وحسرة في آن، فرحة بهدف يهز جنبات المدرجات، والميادين، يقابلها خيبة أمل في جهة أخرى مقابلة، إنها اللعبة التي اختصر تناقضات الحياة، الانتصار والهزيمة، الدموع والضحكات.
واليوم؛ وأنت تشاهد العالم يحتشد في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، لاستضافة ذلك الحدث الكروي الأكبر، هل يمكنك أن تعتقد مثل ما أعتقد أن ملاعب الكرة تتحول إلى مسارح للأحلام، وتنافس بين ثقافات، من زاوية ثقافية لا شك تبدو الدولة المنظمة في مشهد القوة الناعمة الحاضنة للعالم، وتستبدل الآن صور الحروب بصور الجماهير والاحتفال، ومن جهة اقتصادية تلك فرصة الاستثمار والجذب السياحي وتعزيز الصناعات المرتبطة بالكرة والإعلام والسياحة.
وأيًا ما يكن، هذه فرصة لأقدم لك مراجعة لكتاب فلسفي يحاول مؤلفه تقديم قراءة فلسفية تخرج بكرة القدم إلى مجال الفلسفة، وهو في ظني وبعض الظن يقين، يفيد مما قاله بارت فكلاهما ينطلق من قراءة الظواهر اليومية بوصفها أنساق ثقافية قابلة للقراءة من جهة، ومن جهة أخرى توظيف مفهوم اللذة عند بارت لاسيما قراءة كريتشلي لبناء الهجمة، والإيقاع في هتافات الجماهير، ومراوغة اللاعبين، والتوتر في انتظار الهدف، والنظر إلى جمالية اللون الأخضر حين يقطعه الأبيض فيتجاوز ممارسة اللعبة إلى ما يمنحها تأويلات تشرك القاريء في بعد فلسفي ثقافي.
* فيم نفكر حين نفكر في كرة القدم:
في عام 2017 قدم (سيمون كريتشلي) كتابه " فيم نفكر حين نفكر في كرة القدمWhat We Think About When We Think About Football"، يرى كثير من الدارسين أن عنوان الكتاب مستوحى من قصة (ريموند كارفر ) : "ما نتحدث فيه عندما نتحدث عن الحب" أو من كتاب (كوراكامي): "ما أتحدث عنه عندما أتحدث عن الجري". وفي العتبات الداخلية للكتاب نقرأ فصولا منها: "الاشتراكية، النشوة الحسية، تفكيك الذات في كرة القدم، كيف يكون شعورك وأنت تلعب الكرة؟، التكرار بلا أصل، مسرح الهوية وعدم الهوية، يجب أن تتردد الموسيقى، النظرية والتطبيق، الغباء، الذكاء، الحنين الإداري، وقت كلوب، تاريخية كرة القدم، استرجاع ، الاشمئزاز، .."
يفتتح كريتشلي كتابه قائلا: "عندما نفكر في كرة القدم، بماذا نفكر؟ كرة القدم تتعلق بالكثير من الأشياء، بالكثير من الأمور المعقدة والمتناقضة والمتضاربة: الذاكرة، التاريخ، المكان، الطبقة الاجتماعية، الجنس بكل تبايناته المضطربة (خاصة الذكورة، وأحيانا الأنوثة أيضًا)، هوية الأسرة، الهوية القبلية، الهوية الوطنية، طبيعة الجماعات، سواء جماعات اللاعبين أو جماعات المشجعين، والعلاقة التي غالبًا ما تكون عنيفة ولكن أحيانًا سلمية وهادئة ومعجبة بين مجموعتين. كرة القدم هي لعبة تكتيكية، هذا واضح. فهي تتطلب الانضباط والتدريب المستمر للحفاظ على لياقة اللاعبين، لكن – الأهم – لتحقيق الاحتفاظ بشكل الفريق. فالفريق هو شبكة، تكوين ديناميكي، مصفوفة من النقاط المتحركة، متغيرة باستمرار، ولكن في الوقت نفسه تحاول الحفاظ على شكلها، واحتفاظها بصيغتها. الفريق هو شكل متحرك ومتغير يتعارض مع شكل آخر، هو شكل الفريق المنافس".
ومن جهة أخرى يرى كريتشلي أننا حين نفكر في كرة القدم لا يمكننا إنكار "مفهوم القومية أو تجاهله ببساطة، لأن ذلك يعني إنكار حقيقة أصولنا وكيف تشكل هويتنا وطريقة تفكيرنا وكلامنا. ورغم معارضتي للربط السطحي بين الأمة والدولة في العصر الحديث، إلا أنني لا أعتقد أنه بإمكاننا تجاهل طبيعة القومية وأهميتها البالغة في توفير الشعور بالانتماء والهوية والتاريخ. كما يجب علينا الاعتراف بتعقيد المشاعر القومية وغرابتها، خاصةً عندما تكون تجاه أمة أخرى غير أمتنا. على سبيل المثال – ولست وحدي في هذا – كانت أول تجربة لي مع الانجذاب الشديد لأمة أخرى عام 1970، عندما كنت أشاهد البرازيل في كأس العالم.. تتيح لي كرة القدم أن أحلم بأماكن لم أزرها قط، وربما لن أزورها أبدًا: الكاميرون، كازاخستان، كمبوديا... بلجيكا"
أما عن الفوز والهزيمة فإنه يقول " كرة القدم ليست مجرد فوز، بل هي في الغالب خسارة، وهذا أمر لا مفر منه. لكن الأمر الغريب حقًا في كرة القدم ليس الهزيمة بحد ذاتها. كما ذكرت سابقًا، ليست الهزيمة هي ما يُهلكك، بل الأمل المتجدد دائمًا، الأمل الذي يُقدمه كل موسم جديد. الأمل الذي يُداعب قدميك، ثم تُدرك، كما تقول الشاعرة والكاتبة الكلاسيكية آن كارسون، أن باطن قدميك يحترق. غالبًا ما تكون كرة القدم تجربة ظلم مُبرر، حيث تُعزى الهزيمة إلى قرارات تحكيمية سيئة أو أرضية ملعب رديئة أو مجرد طقس سيئ. لكن في بعض الأحيان، قد يتفوق فريقٌ أفضل على فريقك. هذا نوع مختلف من الألم، عندما تُدرك أن فريقك ببساطة ليس جيدًا بما فيه الكفاية. لكن يبقى الأمل المُداعب مُشتعلًا".
كما يحتوي الكتاب على بعض النقاط المثيرة للاهتمام والجديرة بالذكر. حين يبدأ الكتاب ببدايةً جديرة بالملاحظة من يوهان كرويف، حيث يقول الهولندي الأسطوري: " لعب كرة القدم أمر بسيط للغاية، لكن لعب كرة قدم بسيطة هو أصعب شيء على الإطلاق."
وفي موضع لاحق من الكتاب، يشير كرويف بشكل مثير للاهتمام إلى أنه عندما يلعب منتخب جمهورية أيرلندا ضد منتخب أيرلندا الشمالية في كرة القدم، فإن أيرلندا في الواقع تلعب ضد نفسها. وهو "مثال رائع على تمايز الهوية. حدث ذلك للمرة الأولى في 20 سبتمبر 1978، وانتهى بالتعادل السلبي دون أي مفارقة درامية مقصودة."
ومما لا يخفى عند قراءة الكتاب أن ولاء المؤلف لنادي ليفربول واضح جدًا في النص، إذ يُحاول عرض آرائه حول يورغن كلوب في قالب فلسفي من خلال تطبيق كتاب مارتن هايدجر "الوجود والزمان" في فصل "كلوب/الزمان". كما يبدو إعجابه بزين الدين زيدان، بل كاد يصل إلى حدّ التكلّف، حين يقول: "بينما يغادر زيدان الملعب، يدرك أن الأمر قد انتهى. يبدو عاجزًا. وكما يقول كلايست في ختام مقالته عن مسرح العرائس: هذا هو الفصل الأخير في تاريخ العال".
ومن الأمور المهمة في الكتاب ملاحظة كريتشلي استحواذ الرأسمالية على كرة القدم كما نلاحظ في احتكارية بث المباريات لقنوات وشركات تملك المال وحرمان شعوب فقيرة منها يقول : "نحن بحاجة إلى نقد قوي وشامل للبنية التحتية العابرة للحدود للشركات الفاسدة في كرة القدم. يمكن القيام بذلك من خلال نظرة ماركسية على تدفق رأس المال وعدم المساواة في ملكية وسائل إنتاج كرة القدم، أو من خلال تحليل علاقات القوة في كرة القدم، بطريقة شخص مثل ميشيل فوكو. لا ينبغي أن يتجنب هذا النقد الروابط الجوهرية بين كرة القدم والعنف، كرة القدم والحرب، كرة القدم والاستعمار، كرة القدم والعنصرية، أو كرة القدم والقومية المتطرفة والمتخلفة (كما هو واضح في الاشتباكات القبيحة بين مشجعي إنجلترا وروسيا في فرنسا خلال بطولة أوروبا 2016، ورغم ذلك، هناك الكثير من الأمثلة الأخرى للأسف). الحاجة لهذا النوع من النقد عاجلة جدًا".
ومن وجهة نظري فإن الكتاب وإن كان يوظف بعض الآراء الفلسفية ويحاول إقحام اللعبة في التأويل إلا إنه لم يأت بجديد خفي عن جمهور اللعبة ومحبيها.
|