|
القاهرة 16 يونيو 2026 الساعة 12:33 م

بقلم: محمد عطية محمود
1- قصص محمد حافظ رجب المتوحشة
في قصص رائد التجريب في القصة القصيرة العربية (محمد حافظ رجب) تتعدد النماذج المجسدة لفضاء مكاني يكاد يكون واحدًا بسمات متعددة، وقد ينبثق من مكتب/ مكان عمل/ مجتمع وظيفي متفسخ، ولكنه خارج بظلاله نحو مجتمع كبير/ فضاء أكثر رحابة أو اتساعا، أو دلالة على الجمع الذي يسقط الحالة على العموم والشمول..
في نموذج "المكتئب يستقل سفينة نوح" يبدو الكاتب استدراج شخوصه الذين يتعاملون مع الحياة بنمط كسر الحياء والانكشاف الذي يحول كل العلاقات المضمرة بالسوء والفحشاء إلى علاقات علنية عبثية مفضوحة تصل إلى حد الإطاحة بالمفهوم الأسمى لهذا الحياء أو الستر، في صورة من صور الانسلاخ عن الواقع المادي الملموس إلى واقع معنوي متفسخ يتضافر ويكشف إلى حد التعري الخالص، كل سماته علانية ويعبر عنها بعمليات استباق كتصوير مستقبلي لحدث سردي متوقع حدوثه/ متخيل فيما بعد، واستنتاج واستخلاص النتائج باعتبار ما سوف يكون، وما تم ترتيبه على أساس التسارع في العملية الحياتية التي تختزل الزمن وتشظيه، حيث:
"يتوزع الزمن بين أزمنة مختلفة، زمن الساعة/ الحالة وتسلسله الخطي، وزمن الحياة الداخلية الذي يخضع للزمن/ السلطة سلبيا ولا مباليا أو يتمرد عليه في جميع أشكال الاستعادة والاسترداد لزمن ما" ..
ومن ثم تحويله إلى كبسولة صغيرة جدا تنفجر في لحظة الإبداع القصصي المتوترة لتعبر فترات زمنية، ربما لاستعجال نتائج هذا التفسخ/ الفعل الفاضح الذي قد يكون مازال في طور الضمير، أو متحركا في الدواخل البشرية المغلقة التي تنزع إلى إبراز وتجلية تأثيره رغم إرادتها، أو خروجا عن الإطار المألوف، وإن كان بالداخل المعترك بآثامه والتي تنضح على الخارج المتباهي سواء بقدسيته المزيفة وعفته الظاهرة، أو برائحة العفن التي تصدر عن جوفه المتفسخ المليء بالمرض العضال، وذلك من خلال الولوج إلى عملية الغرق بشقيها المادي والمعنوي، من جهة، ولعبة التحولات الصارخة / الصادمة، التي تصيب المجتمع من جهة أخرى.
"صاح الرجل المكتئب، الممتدة حدوده بلا حدود، الواقف إحدى قدميه في (محطة الرمل) والأخرى فوق (قلعة قايتباي):
- سفينة نوح راسية في (الميناء الشرقي) من يريد أن يركبها.. من يريد؟
الأمطار تجتاح المدينة: غضب السماوات والأرض" ص67
من هنا يفتح النص، بسحرية واقعه المعنوية، بابا للغرق العام ماديا بسقوط الأمطار التي تهبط لتصل بالمدينة/ المكان الخارجي المفتوح على العالم، حد الغرق الذي يتنازعه هنا الشقان: المعنوي، والمادي بجزئيته التي تختص بالمكان، كمحرك خارجي وكإطار/ خلفية لعملية الغرق المعنوي التي يعاني منها الشخوص الواقعون تحت تأثير حيواتهم وعلاقاتهم الشائهة التي يعرض لها النص سواء بمشهديته أو غوصه داخل نفوس شخوصه الذين يجمعهم فضاء داخلي ضيق هو فضاء المكتب/ المجتمع الوظيفي ولكنه متسع على خلجات النفس وأغوارها:
"لضئيل الحجم أحضروا الشاي.. في احترام متدفق وضعوه أمامه.. فكر مرة.. ثم مرة.. قرر أن يلعب.. للسوداء التي إلى جواره همس همسة:
- الشاي أنت اشربيه.. لا أقبل ـ أنا ـ مشروبا من الرجل المكتئب..." ص69
ليمثل الرجل المكتئب هنا رمزا للآخر/ الملتزم الذي يمقته هؤلاء الشخوص، ممثلين هنا في شخصية ضئيل الحجم، كبير القيمة لديهم، والذي تبدو قيمته من خلال مظاهر التبجيل والتعظيم في تقديم الشاي له، بغض النظر عن ماهية ما يؤديه من عمل، قد يكون تافها أو غير ذي قيمة ولكنها قد تكون البيروقراطية أو الروتينية التي تجتاح هذا العالم الوظيفي، وهو ما تؤكد عليه العلاقة المتنامية على مستوى الحدث السردي، والمقطوعة على مستوى العلاقات الإنسانية التي يظهر فيها المكتئب داعيا للنجاة من هذا الخضم من أمواج الغرق:
"فزع الرجل المكتئب هو الآخر: تخطّوه في الحياة.. تخطوه في ركوب المشروع.. دفنوه في رمل النسيان.. قال لها:
- سيدتي الخاطبة: لي ابحثي عن طوق أضعه حول عنقي.. كي لا أهوهو وحدي في الظلمات..
- لا تصلح.. أنت زاهد.. زاهد أنت في أيام الهدير هذه، تقاوم صنف النساء الرقيق بالهوهوة" ص71
ليبدو هنا المكتئب غريبا على المشهد السائد، ومغايرا لما هو متعارف عليه، ليحيله النص إلى كلب تحركه شهوته، في علاقة عكسية مع معنى الفضيلة الذي يتوارى في كلماته الداعية إلى العفة والنجاة في ذات الوقت، وهو ما بشير إلى محاولة البعد الديني المتشدد ـ من وجهة نظر المجتمع ـ في الولوج داخل إطار مجتمع قد لا يعترف بأحقية وجوده، أو يهرب منه نحو علاقات شائهة بعيدة عن قيم التطهر والعفة ومحاولات النجاة من الإثم، وهو ما يلعب عليه النص بهذه الإشارات المتواترة، والثاقبة لنسيج الواقع المتفسخ، بغض النظر عن آليات التعامل مع هذا الواقع وسمات التشدد التي تتراوح بين العادي المفترض وجوده، والمغالى فيه، وهي إشكالية أخرى مغايرة من إشكاليات التعامل مع النموذج/ النماذج الصارخة للواقع..
• توترات شق الثعبان
في "توترات شق الثعبان" نجد رصدا متواترا لحالة جديدة من حالات التفسخ الوظيفي/ المجتمعي التي تظاهرها عملية غرق/ مطر حقيقي يواجه/ ينتاب المجتمع، ويبعث بألسنة برودته في نفوس الشخوص المتحولة في عبثية لا تخلو منها كل المواقف التي تتبناها كل الشخوص، بحيث يمثل الثعبان هنا الحياة المدلسة نفسها، مع التأكيد على عملية التباديل اللغوية التي تشعلها تركيبة الجملة القصصية المتمايزة في كتابات حافظ رجب، عن طريق الخلخلة بغير المعقول سواء على مستوى الحدث أو على مستوى التعامل مع اللغة..
تلقي بداية النص بجملتها الدالة على الشخصية المنوط بها عملية الكشف أو المفتاح للحالة المرصودة على نحو ما يقول:
"غادر بهجت ثدي أمه مهرولا.. ليصير رئيسا للسكرتارية" ص75
تلعب البداية الدالة، الواشية بسخرية مختلطة بالعبث عن حال الشخصية التي قفزت على منظومة العمل، رغم حنق المحيطين بها وعدم اقتناعهم، وهو ما يبرر هذه النزعة التهكمية التي يستهل بها الكاتب نصه، اتكاءً على اختزال تاريخ هذه الشخصية في جملتين تبتعدان زمنيا في بعدهما المادي المتمثل في الواقع الثابت، بينما تقتربان معنويا من تجسيد الحالة التهكمية الدالة على مدى القفزة التي قفزتها الشخصية في مقابل هذه النزعة التي تلعب دورا رئيسا في إذكاء الصراع الدائر على مدار النص بين شخوصه المتناحرة، وهو الصراع الدائر في مكان/ محيط العمل، بين تلك الشخوص التي تدخل تباعا في فضاء المشهد القصصي، انطلاقا من هذه الرؤية المتشابكة القائمة، والتي تتلون علاقاتها القائمة على أرض الواقع بأقنعة معنوية تظهر وجوهها الداخلية القبيحة، وعن طريق تلك العبثية المغرقة الدالة على ما ينخر في الذوات المتجاورة في هذا المحيط؛ ليكون رد الفعل المتخيل من شخصية كـ "صلاح كرموز"، على نحو:
"تناول كليته.. بنار الحشا سوّاهما.. غرس فيهما الشوكة والسكين.. مضغهما على مهل." ص76
تبدو الصورة المجازية هنا دالا على ما يمور داخل النفس البشرية المحتقنة بالغل والشر، من خلال عملية الاستبطان التي يلعب عليها الكاتب لاجترار السوء من أعماق الذات وتجليته، من خلال إبراز الجانب النفسي المرير الذي يتعارك بالداخل، تمهيدا لاشتعال مواجهات أخرى تتصارع فيها الشخوص من خلال أحداث خارجية كثيرة تلقي بظلالها الثقيلة على الداخل الذي فقد حواسه، ليرتع في غياهب الغيبوبة التي تعيده في كل الأحوال إلى بداوته الأولى، ورغم ذلك تعود الشخصية المفتتحة لتطفو على السطح من خلال صوتها الملتبس بين الداخل والخارج لتكون نهاية الصراع كما يأتي، من خلال الحوار والمواجهة:
- كلنا إخوة يا بهجت بيه.. استلم أنت البوستة..
هزّ المقام العالي.. تناثر حوله البنيان المستريح.. تفرّق في جميع الأركان..
قال رئيس السكرتارية:
- أنا أستلمها أنا.. حامل أختام الملكة... حامل أزمنة الساعة الميقاتية.. منظم دقات الزمن.. تواجهني أنت بالعناد..
مد صلاح كرموز فكه المفترس.. التهمه.. وقفز إلى بحر قايتباي" ص76/77.
|