القاهرة 23 يونيو 2026 الساعة 12:25 م
بقلم: ضحى محمد السلاب
تقومُ بعضُ الأعمال الدرامية على الحكاية، بينما تقوم أخرى على الأثر الذي تتركه الحكاية في الوعي بعد انتهائها. ومسلسل "ورد على فل وياسمين"، من بطولة أحمد عبد الوهاب وصبا مبارك، وتأليف عمرو سمير عاطف و وائل حمدي، وإخراج محمود عبد التواب، ينتمي إلى هذا النوع الثاني؛ إذ لا يقدّم قصة حب تقليدية بقدر ما يفتح نافذة للتأمل في هشاشة الحياة، وفي الطريقة التي يمكن للإنسان أن يعثر بها على المعنى وسط الفقد.
ومن هنا يصبح السؤال: كيف استطاعت هذه القصة أن تترك هذا القدر من العطر بعد انطفائها؟
ينتمي مسلسل "ورد على فل وياسمين" إلى ذلك النوع من الأعمال الدرامية التي تتجاوز الحكاية الرومانسية المباشرة لتصبح تأملًا إنسانيًا في هشاشة الحياة وقدرة الإنسان على صناعة المعنى وسط الألم. فالعمل لا يقدم قصة حب تسعى إلى الانتصار على المرض أو تغيير المصير، بل يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: كيف يمكن للحب أن يمنح الحياة قيمتها حتى عندما يكون الفقد حتميًا؟
في الثقافة العربية، ترتبط عبارة "ورد على فل وياسمين" بعالم الروائح الزكية والبهجة والاحتفال بالحياة. فالورد يرمز إلى الحب والجمال، والفل إلى الصفاء والبساطة، والياسمين إلى الرقة والحنين والذكريات. وعندما تجتمع هذه العناصر في عبارة واحدة، فإنها تخلق صورة حسية لعالم مفعم بالحياة والدفء الإنساني.
لكن المفارقة النقدية في المسلسل تكمن في أن هذا العنوان المشرق يوضع فوق حكاية مثقلة بالمرض والخوف والفقد. وهنا تظهر القيمة الدلالية للعنوان؛ فالعمل لا يتحدث عن حياة مثالية تشبه الورود، بل عن قدرة الإنسان على العثور على العطر وسط الألم، وعلى الاحتفاظ بالجمال رغم إدراك هشاشته.
باقة ورد برية وسط ركام الحياة
تتشكل العلاقة بين إلهام وطارق في ظروف بعيدة كل البعد عن المثالية. فإلهام امرأة مطلقة تعمل " كوافيره " في أحد صالونات التجميل، وتواجه أعباء الحياة اليومية ومسؤوليات أسرتها (أمها وابنها كريم)، بالإضافة إلى إصابتها بسرطان الدم، الذي اكتُشف في مرحلة متأخرة. بينما يعيش طارق داخل عالم من النظام والانضباط المهني والشخصي؛ فهو طبيب تحاليل يستعد لمناقشة رسالة الماجستير، كما يستعد للسفر إلى ألمانيا في منحة دراسية للحصول على الدكتوراه.
وعلى الرغم من هذا التناقض، تنشأ بينهما علاقة إنسانية عندما يتبادلان هاتفيهما بالخطأ، ثم تتعرف والدة طارق إليها وتكتشف مهارتها في عملها، فتستدعيها إلى المنزل استعدادًا لخطوبة شقيقته. وعندما يعلم من الدكتورة إيناس، زميلته في العمل، أنها مصابة بسرطان الدم في مرحلة متأخرة، يتعاطف معها ويقرر مساعدتها في رحلة العلاج، قبل أن يتحول هذا التعاطف إلى حب عميق جعله يتحدى الفوارق والظروف ليرتبط بها.
وبما أن حلقات المسلسل كانت تحمل أسماء الزهور، أرى أن قصة المسلسل نفسها يمكن تشبيهها بـ"باقة ورد برية" تنبت وسط ركام من الفوضى والمسؤوليات القاسية. فالورد البري لا ينمو في الحدائق المصممة بعناية، بل يخرج من بين الصخور والأشواك متحديًا البيئة التي تحيط به. وكذلك جاءت علاقة البطلين؛ لم تولد في ظروف مثالية، بل تشكلت وسط المرض والضغوط والخوف من المستقبل، الأمر الذي منحها صدقًا إنسانيًا يميزها عن كثير من العلاقات الرومانسية التقليدية في الدراما العربية.
المرض بوصفه وعيًا بالزمن
لا يؤدي مرض سرطان الدم "اللوكيميا" في المسلسل وظيفة درامية عاطفية فحسب، بل يتحول إلى أداة فلسفية تجعل الشخصيات أكثر وعيًا بقيمة الزمن. فكل لحظة فرح أو تقارب بين إلهام وطارق تبدو مشبعة بإدراك ضمني بأن الوقت محدود، وأن المستقبل ليس وعدًا مضمونًا.
وهنا يكتسب العمل بعدًا وجوديًا واضحًا؛ إذ لا يصبح السؤال: هل ستنتصر إلهام على المرض؟ بل: كيف ستعيش ما تبقى من حياتها؟ وكيف سيؤثر ذلك في من حولها؟
إن المرض في هذا السياق لا يمثل نهاية الحياة بقدر ما يمثل تكثيفًا لمعناها.
الحب بوصفه مقاومة للفناء
من أهم نقاط قوة العمل أنه لا يقدم الحب باعتباره قوة خارقة قادرة على الانتصار على الموت، بل بوصفه فعل مقاومة رمزية للفناء.
فالحب بين إلهام وطارق لا يمنع النهاية المأساوية، لكنه يمنح الرحلة نحو تلك النهاية قدرًا من المعنى والدفء. وبهذا المعنى، يصبح الحب في المسلسل شبيهًا بالألوان الصفراء المضيئة في لوحة "دوار الشمس" لفان غوخ؛ ألوان تعرف أن الذبول قادم، لكنها تختار أن تتفتح بكل ما تملك من حياة قبل حدوثه.
القفزة الزمنية ورسالة الاستمرار
جاءت القفزة الزمنية بعد وفاة إلهام لتؤكد أن العمل لا ينحاز إلى خطاب المأساة المطلقة. فنرى الزهور، بعد مرور أربع سنوات، تتفتح من جديد، ونجد طارق يواصل حياته؛ فقد حصل على الماجستير والدكتوراه من ألمانيا، وعاد منذ عام، وتزوج من زميلته في معمل التحاليل، الدكتورة إيناس، التي قامت بدورها الفنانة إيمان الشريف، وأنجب طفلًا أسماه شريف, وفتح معمل تحاليل خاص به مع زوجته بالاشتراك مع زميلا لهما.
أرى أن أجواء هذه النهاية تقترب أيضًا من لوحة "حقل القمح مع الغربان" لفان غوخ؛ ففي تلك اللوحة يتجاور اللون الذهبي المشرق مع السماء المضطربة والطيور السوداء التي توحي باقتراب النهاية. وهو التوتر نفسه الذي يحكم المسلسل؛ إذ يتعايش الأمل مع الخوف، والحب مع الفقد، والحياة مع حضور الموت بوصفه احتمالًا دائمًا.
فلا تنفي اللوحة جمال الحقل بسبب الغربان، كما لا ينفي المسلسل جمال الحب بسبب النهاية الحزينة. بل على العكس، يبدو الجمال أكثر قيمة لأنه مهدد بالغياب.
عندما يصبح الرحيل جزءًا من الحب
رغم حالة الجدل والسخط التي صاحبت الحلقة الأخيرة من مسلسل "ورد على فل وياسمين"، فإن النهاية لم تكن خاطئة بقدر ما كانت مؤلمة وصادمة للمشاهدين. فقد اختار العمل أن يقدم خاتمة واقعية بعيدة عن النهايات التقليدية التي تمنح الجميع ما يتمنونه، وهو ما جعلها تبدو للبعض نهاية محبطة، لكنها في رأيي تحمل قدرًا كبيرًا من الواقعية.
في رأيي لم تكن القصة في جوهرها حكاية إلهام وحدها، بل كانت أيضًا حكاية طارق والتحول الذي أحدثته إلهام في حياته. فمع انتهاء رحلة إلهام، استمرت رحلة طارق وفق المسار الذي رسمته له عندما أخبرته أنها لاحظت أن الدكتورة إيناس، زميلته في العمل، تحبه، وأنها تراها مناسبة له كزوجة، خاصة أنها من نفس مستواه العلمي والاجتماعي . وبالفعل اختار أن يحمل رسالتها أو نصيحتها، ويواصل حياته من أجل ابنه وعائلته، تمامًا كما كانت هي تعيش من أجل سعادة من تحبهم. ومن هنا يمكن فهم قراراته اللاحقة، بما في ذلك زواجه واستقراره، بوصفها امتدادًا لرؤية إلهام للحياة، لا تخلّيًا عنها أو نسيانًا لها.
أما الحزن على رحيل إلهام، فلم يكن غائبًا كما رأى البعض؛ بل بدأه طارق منذ لحظة إدراكه حقيقة مرضها وفقدانه الأمل في شفائها. لقد عاش مراحل الفقد مبكرًا، ولذلك بدا أكثر قدرة على التكيف بعد رحيلها مقارنة بمن حولها. وهذا لا يعني أن حبه انتهى، بل إنه تحوّل من ألم حاضر إلى ذكرى دافئة ترافقه في تفاصيل حياته اليومية.
كذلك لا يمكن اعتبار زواجه لاحقًا دليلًا على انتهاء مشاعره تجاه إلهام؛ فالحب الذي جمعهما كان تجربة استثنائية لن تتكرر بالشكل ذاته، بينما جاء زواجه الجديد في إطار الاستقرار والمسؤولية واستكمال مسار الحياة، وهو ما بدا في تعبيرات وجهه في المشهد الأخير منذ دخوله إلى منزله؛ إذ نرى وجهًا تكسوه ملامح اللامبالاة الظاهرية، ممزوجة بحزن عميق.
ومن أكثر الرموز دلالة في النهاية مشهد ابتسامته الممزوجة بمشاعر الراحة والامتنان عندما رأى «برطمان العسل»، الذي أكد أن الذكريات لا تحتاج إلى مقتنيات ملموسة كي تبقى حية. فمجرد رؤية شيء بسيط كان كفيلًا بإعادة إلهام إلى ذاكرته واستحضار أثرها العميق في حياته، وهو ما ينسجم مع الفكرة المحورية للعمل: أن الأشخاص قد يغيبون، لكن أثرهم لا يزول.
كما حمل ظهور «زيزو» في الحلقة الأخيرة دلالة تتجاوز البعد الكوميدي؛ إذ كشف أن الحكمة والنضج لا يرتبطان بالعمر بقدر ما يرتبطان بوضوح الرؤية والاستقلالية. فالمفارقة أن الشخص الذي ساعد طارق على فهم نفسه واتخاذ قرارات مصيرية لم يكن رجلًا ذا خبرة طويلة، بل طفلًا يبلغ من العمر اثني عشر عامًا استطاع أن يرى ما عجز طارق عن رؤيته في ذلك الوقت، ربما لأنه نشأ في بيئة أسرية صحية تقوم على فكرة الرأي والرأي الآخر، فخلقت منه عقلًا ناضجًا رغم صغر سنه، على عكس طارق الذي نشأ في جو أسري صارم ومنظم رسم له حياته في جداول دقيقة مليئة بالمهام، وكلفه بإنجازها أولًا بأول، وهو ما عبّر عنه لزيزو باستياء شديد عندما قال له: «نفسي أخرج بره الجدول اللي أنا رسمه لحياتي».
وفي النهاية، جاءت وفاة إلهام بوصفها الرسالة الأكثر قسوة وواقعية في العمل؛ فهناك أشخاص يمرون في حياتنا لفترة قصيرة، لكنهم يتركون أثرًا يمتد طويلًا بعد رحيلهم. كانت إلهام نموذجًا لهذه الشخصيات؛ فقد غيّرت حياة كل من حولها، ومنحتهم فرصة لأن يصبحوا أفضل، ثم رحلت تاركة خلفها أثرًا لا يُمحى.
وكما يذبل الورد مهما اعتنينا به"كما أخبرته الهام "، تبقى رائحته عالقة في الذاكرة، ويبقى أثره حاضرًا في نفوس من أحبوه. لذلك أرى أن هذه النهاية تعكس رؤية إنسانية ناضجة للفقد؛ فالحياة لا تتوقف عند لحظة الألم، كما أن الوفاء لا يعني البقاء أسيرًا للماضي. لقد رحلت إلهام، لكن أثرها استمر داخل الشخصية التي أحبّتها.
وبذلك يؤكد المسلسل أن بعض العلاقات لا تستمر بالحضور الجسدي، بل تستمر بما تتركه من تحولات داخل الآخرين. لذلك يمكن القول إن نهاية «ورد على فل وياسمين» لم تكن احتفاءً بالرحيل، بل احتفاءً بالأثر الذي يظل حيًا حتى بعد غياب أصحابه