|
القاهرة 23 يونيو 2026 الساعة 12:15 م

بقلم: مصطفى علي عمار
عندما يشتد الحر صيفاً وتخرج "لوزة" القطن، فتعلن الجمعية الزراعية محاربة دودة القطن، وتستقبل الجمعية العاملين بالأجرة اليومية 6 صاغ. فيبدأ الشباب الواعي في القرية، والذي يعرف القراءة والكتابة، بتسجيل اسمه في الجمعية وأنه سوف يعمل "خولياً" ويصطحب مجموعة من "الأنفار" معه.لا يقل عددهم عشرة أنفار فتعطيه الجمعية تصريحاً بجمع الأنفار من جيرانه ومعارفه. وكان أكثر الأنفار من الأطفال، بنات وأولاد، مع بعض الأعمار الأخرى. فيسجلون أسماءهم عند الخولي الذي يتفق معهم على أن يتجمعوا في مكان معين صباحاً باكراً بعد صلاة الفجر، حتى يتوجهوا إلى الجمعية الزراعية.
وفي الصباح تخرج الأطفال والنساء متوجهين إلى مكان مقابلتهم مع الخولي، وكل منهم يحمل "بُقجة" بها ماء وطعام يتناولونه في وقت الراحة في الغيط، ومعهم "طبلة" يقرعونها طوال الطريق مع ترديدهم للأغاني، فرحين بما سوف ينالونه من أجرة تعينهم وتوسع عليهم هذه المدة التي قد تتراوح بين شهر ونصف. وتزيد
مهللين في البداية باسم الخولي الذي جمعهم:
"خولنا يا خولنا عشية
تستاهل أكل الملوخية"
خولنا ياخولنا زمان
تستاهل أكل الحمام"
ثم يسير الجميع مع الخولي حتى يصلوا إلى الجمعية، ويتقابل جميع "الخولية"، كل له فريق عمل جمعه. يتراوح عددهم ما بين العشرة أنفار حتى العشرين أو يزيد حسب الأحوال ثم ينادي مشرف الجمعية: "الخولي فلان وفريق عمله يتوجهون لجمع اللطعة من حوض كذا"، و"الخولي فلان وفريقه لحوض كذا"، حتى يتم توزيع كل العمال على جميع أراضي القرية المزروعة قطناً. فينتشر الجميع وكأن القرية كلها خرجت عن بكرة أبيها كخلايا النحل، انتشروا في كل مكان وسط القطن.
نقسم الغيط خطوط. كل مجموعة تمشي في خط مستقيم منحنين الظهور. يفتشون ورقة ورقة من نبات القطن والورقة التي فيها لطعة تُقطع حفاظاً على ليمونة القطن من الدودة.
فيجمعون أي ورقة من نبات القطن عليها دودة أو بيض الدودة الذي كانوا يعرفونه جيداً من خبرتهم في هذا العمل كل عام، فرحين بقطف الورقة وتجميعها في أكياس حتى يعجب بهم الخولي والمشرف فيزكيهم للعمل معهم باستمرار.
وهكذا كانت تجمع "اللطعة" في أكياس ثم تعبأ في "الجُوالة" حتى يصطحبوها معهم إلى الجمعية الزراعية ليثبتوا بها عملهم وكفاءتهم، وتقوم الجمعية بعد ذلك بحرقها.
فاللطعة... هي بداية الخراب إن لم يتم القضاء عليها.
فهي بيضة صغيرة لدودة القطن، بيضاء كالزغب، ملطوعة بخبث تحت ظهر الورقة.
تستخبى في صمت، لا تُرى ولا تُحس.. حتى تفقس.
حينها تخرج جيوش الدود، تزحف على العود حتى تصل للنوار الطري، تأكله وتفسد "القُزمل" الأخضر قبل أن يفتح ويُبيّض.
وسُمّيت "اللطعة" لأنها كانت عبارة عن تكوين بارز على ورق القطن يشبه الخرز، وكانوا يقولون إن هذا بيض الدودة التي تضر القطن، فأطلقوا عليها اسم "اللطعة" لأنها مُلَطَّعة على ورق النبات.
وفي وسط العمل يقف خلفهم الخولي ماسكاً الشمسية، رافعها فوق رأسه لتحميه من حرارة الشمس، يراقب من يتكاسل أو من يجلس. فالعمل شاق، لا بدَّ أن يكون الجميع في يقظة لكل نباتة من نبات القطن
يمر عليها لا بد من معاينتها جيداً، وإلا سوف يخصم الخولي من أجره اليومي، أو يبلغ عنه المشرف فيحرمه من العمل معهم جزاءً لكسله.
وعندما يصل المعاون إلى الفرقة، ينتفض الخولي فجأة ويرفع عصاه، ويصيح بصوتٍ عالٍ: "اصطفوا على الحمالة يا أولاد، حضرة المعاون قادم". فتعلو أصوات أفراد الفرقة في جمع الدودة وهم ينادون: "هذه علامة، وتلك علامة أخرى". ويشتد الحماس حتى انصراف المعاون.
وكان الخولي كثيراً ما يُجادِل بعض الأطفال المشاغبين الذين يحوّلون يوم العمل إلى مداعبات، بإلقاء الحصى من الغيط على بعضهم، أو ضرب بعضهم ببعض أجزاء نبات القطن. ومنهم من كان يجلس في "الصرابة" مختبئاً دون عمل، ومنهم من يُعطِّل زميله. وكان كلُّ ذلك يدفع الخولي إلى الصراخ والوعيد بالخصم، وكأنه يتعامل مع تلاميذ في مدرسة: لهذا انهض، ولهذا كفى، ولهذا قف.
ورغم صراخه، كانت هذه الأمور تُسلّي العمالة وتجعل الساعات تمرّ.
وكلما اشتدت حرارة الشمس فوق رؤوسهم أسرعوا إلى "القلة" ليشربوا منها الماء الرطب، وتعلو أصواتهم بالغناء حتى يهون عليهم التعب. ثم ينادي الخولي للجميع بالجلوس للراحة لتناول الإفطار وشرب الشاي. ويسرع الجميع ليستظلوا تحت نخلة أو شجرة من أشجار الغيطان ليأخذوا قسطاً من الراحة. يخرج كل منهم طعامه ويتبادلون فيما بينهم، فمنهم من معه "المش" أو الجبن أو الجبن والبصل، ومنهم من معه طعمية وبعض المخللات، ومنهم من صنع لنفسه في المنزل "مفروكة" الجبنة بعيش البتاو وخلطها وجعلها جاهزة للأكل، يتناول من كيسه المفروك ثم يرتوي بماء القلة.
وهكذا يجلس الجميع، كل منهم يتناول ما أحضره معه من طعام، ويتسامر الجميع مدة بعض الدقائق حتى ينادي الخولي: "انتهت الراحة، عودوا للعمل". فترجع الأيدي للقطف والظهور لانحناءها على النبات لتستكشف ما به فتقطف "اللطعة". مرددين الأغاني كي تعينهم على العمل،
فكان الملاذ الوحيد من التعب والمشقة والعناء في انحناء الظهور داخل الصرابة أو الخط المكلف بالتنقيب عن اللطعة فيه، هو الغناء بصوت واحد بعضهم مع بعض، يرددون أغاني محفوظة متوارثة. يتطوع واحد منهم حافظًا الأغاني فيقول، والباقي يردد وراءه في نفسٍ واحد:
مثل:
"يا جاموسة حلي الطوق".
"القطن لوز يا حكومة عاوزين نتجوز يا حكومة".
"القطن نور يا حكومة عاوزين نتصور يا حكومة".
"يا طالع الشجرة"
هات لي معاك بقرة
تحلب وتديني بالملعقة الصيني
الملعقة اتكسرت يا مين يربيني
اتكسرت وعمي زعل مني
وأنا أصالحه بإيه؟
بـ تفاحة
طلعت بيت الله
لقيت حبيب الله
قاعدله في منبر
تحته حمام أخضر
بلقط السكر
ياريتني لو ضقته
حتى النبي زرته.
"يا أم أحمد دقي المحلب"
في توب أحمد
أحمد غايب في الركايب
جانا كلب سنانه صفر
حلب الناقة الفي الشنقاقة
ترب ترب يا جنى العرب
بتحبي أمك ولا أبوك.
"المنديل جوه الصندوق"
والصندوق عاوز المفتاح
والمفتاح عند النجار
والنجار عاوز عروس
والعروس عاوزة الولد
والولد عاوز الحليب
والحليب عند البقر
والبقر عاوز الحشيش
والحشيش عاوز المطر
والمطر عند ربنا
ربنا جيب المطر
يا كديسة سكي الفار
يا محمد يا نجار
التنق تنق الفار
الصلح النجار
ما بنوم الليل
من كلام الخير
"الفات الفات في ديله سبع لفات"
والجبة وقعت في البير
وصاحبها واحد خنزير
والهون ضرب التلفون
والعسكر واقف طابور على جيبه واحد مليم
ويظل الحال بين العمل الممزوج بالغناء ونداء الخولي: "يا فلان شد حيلك، يا فلان بلاش كسل، يا فلان الله ينور عليك، يا فلان لك مكافأة في هذا اليوم".
حتى ينتهي العمل لهذا اليوم عندما تتوسط الشمس كبد السماء ينادي عليهم: "الكل يتمم على عمله الذي انتهى عنده حتى نعرف ما وصلنا له في العمل لنكمل غداً".
فيهلل الجميع فرحين بالعودة إلى القرية وإلى الجمعية محملين بما جمعوه من "اللطعة" التي تثبت عملهم، ومن ثم يعود الجميع إلى منازلهم عند أذان الظهر.
وكانت أجمل اللحظات التي تهون عليهم هذا العمل الشاق هو "يوم القبض". حين كان يأتي الصرّاف لصرف الأجور، كان الخبر ينتشر بين الأنفار بسرعة، فتعلو فرحتنا والأغاني بأصوات عالية، متناسين التعب والمشقة، لأن أياديهم سوف تمسك نقوداً.
كان أجر اليوم ستة قروش، وتجمع الأيام حتى عشرة أيام فتسمى عند صرّاف الجمعية "مدة"، ومن يستكمل هذه المدة كان يحصل على ستين قرشاً كاملة. وكانت ورقة الخمسين قرشا تعادل في ذلك الوقت قيمة كبيرة، تشتري الكثير وتسد حاجات كثيرة.
وبعد العودة، كانت "الأنفار" قد صبغت الشمس وجوههم باللون الأسمر، والعرق في جو المنيا الرطب قد تحول في أجسادهم إلى صمغ يُلَبِّد الملابس، فلم يُسعِفهم ويُرَطِّب أجسادهم وبشرتهم سوى الاستحمام. فكانت النساء تستحم في منازلهن بعد ملء المياه من الطلمبة أو من النهر. وأما الرجال والشباب والأطفال فيحوّلون النهر والترعة إلى حمامات سباحة تعج بهم مع الضحكات العالية واللعب بالماء، قبل أن يخرجوا بعد حمام أعاد لهم الحيوية والنشاط متوجهين إلى منازلهم لتناول الغذاء مع أسرهم أو للنوم وقت القيلولة، والاستعداد ليوم شاق آخر ممزوج بسعادة العمل والعرق والأجر القليل والمباركة فيه في جمع "اللطعة".
ويبقى الحال على هذا المنوال مدة تزيد عن الشهر أو الشهرين، ثم تعلن الجمعية انتهاء جمع "اللطعة" وانتظار موسم جني القطن، وبعد مدة تزيد عن الشهر يبدأ موسم جني القطن، وتكون العمالة التي جمعت "اللطعة" موجودة بنفس "الخولي" الخاص بها، وكلهم فرق فرق. لكن شتان بين ما يحدث في القرية أثناء جمع اللطعة وفي جني القطن. فعند موسم الجني تتحول القرية كلها إلى أفراح وزغاريد. لأن جني القطن يعود على الأهالي بالأموال، والتوسعة على أسرهم في الملبس والمأكل والمشرب، بل حتى الزواج يكون مرتبطاً باتفاقيات بعد جني القطن. وكان وقتها القطن هو المصدر الرئيسي لدخل الفلاح.
وهكذا في الجني تخرج "الأنفار" من العمال والأطفال والرجال والنساء بالطبل والزغاريد والأغاني، فرحين بجني "الذهب الأبيض" بعدما عانوا في عنايته وجمع اللطعة منه.
|