القاهرة 23 يونيو 2026 الساعة 12:17 م
بقلم: أمل زيادة
سكان كوكبنا الأعزاء،..
هاهي الأيام تمر سريعًا كعادة كل شيء في زمننا هذا.
احتفل البعض بنجاح أبنائه في الإعدادية فرحين بأنهم أنهوا مرحلة وعلى مشارف مرحلة بدء جديدة.
في حين يبدأ طلاب الثانوية العامة مشوارهم مع الامتحانات لهذا العام وسط حالة من الترقب والتوتر والخوف من المجهول من مفاجآت هذه السنة الفارقة في حياة الجميع.
وما بين مرحلة تبدأ ومرحلة تنتهي نرى أحلامًا تتجدد وطموحات تكبر تصل عنان السماء.
أتمنى أن يكلل سعيهم بالخير والسعادة والفلاح.
سكان كوكبنا الاعزاء،..
منذ عدة أشهر لاحظت شيئًا آلمني كثيرا، صعدت فتاة يافعة الحافلة التي اعتدت أن أذهب بها للجامعة، تبدو صغيرة السن، جميلة الملامح ، خجولة.
ما لفت نظري أكثر ملابسها؛ لم تكن ترتدي ملابس متواضعة أو تتبع طرق التسول التي نعرفها جميعا.
إنها تبيع سلعًا داخل حقيبتها المهترئة والتي لم نرَها فقط تنادي على محتويات الحقيبة بصوت مرتعش، بكلمات غير مرتبة أو مترابطة كعادة الباعة الجائلين.
لفتت نظر الجميع آنذاك، نادى عليها أحدهم وطلب منها مشط وناولها النقود وأعاد إليها المشط، رأى الرجل ما رأيت فيها إنها ليست متسولة أو بائعة متجولة هي ضحية دين أو ظروف قهرية.
شجع تصرف الرجل جميع من بالحافلة فأعطوها نقودًا دون شراء شيء.
راقبت ملامحها وهي تسأل معطيها ألن تشتري شيئا؟ يقول باسما لا.
غادرتنا وعلى وجوهنا جميعا نظرات أسى جاهدنا في إخفائها رفضا لقسوة الواقع.
نظرت إليها وجدتها تجلس على الرصيف تبكي .
عدت يومها وصورتها لا تفارقني.
وددت يومها أن أربت على كتفها، أن أطمئنها أن أقول لها لست وحدك جميعا مثلك لكن نحتمي بملابسنا ومن معنا.
لم أرها منذ ذلك الوقت. مرت شهور عديدة ولا أخفي عليكم كنت أبحث عنها كلما تذكرتها، وددت أن أقابلها مرة أخرى للتحدث معها برفق لأعرف ماذا يجري معها، هل يضايقها أحد أو حتى أخذ منها رقمها ربما أتمكن من توفير مصدر رزق يناسبها.
قابلتها اليوم، لم أتعرف عليها في بادئ الأمر، بدت أنحف من السابق رغم ارتدائها ألوانا زاهية وملابس راقية رقيقة مثلها.
ما جعلني أنتبه كونها هي،أنها فعلت ما قامت به المرة السابقة، لا تدعي لا تتظاهر ، وصلت لعمر أتمكن منه من تمييز الصدق من الزيف والمكر والخديعة.
لا تدعي ما تفعل، همت بالبيع كالسابق وتأرجحت مع العربة كادت تسقط، ولحسن الحظ السيدة التي تجلس أمامي نادتها.
أقبلت علينا وهي تخرج من حقيبتها البالية ولاعة، قامت الفتاة بتجربتها لكن المرأة قالت لها ببساطة: لا تعمل لأن الهواء يطفىء شعلتها.
كادت تسقط تحت وقع قيادة السائق المجنون الذي يخوض سباقا في خياله. قلت لها اجلسي بجواري على الكنبة الخلفية للحافلة.
جربت ولاعة أخرى وناولتها للمرأة التي ناولتها مبلغا من النقود حين أعادت الفتاة الباقي أغلقت يدها عليها قائلة: لا أريد إنه لك.
انتهزتها فرصة قلت لها: أريني ما معك؟
فتحت حقيبتها وهي تعرض سلعها قلت لها في أي صف أنت؟
قالت: في الصف الثالث الإعدادي ....، هذا يعني أنك نجحتِ
قالت: وحصلت على 85 بالمائة. هنئأتها
سألتها: من أين أنتِ؟ قالت من مدينة السلام.
أخذت منها ولاعة للسخان.
أخذت ما أعطيته لها ونزلت مسرعه بخجل، نظرت إليها وجدتها تبكي وتخفي وجهها بالقبعة التي ترتديها عن عمد للتخفي أو خجلا من أن يتعرف عليها أحدهم.
تحدثت مع المرأة التي اشترت الولاعة التالفة، التي بادرتني قائلة: هذه بنت بمائة رجل، شكلها وطريقتها وملابسها لا تدل أنها بائعة محترفه أو متسولة، لكنها الأيام. وحده الفقير من يشعر بألم غيره.
قلت لها: أنتِ امرأة تفهم في الأصول.
ابتسمت بخجل وأخبرتني أنها تبيع الليمون في منطقة بالقرب من بيتي وعدتها أن أزورها.
حكت لي كيف أنها أرملة وماذا ستفعل إذا رفعوا عن بطاقة التموين نصيب الأسرة من الخبز. أخبرتني أن العشرين رغيفا يساعدوها في الحياة.
قلت لها يمكنك استبدالها بسلع أخرى قالت لا أريد ... المبلغ لن يكفي لشراء شيء.
أتدري يكون يوم حزين حين تطالعنا الأخبار بأمر أي زيادة على المعاش أو منح من أي نوع لأن هذا يعني أن كل شيء سيتضاعف ثمنه وأن الألف جنيه لن تكفي لشراء أي شيء.
افترقنا مع وعد أن أمر عليها يوما.
سكان كوكبنا الأعزاء،..
كلما خرجت من بيتي أدركت أن العزلة حتى ولو كانت إجبارية إلا أن الخروج والاختلاط بالآخرين قمة المتعة والألم.
سكان كوكبنا الأعزاء،.. كونوا بخير دومًا.