|
القاهرة 23 يونيو 2026 الساعة 12:29 م

بقلم: إيناس محمد عتمان
أثناء إبحاري في فضاء الإنترنت، عثرتُ على كنز سينمائي قديم؛ فيلم رسوم متحركة باللونين الأبيض والأسود يعود لعام 1929
(وهو عامه الذهبي)، يحمل اسم "الرقصة الهيكلية" (The Skeleton Dance) للمخرج والت ديزني. يَعرض الفيلم مجموعة من الهياكل العظمية تخرج من قبورها ليلاً، ترقص ببهجة، وتعزف على ضلوع بعضها البعض كآلات "الإكسيلفون" الموسيقية. وفجأة، يشق سكون الليل صياحُ ديك، فتتوقف الحركة، وتهرب الهياكل مرعوبة لتختبئ مجدداً تحت التراب.
مشهدٌ لطيف، غريب، وموحٍ؛ قد يثير ضحكنا أو يبعث فينا الذعر، لكنه يترك في النفس تساؤلاً حائراً تشوبه غصة: أهذا نحن؟يبدو هذا المشهد تجسيداً دقيقاً لإنسان القرن الحادي والعشرين.
تلك القبور الإسمنتية والزجاجية الشاهقة المرتبة في مدننا الحديثة، تحولت إلى فضاءات تقشر لحمنا وعواطفنا وهوياتنا الثقافية يوماً بعد يوم، لتتركنا "نسخاً كربونية" من بعضنا البعض.
صرنا هياكل بلا ملامح تم تمطيط وعيها؛ نرتدي الماركات العالمية نفسها، ونستهلك الوجبات السريعة نفسها، ونردد الشعارات الرقمية ذاتها التي تفرضها الخوارزميات.
والمخيف في الفيلم أن الهياكل تبدو سعيدة جداً وهي ترقص في الظلام، تماماً كالفخ الذي نعيشه اليوم؛ حيث يرقص "قطيع الاستعلاء الأعمى" ببهجة هستيرية على إيقاع "مخرج خفي" يوجهنا كعرائس متحركة في كواليس العولمة.
لا أقول هذا لبث التشاؤم أو لرفض التطور التكنولوجي، فالصدمة الحقيقية في نهاية الفيلم لا تكمن في الهروب، بل في صياح الديك الذي يفرض واقعاً جديداً. لكن، كيف يصيح ديكنا الداخلي اليوم في عالم تحكمه الخوارزميات؟ إن العلاج لا يمكن أن يكون مجرد ارتداد رومانسي للماضي، أو انكفاء عاطفي على الجذور واللغة؛ فالعولمة ليست خياراً ثقافياً نرفضه بكلمة "لا"، بل هي منظومة اقتصادية وتقنية تفرض نفسها على تفاصيل معاشنا.العلاج الحقيقي يبدأ من "تفكيك اللعبة من الداخل" عبر ثلاث خطوات عملية:
أولاً: المقاومة الرقمية الواعية
لن نقاطع التكنولوجيا، بل سنكسر دائرية الخوارزمية. العلاج يبدأ بتدريب عقولنا على التنوع، ومقاومة "غرف الصدى" الرقمية التي تغذي تشابهنا. أن تختار ما تقرأه وتشاهده بعمد، لا ما تقترحه عليك الشاشات كـ "مستهلك مبرمج".
ثانياً: الاستهلاك النقدي البديل
تحويل الوعي إلى سلوك اقتصادي وثقافي يومي. ندعم المنتج المحلي، ونُحيي الحرف اليدوية، ونشجع الإنتاج الإبداعي المستقل. هكذا ننتقل من خانة "المستهلك الصامت" في أوركسترا الاستهلاك العالمي، إلى خانة "المنتج الفاعل" الذي يفرض هويته في السوق.
ثالثاً: العصرنة الذكية للجذور
الهوية ليست متحفاً نعيش داخله، بل هي كائن حي يتنفس. العلاج لا يكمن في الانغلاق خوفاً من الذوبان، بل في إعادة صياغة قيمنا ولغتنا وتاريخنا بأدوات العصر الحديث (الذكاء الاصطناعي، السينما، الفضاء الرقمي)، لنتحدث لغة العالم بلساننا نحن.
عندما نمتلك هذه الشجاعة الإجرائية، سيتحول صياح الديك من مجرد صدمة توقظنا لنختبئ في المقابر، إلى قوة دافعة تعيد الدم واللحم لجسد أمتنا. وقتئذٍ، نستعيد فردانيتنا وكرامتنا الإنسانية، لنكون شُركاء حقيقيين في صناعة الحضارة، لا مجرد هياكل عظمية مبرمجة ترقص في عتمة فُرِضت عليها!
|