|
القاهرة 16 يونيو 2026 الساعة 12:30 م

كتبت: أميرة عز الدين
إن المعالجة الدرامية في "أنا والحمار وهواك"- للكاتب طارق عمار والمخرج الفنان مجدي عبيد- لم تقم فقط على تمصير نص "فريدريك دورينمات" قضية ظل الحمار؛ بل كانت إعادة لبناء الدراما بالكامل تقريبًا مع احتفاظها بعقدة الحبكة الأساسية وهي الصراع العبثي حول حق الانتفاع بظل الحمار، وبينما كان "دورينمات" ينتقد البيروقراطية وفساد القضاء؛ انتقدت النسخة المصرية الأخيرة مجتمعنا المعاصر وسبل صناعة رأيه العام الذي أكثر ما يحركه ويتحكم فيه هو "التريند"!
بعد نقل الأحداث إلى قرية مصرية شعبية هي «سفندة العرس»؛ كان لا بد من إعادة رسم الشخصيات لتخرج لنا كما رأينا مصرية خالصة، صبري طبيب الأسنان، وصابر العربجي، والعمدة، وشيخ البلد، وشيخ الغفر، والراقصة، والخادمة، وهذا التحويل رسم بعدًا اجتماعيًا محليًا للأحداث بما يخدم القضايا المطروحة في المعالجة، كما أضيف خطًا دراميًا جديدًا متمثلًا في شخصية السلكاوي- تاجر «الحاجات والمحتاجات»- والمحرك الخفي للأحداث لأنه المستفيد الأول من تلك الفوضى التي عمت القرى، فوظف النزاعات لمصالحه الاقتصادية، فانتقلت القضية من مجرد عبث قانوني إلى نقد للرأسمالية الجشعة التي تستثمر في الأزمات وتغذيها.
في النص الأصلي كذلك نجد الأحداث ركزت على المتقاضين وأصحاب السلطة، بينما وسعت المعالجة الدائرة لتشمل الزوجتين "زهيرة" و"وجيدة" وعلاقتهما بالسلطة المحلية، إلى جانب شخصية تعيلب المحامي الذي يبدو في الظاهر مدافعًا عن حق الحمار المغلوب على أمره؛ لكنه في حقيقة الأمر يبحث عن أقصى استفادة من وراء قضيته، ولذلك خطط تعيلب للحصول على تسجيلات وفيديوهات تكشف محاولات الزوجتين للتأثير على سير القضية لصالح زوجيهما؛ مما أدى بهن إلى فضائح شخصية استغلها تعيلب لاحقًا للتشهير بالمتقاضين وإضعاف موقفهم، الأمر الذي يكشف أن "السوشيال ميديا" في عصرنا الحالي تحولت إلى سلطة قادرة على هدم السمعة وتوجيه الأحكام وصناعة الحقائق، وبالفعل تضخمت القضية عبر «التريند» والفضائح الرقمية المنتشرة حولها؛ على عكس النص الأصلي الذي تضخمت فيه الأحداث عبر الإجراءات القانونية.
مما أضافته المعالجة أيضًا وجود الراوي و"الكورس" والأغنيات المشاركة في الحدث الدرامي بالتعليق والكشف، والتي منحت العرض طابعًا قريبًا من المسرح الشعبي المصري والسامر والحكواتي؛ وفي الوقت نفسه تناسبت مع عبثية النص الأصلي لـ "دورينمات"، كذلك خلقت مسافة تفاعلية بين الجمهور والحدث خاصة والعرض قدم فيما يشبه مسرح الغرفة بعيدًا عن شكل العلبة الإيطالي التقليدي.
أما التحول الأهم بين المعالجة والنص الأصلي فيكمن في النهاية، ففي "قضية ظل الحمار" ينصب التركيز على تضخم النزاع القانوني ذاته؛ بينما في "أنا والحمار وهواك" تتفاقم الأمور إلى مستوى أكثر كارثية بعد أن تؤدي المؤامرات إلى إشعال الفتنة بين أهل القرية ويُستخدم الحمار ككبش فداء لينجو المتسبب الحقيقي في الخراب، من هنا تصبح القضية رمزًا لمجتمع ينشغل بالصراعات الجانبية والفضائح الإعلامية حتى يعجز عن رؤية المتسبب الحقيقي فيها؛ وهو في ظني جرس الإنذار الحقيقي، حيث أن ظل الحمار لم يعد مجرد ذريعة لنزاع عبثي بل أصبح شرارة تكشف هشاشة المجتمع كله واستعداد الناس للانسياق وراء الشائعات والفضائح؛ حتى أن الأمر قد ينتهي بحرق المجتمع نفسه.
وبالنظر إلى تقديم تلك الرؤية المعاصرة لنص "قضية ظل الحمار" لـ "دورينمات"؛ نجد أن الرؤية الإخراجية للفنان المخرج مجدي عبيد قد جاءت لتعكس عبثية التصور في كل التفاصيل، بداية من وضع الجمهور نفسه داخل الأماكن الافتراضية للأحداث، ومرورًا بالرؤية التشكيلية والملابس التي صممها شادي قطامش؛ لنجده رفع صورًا للحمار بطل القصة جنبًا إلى جنب مع لافتات السلكاوي- تاجر كل شيء- في توازن يعكس كيف أن أي شيء يجد فيه السلكاوي مصلحته فهو ندٌ له حتى ولو كان حمارًا.
كذلك الملابس جاءت لتلفت النظر إلى أنه لا تفاوت كبير بين الطبقات الاجتماعية لتلك القرية؛ سواء أكانت الشخصية لأحد رجال سلطتها كشيخ الغفر وشيخ البلد أو كانت الشخصية للعربجي صاحب الحمار، الكل يرتدي ملابس تمتلئ بالرقع دلالة على عدم منطقية ذلك التعالي غير المبرر تجاه العربجي، ولم يشذ عن تلك القاعدة سوى العمدة وبيت الراقصة والهجام؛ ربما لعدم اتخاذهم الموقف نفسه ضد العربجي، حتى ذلك الطبيب الذي يضربون المثل بحسن هندامه ورقيه وسلوكه الرقيق؛ كان يشبه تلك الصورة القديمة لحلاق الصحة في ستينيات القرن الماضي، بينما حققت ملابس المحامين دلالة قوية بتماثل لون "روب" ممثلي الادعاء للطبيب والعربجي؛ ليكون باللون الأسود والأحمر، في مقابل "روب" المحامي تعيلب- محامي الحمار- الذي كان باللون الأسود فقط؛ ربما كدلالة على "ميكيافيلليته" الواضحة.
أما موسيقى سيد رمضان وأغاني طارق عمار فقد خرجت بصورة خدمت الموضوع وتفاعل معها الجمهور بشدة، فبدأ العرض بـ "أوفارتير" قدمه "الكورس" ليلخص لنا أحداث الحكاية على طريقة شعراء الربابة في مصر قديمًا، ثم جاءت الأغنيات داخل الأحداث كبديل لبعض المشاهد وأحيانًا تعليقًا عليها؛ كما لو كانت أحد أبطال العرض هي الأخرى.
ولو جئنا للحديث عن الممثلين الذين هم أهم أدوات المخرج في أي عرض؛ لوجدنا هنا أيضًا تباينًا في فريق المشخصين بين ممثلين محترفين وآخرين هاوين وآخرين ممن يدرسون التمثيل بصورة أكاديمية، فاثنان من حكائي العرض مثلًا - عزيز نشأت ومحمد أيمن- من شباب المسرح الجامعي بالإضافة لأحمد فرج في دور السلكاوي صاحب المصالح المسيطر على كل شيء، وأسامة سيد في دور تعيلب المحامي الداهية المحرك للأحداث، ومهند ناصر في دور محامي العربجي، لذلك جمعوا بين الحماس والشغف في أدائهم، وأما الطبيب- محمود القاضي- فكان محترفًا وأكاديميًا يدرس التمثيل.
وبالنظر إلى داليا كمال التي قدمت دور الحكائة القائدة التي تعرض علينا القصة برمتها من البداية، وقدمت داخل الأحداث دور إحدى سكرتيرات السلكاوي؛ وكأنها تريد أن تخبرنا أن السلكاوي "إيده طايلة" حتى "كواليس" الحكاية!
أما ثنائيات العرض نجد لدينا العربجي صابر وزوجته وجيدة- أحمد سعيد وجهاد عصام- يقدمان ببراعة النموذج التقليدي للرجل البسيط وزوجته السعيدين رغم حالهما المعدم، حتى أنها أصابها القلق من رقة الصفعة التي تلقتها من صابر في صباح ذلك اليوم وتشائمت بسببه، وحين انساقت خلف شافعات الراقصة للتوسط لزوجها لم تسقط في الخطيئة حبًا فيها ولكن لقلة حيلتها.
على عكس الثنائي المقابل؛ طبيب الأسنان صبري وزوجته زهيرة اللذان قاما بدورهما محمود القاضي ونوران حسام، فقد قدما دور الزوجين المدعيين بجدارة؛ تجلت في محاولات الزوجة أن تبدو راقية باللدغة المفتعلة، ومحاولات الطبيب أن يبدو "جنتلمان" فأصبح منقادًا لها ليرضيها، ويبدو أنها ارتضته زوجًا بسبب امتلاكه المال الذي لم يمتلكه أبو عرسة حبيبها القديم وشيخ البلد الحالي، ولذلك حين ذهبت ليتوسط لها لدى المحكمين لم يبذل مجهودًا كبيرًا في إغوائها وسقطت عن رغبة منها في ذلك!
أما عن علاقة زهيرة بأبي عرسة وعلاقة وجيدة بأبي حداية؛ فقد كانت ثنائيات متقاطعة باحترافية كواحدة من نتائج تلاعب البيروقراطية بالأهالي؛ ودفعهم للبحث عن مخرج لمصالحهم بطريقة صورية حتى ولو كانت غير شريفة!
وأما عن الفنانة والمخرجة ماجدة اللبان في دور شافعات؛ فقد قدمت دورًا جديدًا عليها ومغاير تمامًا لما قدمته في السابق، وأظن إن لم تخني الذاكرة أنها المرة الأولى التي تقدم فيها دور راقصة، وإن بدت مقنعة تمامًا وهي تستخدم الصاجات بإتقان وتناغم.
في دور العمدة أفندي جاء الفنان والمخرج محمد البدر ليجمع بين الاحتراف الذي مارسه منذ الطفولة والدراسة الأكاديمية للدراما والنقد، وربما لذلك كانت تعبيراته الصامتة أسبق أدواته التي يلاحظها المتفرج بسهولة؛ خاصة في تلك اللحظات التي كان يحاول فيها السيطرة على الخلاف بين الطبيب والعربجي وحل الأمر بصورة ودية ليوفر عليهما مشقة كل ما تعرضا له فيما بعد من استغلال القائمين على منظومة القانون في القرية، بل وقد يشعر المتفرج أنه حين صاح بهما قائلًا: "مش أنا اللي بقول دا القانون اللي بيقول" كان يقصد القانون العرفي الذي في رأيه أرحم وأسرع في تحقيق العدالة من القوانين الوضعية، ولهذا أيضًا كان أكثر المصدومين بتفاقم القضيتين وفشلهما معًا بسبب عدوى التسريبات التي وجد نفسه مجبرًا معها على الحكم برفض الدعوتين المقدمتين من الطبيب والعربجي على حد سواء.
أخيرًا يمكننا القول إن الفكرة الجوهرية عند "دورينمات" كانت: كيف تتحول قضية تافهة إلى كارثة جماعية، أما المعالجة المصرية "أنا والحمار وهواك" فقد أعادت تفسير أسباب هذه الكارثة بما يتناسب مع الواقع المصري المعاصر، فبدلًا من تضخم البيروقراطية وحدها أصبحت "السوشيال ميديا" والوساطات والمصالح الاقتصادية الخفية هي القوى التي تدفع المجتمع لمثل تلك النتائج العبثية.
"أنا والحمار وهواك" عرض كوميدي غنائي من إنتاج قصر ثقافة روض الفرج شعبة التجارب النوعية، أبطاله حسب الظهور: داليا كمال، نهال حسام، أحمد فرج، محمود القاضي، نوران حسام، أحمد سعيد، جهاد عصام، محمد البدر، مهند ناصر، ياسين محمد، أسامة سيد، محمد صبري، منال عامر، ماجدة اللبان، زهير إسماعيل في دور دمهوجي وحل محله في آخر ليلتي عرض وليد الديب، أيمن صلاح، أمير الحديدي، محمود الدالي، حكائون العرض: عزيز نشأت، محمد أيمن، داليا كمال، رؤية تشكيلية وملابس لشادي قطامش، موسيقى سيد رمضان وتوزيع نوار مجدي وغناء فريق كورال ارسم حلمك، إدارة مسرحية: إيمان سعيد، حور البدر، مساعدا الإخراج: ناريمان حسام، نهال حسام، المخرجان المنفذان: منال عامر، محمد البدر، دراماتورج وأشعار: طارق عمار، إخراج: مجدي عبيد.


|