القاهرة 16 يونيو 2026 الساعة 11:52 ص

بقلم: أميرة السمني
بينما أنا أكتب عن حادثة دنشواي بمناسبة حلول ذكراها المئة والعشرين، تذكرت رسمة لبرج حمام يصوب نحوه عسكري إنجليزي بندقيته. تساءلت لماذا تخطر هذه الرسمة تحديدًا ببالي كلما قرأت أو سمعت اسم "دنشواي"، وكأنها المعادل البصري للكلمة، فرحت أفتش في ذاكرتي حتى اكتملت الصورة.
كانت المرة الأولى التي عرفت فيها حادثة دنشواي عندما أهداني والدي رحمه الله كتابًا عنها وحكى لي حكايتها وأنا طفلة. تفقدت مكتبتي لأبحث عن هذا الكتاب، ولدهشتي وجدت بين صفحاته الرسمة التي احتفظت بها في خيالي كل هذه السنوات، وتساءلت هل يمكن لرسمة أن تحفظ تاريخًا؟!
قبل أن أجيب على السؤال، دعني أولًا أحكي لك حكاية دنشواي بسرد تاريخي فني أستند فيه إلى مراجع تاريخية وأعمال فنية. تضم المراجع كتاب "مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية" للمؤرخ عبد الرحمن الرافعي، و"مجلة المجلات العربية" (عدد فبراير 1908)، بالإضافة إلى كتاب "فظائع العدالة تحت الحكم البريطاني في مصر: حادثة دنشواي بقلم بريطاني معاصر للأحداث" للمؤرخ ولفريد سكاون بلنت، الصادر ترجمته حديثا عن المركز القومي للترجمة، بترجمة د. أحمد خفاجة رحيم وتقديم أ.د. خلف الميري. أما الأعمال الفنية فهي من متحف دنشواي الذي أنشئ عام 1963 في نفس المكان الذي شهد الواقعة بمحافظة المنوفية، وأعيد افتتاحه بعد تطويره عام 1999، ليظل شاهدًا على فصل من كفاح الشعب المصري.
ترجع بداية الأحداث إلى يوم الأربعاء 13 يونيو 1906، حيث عسكرت كتيبة من الضباط البريطانيين في طريقهم من القاهرة إلى الإسكندرية بقرية كشميش بالمنوفية، وذهب خمسة منهم ليصطادوا الحمام في قرية دنشواي التابعة لشبين الكوم، التي كانت تشتهر بأبراج الحمام. انقسم الضباط إلى فريقين وكانوا مسلحين يرتدون ملابسهم العسكرية، فظل أحدهما على السكة الزراعية لصيد الحمام على الأشجار، وتوغل الفريق الآخر داخل القرية لاصطياد الحمام الذي يربيه الأهالي ويلتقط الحب من أجران القمح.
كان جرن القمح الذي اختاره الضابطان مملوكًا لمؤذن القرية محمد عبد النبي، وعندما بدآ في تصويب النيران على الحمام، صاح بهم الأهالي ليتوقفا خشية اشتعال الجرن، ولكنهما لم يعبآ بالتحذيرات واستمرا في إطلاق النيران، فأصابا زوجة المؤذن وأشعلا النيران في الجرن. واستغاث الحاضرون "الخواجة قتل المرأة وحرق الجرن"، فاجتمع الأهالي وحضر بقية الضباط. وعندما وصل شيخ الخفر ومعه الخفراء، أطلق الضباط النيران عليهم وأصابوهم، فانتفض الناس يدافعون عن أنفسهم بالطوب والنبابيت في مقابل رصاص البنادق، وأصيب أحد الضباط بكسر في ذراعه وأصيب ضابطان آخران بجروح خفيفة، وتمكن الخفراء من أخذ أسلحتهم واحتجازهم حتى جاء ملاحظ الشرطة وأوصلهم للمعسكر. ننتقل إلى قلب هذا المشهد في دنشواي بريشة الفنان أحمد علي خليل في لوحته "حريق الجرن" حيث نشهد بأعيننا فزع الفلاحين بعد اندلاع الحريق، يقابله لا مبالاة الجندي الذي ما زال يكمل تصويب النيران على الحمام، وفي الخلفية نرى الأشجار وأبراج الحمام لنشعر كم كانت هذه القرية هادئة وآمنة قبل وصول هؤلاء الجنود.
في أثناء الاشتباكات، فر أحد الضباط ويدعى كابتن بول بصحبة طبيب بيطري كان معهم، وركضا مسافة كبيرة حتى أصيب الضابط بضربة شمس في سرسنا، حيث تركه الطبيب وأكمل حتى وصل إلى معسكر الكتيبة. جاء الجنود الإنجليز لسرسنا ووجدوا الضابط المصاب وبجواره فلاح مصري اسمه "سيد أحمد سعيد" يعطيه ماء فهشموا رأسه وقتلوه شر قتلة، ولم يحاسب أحد على مقتله. يوثق الفنان مصطفى محمد الفقي في لوحته "قتل سيد أحمد سعيد" بشاعة المشهد الذي تكالب فيه الجنود ببنادقهم على رجل أعزل فأردوه قتيلًا.
وما إن علم قادة الاحتلال بالحادثة، وما نتج عنها من وفاة أحد الضباط وإصابة آخرين، حتى عقدوا العزم على أن يجعلوا من أهل قرية دنشواي عبرة لكل من تسول له نفسه الدفاع عن نفسه وأرضه أمام بطش الاحتلال. فتوجه السيد ماتشيل المستشار الإنجليزي لوزارة الداخلية على رأس قوة كبيرة من الشرطة إلى دنشواي، واعتقلوا العشرات من الأهالي جزافاً. وقرر اللورد كرومر أن تتم محاكمة المتهمين وفقاً لقرار عام 1895، الذي يقضي بتشكيل محكمة مخصوصة للنظر في الجنايات والجنح التي تُرتكب ضد ضباط وجنود جيش الاحتلال ولا يُسمح بالاستئناف فيها، وكانت المحكمة برئاسة بطرس غالي.
أما المدعي العام فكان إبراهيم الهلباوي، وهو محامٍ شهير حظي بمكانة عالية بين الناس قبل أن تُسقطه هذه الواقعة وتورثه الازدراء بعد أن كان مضرباً للأمثال في الفصاحة والقدرة على تبرئة من يدافع عنه. أشاد الهلباوي في مرافعته بسلوك الضباط الإنجليز "النبيل"، وألصق بالفلاحين تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار وإشعال النيران في الجرن كإشارة لبدء الهجوم، وطالب بالإعدام لسبعة من الأهالي وبأشد العقوبات لباقي المتهمين، فصار في نظر الناس هو من شنقهم بلسانه، حتى قال عنه الشاعر حافظ إبراهيم "أنت جلادنا فلا تنس أنا قد لبسنا على يديك الحدادا"، ولقب بجلاد دنشواي.
انعقدت المحاكمة بعد أسبوعين فقط، بتاريخ 27 يونيو 1906، وصدرت فيها أحكامًا بحق 21 مصرياً، تراوحت بين الإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة والسجن والجلد. أصر الإنجليز على أن يتم تنفيذ الأحكام في مكان وتوقيت الحادثة، فاتخذوا من دنشواي ساحة علنية لعرض وحشيتهم، كما يصور لنا الفنان صبري محمد منصور هذه الساعات العصيبة في لوحة "ساحة الأحكام" في مشهد يملأ القلب بالرهبة والألم.
وثق تفاصيل هذه المحاكمة الصحفي أحمد حلمي، جد الشاعر صلاح جاهين، في مقال بعنوان "يا دافع البلا: الإعدام والتعذيب في دنشواي" بجريدة "اللواء"، وأنهى تحقيقه بهذه الكلمات: "وهذا رجائي من القراء أن يقبلوا معذرتي في عدم وصف ما في البلدة من مآتم عامة وكآبة مادة رواقها على كل بيت وحزن باسط ذراعيه حول الأهالي حتى أن أجران غلالهم كان يدوسها الذين حضروا لمشاهدة هذه المجزرة البشرية وتأكل منها الأنعام والدواب بلا معارض ولا ممانع كأن لا أصحاب لها. ومعذرتي واضحة لأني لم أتمالك نفسي وشعوري أمام البلاء الواقع الذي ليس له من دافع إلا بهذا المقدار من الوصف والايضاح". وفي منحوتة "أحزان دنشواي" للفنان فاروق إبراهيم تتحول كلمات أحمد حلمي التي تصف مدى حزن أهل دنشواي إلى حقيقة نراها بأعيننا في تجسيده للنساء النائحات، وفي أعلى التكوين يطير الحمام متجهًا نحو الخارج وكأن السلام يعلن مغادرته للقرية.
أراد الاحتلال بهذه الوحشية في تنفيذ الأحكام إخضاع المصريين، وغرس الإحساس بالعجز والاستسلام بداخلهم، ولكنهم لم ينجحوا في كسر المصريين، فكما نرى في تمثال "فلاح دنشواي سنة 1906" للفنان محمد عبد المنعم، يقف المصري بقامة مستقيمة وهامة مرفوعة تشي بالكرامة حتى وهو مقيد بالأغلال. ونراه في تمثال آخر بعنوان "فلاح ينقش على الحجر ذكرى دنشواي" للفنان صبحي جرجس سعد وهو يحاكي تمثال الكاتب المصري القديم، ولكنه يجعل النص مواجهًا للرائي مخلدًا في ذاكرته تاريخ دنشواي. وفي المقابل يتسم جندي الاحتلال بضآلة حجمه وهو يقف حاملًا بندقية يعلو طولها رأسه كما يظهر في تمثال "حرس من الجنود الإنجليز يقف أثناء المحكمة" للفنان محمود شكري.
على عكس ما أراد الإنجليز، كانت حادثة دنشواي هي الشرارة التي أشعلت جذوة النضال ضد الاحتلال، والذي حمل لواءه الزعيم الوطني مصطفى كامل "المصري باشا اللي ما عرفوا شواربه الذل"، كما يصفه صلاح جاهين في رائعته "على اسم مصر". حوّل مصطفى كامل مشاعر اليأس والقهر والعجز التي ألمّت بالمصريين بعد دنشواي إلى طاقة غضب هائلة وحّد بها كلمتهم، وأثار بها الرأي العام في أوروبا ضد الاحتلال، وأسمع العالم صوت مصر الرافض للظلم. وكتب في جريدة "الفيجارو" مقالاً بعنوان "إلى الأمة الإنجليزية والعالم المتمدن"، فضح فيه ما فعلته إنجلترا في حادثة دنشواي وطالب باستقلال مصر، وفيه يقول: "إن مقصدنا الذي نرمي إليه هو استقلال وطننا، ومحال أن يوجد شيء ينسينا هذا القصد". لم يكتفِ مصطفى كامل بالكتابة، وإنما سافر إلى إنجلترا، حيث التقى برجال السياسة ليوضح لهم جرائم الاحتلال في مصر.
تُوج جهاد مصطفى كامل بالنصر في عدة جوانب، من أهمها إقالة اللورد كرومر (إبريل 1907)، وانضمام جموع الشعب إلى الحركة الوطنية لمقاومة الاحتلال ونيل الاستقلال، واهتمام الصحف العالمية بالقضية المصرية، وصدور عفو من الخديوي عباس عن المحكوم عليهم في قضية دنشواي (1908). وقد صور لنا الفنان فؤاد تاج في لوحة "نقل المفرج عنهم" مشهد نقل هؤلاء المظلومين من سجن القناطر إلى بلدتهم في مركب نيلي حيث استقبلهم الأهالي بالطبل والزمر. أما الزعيم مصطفى كامل فقد جسد تمثاله الفنان حلمي طاهر ليظل حيًا في ذاكرتنا وقلوبنا وملهمًا لنا بإخلاصه وحبه لوطنه.
أعود إلى سؤالي، هل يمكن لرسمة أن تحفظ تاريخًا؟ الفن بمختلف صوره قادر على حفظ التاريخ، فهو يخرج الحدث من كتب التاريخ ليجسده ويجعلنا قادرين على رؤيته بأعيننا ولمسه بأيدينا ليخلد في ذاكرتنا تمامًا كما بقيت في ذاكرتي لسنوات طويلة رسمة بسيطة عن دنشواي. الفن يضفي على التاريخ لمسة إنسانية، فيجعلنا نتجاوز معرفة الحقائق المجردة إلى معرفة الإنسان، بخوفه وحزنه وألمه وشجاعته، ليخلد الضحية ويمنحه بعد موته صوتًا، ويلعن الجلاد.

لوحة "نقل المفرج عنهم" للفنان فؤاد تاج

"أحزان دنشواي" للفنان فاروق إبراهيم

لوحة "ساحة الأحكام" للفنان صبري محمد منصور

لوحة "قتل سيد أحمد سعيد" للفنان مصطفى محمد الفقي