القاهرة 20 يونيو 2026 الساعة 03:27 م

بقلم: محمد خضير
تطورت المشروعات الثقافية الكبرى، من منشآت معمارية وواجهات حضارية للدول، لتصبح أدوات فاعلة في بناء الصورة الذهنية للأمم وتعزيز حضورها الدولي.. ومن هذا المنطلق تكتسب مبادرة «المتحف المصري الكبير بعيون مهندسة – أرقى مبنى في العالم» أهمية استثنائية، لأنها تسعى إلى تسجيل إنجاز معماري مصري فريد في موسوعة غينيس، ولتعبر المبادرة عن حالة من التقدير الدولي والعربي لقيمة مصر الحضارية ودورها التاريخي في صناعة الوعي الإنساني.
• تراث إنساني عالمي
لقد حملت المهندسة سنا بوعزارة، الجزائرية الفرنسية، رسالة تتجاوز حدود الهندسة المعمارية إلى آفاق أوسع من الدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة.. فإهداؤها المبادرة إلى المصريين حكومة وشعبًا يمثل نموذجًا راقيًا للتفاعل الحضاري بين الشعوب العربية، ويؤكد أن الحضارة المصرية هي تراث إنساني عالمي يستحق الاحتفاء والدفاع عنه والتعريف به في كل المحافل الدولية.
ويأتي الإعلان عن المبادرة خلال الملتقى الثقافي الذي استضافته النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر ليؤكد أن الثقافة قادرة على توحيد الجهود بين المفكرين والباحثين والمهندسين والإعلاميين والمتخصصين في التراث والسياحة، حول هدف وطني جامع يتمثل في تعزيز المكانة العالمية للمتحف المصري الكبير باعتباره أحد أهم المشروعات الثقافية في القرن الحادي والعشرين.
• المتحف.. أكثر من مبنى
تكمن أهمية المتحف المصري الكبير في كونه مشروعًا حضاريًا متكاملًا لا يقتصر دوره على عرض الآثار فحسب، بل يقدم رؤية جديدة للعلاقة بين الإنسان وتاريخه. فالمتحف يمثل رحلة معرفية تبدأ من تصميمه المعماري المذهل وتنتهي عند استيعاب عظمة الحضارة المصرية وقدرتها على التواصل مع العالم بلغة العصر.
كما أن اختيار موقع المتحف المطل على أهرامات الجيزة الخالدة يعد قرارًا ثقافيًا ورمزيًا يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.. كما أن التصميم المعماري الذي يستلهم امتداد أشعة الشمس المنطلقة من قمم الأهرامات الثلاثة يمنح المشروع بعدًا فلسفيًا يعكس استمرارية الحضارة المصرية عبر آلاف السنين.
وفي هذا السياق تبدو رؤية المهندسة سنا بوعزارة، للمتحف المصري الكبير باعتباره "تجربة مكانية وثقافية ومعرفية متكاملة" رؤية عميقة، تتوافق مع الاتجاهات العالمية الحديثة التي تنظر إلى المتاحف باعتبارها مراكز للتعلم والإبداع والحوار الحضاري.
• القوة الناعمة في أبهى صورها
ولذلك ما يلفت الانتباه عزيزى القارئ في هذه المبادرة أنها انطلقت من باريس، عبر معهد العالم العربي، قبل أن تجد صدى واسعًا داخل مصر.. وهذه الدلالة تكشف عن حجم التأثير الذي تمارسه الحضارة المصرية في الوجدان العالمي، كما تؤكد أن القوة الناعمة المصرية ما زالت قادرة على جذب الاهتمام والإعجاب خارج الحدود.
ولعل الدعم الذي أبداه اتحاد كتاب مصر برئاسة الدكتور علاء عبد الهادي، إلى جانب تأييد الباحثين والمتخصصين والإعلاميين، يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الاستثمار في الثقافة والتراث باعتبارهما ركيزة أساسية من ركائز التنمية المستدامة وبناء الصورة الدولية للدولة المصرية.
فالمعارك الحضارية في العصر الحديث تبنى بقدرة الأمم على تقديم سرديتها الحضارية للعالم، وإقناع الآخرين بقيمة ما تمتلكه من تاريخ وإبداع وإنجازات إنسانية.. ومن هنا يصبح المتحف المصري الكبير سفيرًا دائمًا لمصر أمام ملايين الزوار والباحثين والمهتمين بالحضارات الإنسانية.
• السياحة الأكاديمية
من أبرز ما طرحه الملتقى الثقافي الدعوة إلى ترسيخ مفهوم "السياحة الأكاديمية"، وهو مفهوم يحمل أبعادًا استراتيجية مهمة.. فالمتحف المصري الكبير يمتلك مقومات أن يصبح مركزًا عالميًا للدراسة والبحث والتوثيق والتدريب في مجالات التراث والآثار والمتاحف والعمارة.
وهنا تتجلى أهمية التوصيات التي دعت إلى توسيع الشراكات مع الجامعات والمؤسسات الثقافية ومراكز البحث داخل مصر وخارجها، بما يحول المتحف إلى منصة دولية للحوار العلمي والثقافي، ويعزز من دوره كمؤسسة معرفية تسهم في إنتاج المعرفة.
كما أن المقترحات الخاصة بتنظيم برامج تدريبية وورش عمل للمتخصصين والمرشدين السياحيين تمثل خطوة مهمة نحو إشراك المجتمع المدني في حماية التراث وتعزيز الوعي بقيمته الاقتصادية والثقافية والإنسانية.
• رسالة عربية باسم الحضارة
ما يمنح هذه المبادرة بعدًا خاصًا هو أنها جاءت من شخصية عربية تؤمن بأن الحضارة المصرية تمثل ركيزة من ركائز الهوية الثقافية العربية المشتركة.. فالمبادرة في جوهرها هي رسالة تؤكد أن الثقافة قادرة على بناء الجسور بين الشعوب وتعزيز أواصر التعاون والتفاهم المشترك.
• الإحتفاء بقصة الإنسان
واخيرا وليس بآخر.. فإن الاحتفاء بالمتحف المصري الكبير هو احتفاء بقصة الإنسان نفسه، وبقدرته على الإبداع والبناء وصناعة الحضارة.. ولذلك فإن نجاح هذه المبادرة سيكون نجاحًا لفكرة أوسع مفادها أن التراث يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو المستقبل، ولذلك نتاكد أننا فى زمن تتسابق فيه الأمم لصناعة صورتها العالمية، يظل المتحف المصري الكبير نموذجًا استثنائيًا لمشروع يجمع بين التاريخ والحداثة، وبين العمارة والمعرفة، وبين الهوية الوطنية والانفتاح الإنساني.. وإهداء مبادرة «أرقى مبنى في العالم» إلى المصريين كاعتراف دولي بقيمة حضارة ما زالت قادرة على إلهام العالم.. فالمتحف المصري الكبير يكتب فصلًا جديدًا من حضور مصر المعاصر، ويؤكد أن الأمم العظيمة تحول هذا الماضي إلى قوة تدفعها نحو المستقبل.