|
القاهرة 18 يونيو 2026 الساعة 02:30 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
يؤكد توماس هوبز أن الانسان في حالته الفطرية، يشعر بالخوف والشك والريبة تجاه الآخر، وبالتالي كان لابد من التعهد والتعاقد فيما بينهم، بدادأت بالعشيرة فيما بينها ثم بين العشائر ثم القبائل، حتى انتهت في النهاية إلى الدولة والدول التي تجاورها.
وكان في مقابل ذلك التنازل عن جزء من الحرية، التي هي مرتبطة بالمجموع الكلي، أي المجتمع، وكان يرى أن هذا التنازل كله لابد وأن يخضع في النهاية لفرد واحد داخل كل منظمة سواء عشيرة او قبيلة أو دولة، هذا الفرد هو الرئيس الفعلي، الذي يقدم لها القانون النافذ، ويري لها الخير والصواب، وبالتالي يحظى منهم بالاحترام والتوقير.
وتعد هذه النظرية السياسية هي النتيجة المباشرة لمادية توماس هوبز ، حيث الدولة عنده آلة عظيمة، بل هي كل شئ ولا يكون للفراد فيها رأي، وهذه هي اللبنة الأولى في الفكر الاشتراكي أو إذا صح القول في الفكر الشيوعي، حيث الدولة هي الأساس في كل وسائل الادإنتاج.
ويُسمِّي «هوبز» الدولة «بالتنِّين الجبار» The Great Leviathan؛ لأنها تبتلِع في جَوفها كل الأفراد الذين تنمحي شخصياتهم وإرادتهم أمام شخصيتها وإرادتها، ويقول المؤرخون أن ما دفع هوبز لهذه النظرية السلطوية سقوط عرش الملكية في انجلترا وقيام جمهورية كان رئيسها كرومويل، فكانت نظريته السياسية الاجتماعية التي تقرر للملك القوة المطلقة.
قد نجد شبها بين فلسفة توماس هوبز وجان جاك روسو والذي سيأتي الدور عليه في هذه الموسوعة، من شبه بين نظرية هوبز ونظرية العقد الاجتماعي، فالاثنان يريان أن الدولة هي اساس السلطة، وكل الأفراد يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات، ويري هوبز أن القوة هي أساس الحق، والقوة كلها مرتكزة في يد الملك، ولكن الاختلاف بين هوبز وروسو في مبدأ الديمقراطية، فهوبز يرى أن الملك ذو سلطة مطلقة، أما روسو فيرى أن للناس حق إسقاط الحكومات.
قد يكون هوبز بسبب ماديته التي أشرنا لها أكثر من مرة قد استنبط نظريته السياسية، ولكنه على الجانب الآخر فسر الإحساس بشكل مادي أيضا، حيث يفسر أي إحساس مهما كان على أنه مجرد حركة في ذرات الجسم، تنتقل إلى الدماغ ومنه إلى القلب والأعصاب، ويقول أن الاحساس عملية متصلة لا تنقطع، ونلاحظ أن هوبز يتبع العلم القديم في أن القلب هو مركز الاحساس، فيعتبر اللذة مثلا حركة في القلب.
وفي نظريته عن الاحساس يقول هوبز:
"للأجسام خاصتين ليس غير، هما الامتداد والحركة، وأن سائر الكيفيات المحسوسة ذاتية، حتى الزمان والمكان فإنهما صورتان من نوع الصور التي يحدثها فينا الامتداد والحركة، وباستطاعتنا الاحتفاظ بهما مع افتراض زوال الأجسام جميعًا، وذاتية الكيفيات المحسوسة قضية لازمة من قوله إن ما يحدث في العالم هو حركة فحسب، فكل ما يبدو في الشعور مغايرًا للحركة، يكون ذاتيًّا".
ويؤيد هوبز هذه القضية بما هو معروف من خداع الحواس والأحلام واختلاف الإحساس باللون، باختلاف الأشخاص والإحساس بالضوء عند ضرب العين أو إثارة العصب البصري، فكيف نفسر هذه الذاتية إذا لم تكن النفس جوهرًا مغايرًا للجسم، ولم يكن فعلها مغايرًا للحركة الجسمية.
|